كوردستان هي الحل الذي يخشاه الشرق الأوسط (1/2)

د. محمود عباس

من كوردستان في ذاكرة الطفل إلى كوردستان في عتمة السياسة

طوال قرن كامل، جرّب الحراك الكوردستاني تقريبًا كل لغة سياسية ممكنة لإقناع الدول التي اقتسمت كوردستان بأن الشعب الكوردي ليس ضيفًا على أرضه، ولا أقل شأنًا من الشعوب التي أُنشئت لها دول وحدود وحكومات. تحدّث الكورد عن الأخوّة، والمواطنة، والوطنية المشتركة، والديمقراطية، واللامركزية، والفيدرالية، وتقاسم السلطة، وبناء أوطان تتسع للجميع. بل إن بعض أطراف الحراك تجاوز الخطاب القومي نفسه، وطرح مشاريع تقوم على تجاوز القوميات، على أمل أن يقتنع الآخر أخيرًا بأن الكوردي شريك لا تابع.

لكن ماذا كانت حصيلة قرن كامل من هذه اللغة؟

قرن من الوعود، وقرن من الإنكار، وقرن من القمع، ولم يحصل الكوردي إلا على الفتات.

قليل من الحقوق، وكثير من الوعود، ومراحل متعاقبة من التعريب والتتريك والتفريس والتهجير. وفي أفضل الحالات، جرى التعامل مع اللغة الكوردية، أو الإدارة المحلية، أو بعض أشكال المشاركة السياسية، وكأنها مِنَح تمنحها السلطة متى شاءت وتسحبها متى شاءت، لا حقوقًا أصلية لشعب يعيش على أرضه التاريخية.

وهنا تظهر واحدة من أكثر المفارقات إيلامًا في حياة الإنسان الكوردي.

فالطفل الكوردي لا يبدأ حياته بقراءة البرامج السياسية ولا بمعرفة خرائط سايكس ـ بيكو. يبدأها في البيت. يسمع لغته من أمه، ويقال له في أذنه إنه كوردي، ويعرف اسم قريته وجباله وأرض أجداده قبل أن يعرف أسماء العواصم التي تحكمها. وفي بعض البيوت يُلفّ الطفل بعلم كوردستان كما يُلفّ بحنان أسرته، فتنمو معه كلمة كوردستان قبل أن يعرف معنى الحدود الدولية أو موازين القوى.

إنها ثقافته الأولى والأكثر صدقًا، لأنها تأتي قبل الخوف وقبل حسابات الممكن والممنوع.

ثم يكبر.

وعندما يبلغ سن الوعي السياسي تبدأ الصدمة.

يكتشف أن الكلمة التي تربّى عليها في البيت أصبحت في بعض الخطابات السياسية كلمة ثقيلة ينبغي خفض الصوت عند التلفظ بها. كوردستان التي كانت واضحة في ذاكرة الطفولة تُدفع فجأة إلى العتمة، وتظهر أمامها عبارات: «الواقعية السياسية»، و«الظروف الإقليمية»، و«الشراكة الوطنية»، و«حساسية المرحلة»، و«عدم استفزاز الآخرين».

وهكذا يتعلم الشاب الكوردي ثقافة ثانية تناقض ثقافته الأولى: ألا ينكر هويته تمامًا، ولكن أن يخفض سقفها؛ ألا يتخلى عن كوردستان في قلبه، ولكن ألا يجعلها مشروعًا سياسيًا معلنًا؛ أن يحب وطنه التاريخي في وجدانه، وأن يعلن ولاءه لوطن سياسي رسمه له الآخرون.

ومن هنا تولد الازدواجية المؤلمة:

كوردستان في الوجدان، وواقع سياسي آخر في الخطاب.

لقد حاول الحراك الكوردستاني طوال عقود إدارة هذه الازدواجية. بعض أطرافه طالب بالاستقلال ثم تراجع تحت ضغط الموازين الدولية والإقليمية. بعضها اكتفى بالفيدرالية، وبعضها بالحكم الذاتي، وبعضها بالشراكة في دولة مشتركة، وبعضها ذهب أبعد حتى كادت كلمة كوردستان تغيب عن خطابه السياسي كله.

لكن إلى متى ينبغي للكوردي أن يختبئ من حلمه كي يرضى عنه الآخر؟

وبعد قرن من التجربة، لماذا ينبغي له أصلًا أن يعتذر عن كوردستان؟

الأكثر دلالة أن الخطاب المعادي للكورد لم يعد قادرًا حتى على إخفاء تناقضه.

كانوا، ولا يزالون، يقولون في تركيا وسوريا: لسنا ضد الشعب الكوردي، بل ضد حزب العمال الكوردستاني. ثم أصبحت القائمة تشمل PYD، ثم قسد، ثم الإدارة الذاتية.

والصيغة نفسها استُخدمت في العراق زمن البعث وصدام حسين ضد الأحزاب الكوردستانية، وفي إيران في عهد الشاه ثم في عهد الجمهورية الإسلامية ضد الأحزاب والقوى الكوردستانية هناك: نحن لا نعادي الكورد، بل نعادي أحزابهم وقياداتهم وحركاتهم.

ثم امتد الهجوم إلى تاريخ الحركة السياسية الكوردية نفسها.

وهنا يسقط القناع.

إذا كنت «تقبل» الشعب الكوردي، ولكنك ترفض كل قوة سياسية ينظم نفسه من خلالها، وكل مؤسسة يبنيها، وكل إدارة ينشئها، وكل حركة تدافع عن حقوقه، فما الذي بقي من هذا القبول؟

يريدون الكوردي فردًا بلا تنظيم، وشعبًا بلا قيادة، وقومية بلا مشروع، وذاكرة بلا حركة سياسية. يريدونه في الأغنية والرقصة واللباس، لكن ليس في الدستور والقرار والسيادة. يريدونه أن يقول: «أنا كوردي»، ولكن ألا يسأل:

أين كوردستان؟

هذه ليست محبة للكورد، بل صيغة حديثة لإفراغ الهوية الكوردية من مضمونها السياسي.

ولهذا آن للحراك الكوردستاني أن يعيد النظر في لغته. لا أن يتخلى عن الدبلوماسية، ولا أن يقفز فوق موازين القوى، بل أن يتوقف عن التعامل مع كوردستان وكأنها فكرة ينبغي الاعتذار عنها.

فلماذا تكون تركيا حقًا طبيعيًا للتركي، وإيران وطنًا للفارسي، والدول العربية أوطانًا للعرب، بينما تصبح كوردستان «خطرًا» عندما يطالب بها الكورد؟

ومن قال إن الحدود التي رُسمت قبل قرن أصبحت مقدسة إلى الأبد، حتى عندما أثبتت التجربة أنها صنعت أزمات أكثر مما صنعت أوطانًا؟

هنا يبدأ السؤال الذي ينبغي أن يواجهه الشرق الأوسط كله:

هل كانت كوردستان هي المشكلة حقًا، أم أن إنكارها هو المشكلة التي حاول الجميع الهروب من مواجهتها؟

يتبع…

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

14/8/2026 م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد حسو من يتخلّى عن قضيته الوطنية والمصيرية، تحت أي ذريعة كانت، سواء أُطلق عليها اسم التكتيك أو السياسة أو الواقعية أو الحسابات المرحلية، لا يخسر موقفًا عابرًا فحسب، بل يغامر بمكانته في ذاكرة شعبه والتاريخ. فالتاريخ لا يحفظ أسماء الذين فرّطوا بالحقوق حين اشتدّت المحن، ولا يكرّم من جعلوا من التراجع فضيلة، ومن التنازل سياسة، ومن الصمت حكمة. قد…

م. عبدالباقي علي ما يجري اليوم في المناطق الكردية السورية ومحيطها لا يبدو، في رأيي، مجموعة أحداث منفصلة أو مجرد مصادفات متزامنة. هناك سلسلة من المؤشرات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي توحي بأن مرحلة كاملة يجري إعادة ترتيبها، وأن الكثير من الأوراق التي استُخدمت خلال السنوات الماضية بدأت تفقد وظيفتها القديمة. هذه قراءة واستنتاج شخصي، وليست ادعاءً بوجود صفقة معلنة تجمع…

محمود أوسو الإيزيديون هم شعب كردي أصيل، موحدون يؤمنون بإله واحد. عاشوا آلاف السنين في جبال كردستان: شنكال، دهوك، الموصل، ديار بكر، عفرين. تاريخهم كتب بالدم، لأنهم دفعوا ثمن إيمانهم 74 مرة على الأقل. أغلب هذه الفرمانات جاءت باسم الدين الأسلامي في زمن الفتوحات عياض بن غنم وما بعدها مع وصول الجيوش الإسلامية إلى كردستان في عهد عمر بن الخطاب،…

استهداف النظام الإيراني للمكتب الخاص لرئيس حكومة إقليم كوردستان، الأخ مسرور بارزاني، ومكان إقامة مدير جهاز “باراستن”، الاقليم هو عمل ارهابي مدان وهو دليل ضعف هذا النظام وتخبطه، ويؤكد المرة تلو الاخرى ان هذا النظام يعيش خارج التاريخ وانه سبب لزعزعة الاستقرار الاقليمي والدولي، وان كل محاولات التخريب وزعزعة استقرار الاقليم من قبل النظام الخارج عن القانون قد باءت بالفشل….