عشية مرور ٦١ عاما على انبثاق اليسار الكردي السوري.. من إعادة التعريف الى إعادة البناء ( ١٩٦٥ – ٢٠٢٦ )” ٤ – ٤ “

صلاح بدرالدين

مرحلة إعادة التعريف

  وتبدأ من ليلة الخامس من آب ١٩٦٥ في الكونفرانس الخامس للحزب الديموقراطي الكردي ، الذي أخذ على عاتقه تصحيح المسار ، والحفاظ على وحدة الحزب ، وصيانته من الانحرافات ، وذلك بعملية مدروسة ، محكمة ، نابعة من المسؤولية التاريخية في إعادة تعريف الشعب ، والقضية ، والحزب ، والسياسات ، والعلاقات الوطنية ، والقومية ، والأممية ، والصلة العضوية بين الثقافة والسياسة .

  بسبب الظروف الموضوعية الصعبة في ظل أسوأ نظام دكتاتوري أرخى بظلاله السوداء على البلاد لنحو نصف قرن ، وفرض أحكام وقوانين ، ومخططات عنصرية ضد الكرد وحركتهم السياسية ، واختراق الأجهزة الأمنية لصفوف معظم الأحزاب الكردية ، ونجاح السلطة في تطبيق معادلة – تكريد – الصراع ، لم يتمكن ( البارتي اليساري – الاتحاد الشعبي ) من تحقيق كل مهامه ، ومبادئه النظرية ، على ارض الواقع ، ولو انه نشر رسالته التعريفية المتجددة في الوسط الكردي ، والوطني ، والعمق الكردستاني ، والإقليمي ، والخارجي ، وأصبحت موضوع الساعة لدى النخب الوطنية ، خلاصة القول مازالت تلك القضايا المثارة مثل : الكرد شعب متجذر اصيل يستحق إقرار مصيره السياسي والإداري ضمن سوريا الجديدة الموحدة ، واستقلالية القرار ، وصيانة الشخصية الكردية السورية ، تشكل جزء من قضايا الخلاف والصراع داخل الحركة الكردية حتى الان .

  مؤتمر – الهلالية – أو المؤتمر الثاني بعد التأسيسي عام ١٩٥٧ ، أو الأول بعد انقاذ الحزب في الكونفرانس الخامس عام ١٩٦٥ حيث قررت القيادة المرحلية المنبثقة عنه عقده بعد عام وتحديدا في الخامس من آب ١٩٦٦ ، ووفت بوعدها بعد إعادة تنظيم صفوف القواعد الحزبية في جميع المناطق الكردية وأماكن التواجد الكردي بالداخل والخارج ، والتواصل مع معظم القيادات وجلها من المؤسسين الأوائل التي كانت بالسجون ، او من الرعيل الأول ، أو تخلت عن العمل الحزبي ، والبعض كان خارج البلاد ، ومن الذين استدعتهم القيادة المرحلية  لمزاولة مسؤولياتهم عبر المشاركة بمؤتمر الهلالية : ( أوصمان صبري – رشيد حمو – كمال عبدي – محمد ملا احمد – عبدالله ملا علي – محمدي مصطو – محمد فخري ) .

  قبل انعقاد المؤتمر استجاب كل من ( اوصمان صبري ، ومحمد ملا احمد ، ) وبحكم العلاقة المستمرة مع الشاعر – جكرخوين – ابدى استعداده للعمل ، وكان رأيي الذي صارحته به أن يبقى كشاعر عظيم خارج الأطر الحزبية ، وبعد إصراره دعي الى اجتماعات القيادة المرحلية كعضو شرف ، ولكنه مالبث ان غاب عن الاجتماعات وكذلك – محمد ملا احمد – بسبب – كما اعلمانا – ” عدم القدرة العمل مع آبو أوصمان صبري لفرديته الشديدة حسب رأيهما .

  عشية انعقاد مؤتمر – الهلالية – الذي حضره ممثلو القاعدة الحزبية ، وأعضاء القيادة المرحلية وكل من – اوصمان صبري ، وجكرخوين – وبعد انتهاء اعماله ، وانتخاب اللجنة المركزية حيث لم ينل – سيدايي جكرخوين – بكل اسف  الأصوات المطلوبة بعد ترشحه .

  نعم عشية المؤتمر لوحظ استنفار امني غير مسبوق ، مما دفعنا ذلك الى اتخاذ خطوات سريعة لانهاء اعمال المؤتمر قبل حدوث مالايحمد عقباه ، ونجح الشباب بدقة وشجاعة في تنظيم الأمور ، وحماية أعضاء القيادة ونقلهم لدى بزوغ الفجر الى أماكن آمنة .

  في صباح اليوم الأول مابعد انتهاء المؤتمر وكنت في منزل رفيقنا – بهجت ملاحامد – بالقامشلي ، تلقيت نبأ توجه مفرزة أمنية مشتركة مع الشرطة برفقة سيارة اسعاف الى منزلنا بقرية جمعاية بحثا عني ، وكانت النتيجة مصادرة مافي منزلنا من كتب ، وصور معلقة على الجدران وبينها صورة الزعيم الراحل مصطفى بارزاني .

  انتشر خبر المفرزة الأمنية تلك ، والحملة الواسعة للاعتقالات في مختلف مناطق محافظة الحسكة ، وبعد التشاور مع أعضاء القيادة تقرر ان أتوارى عن الأنظار ولااسلم نفسي للسلطات ومن يومها أصبحت في عداد – الملاحقين الأمنيين – وقد عشت هذه الحالة لسنوات  متنقلا من منطقة الى أخرى ، ومن منزل الى آخر متخفيا ومؤديا واجباتي التنظيمية ، وكم كان شعبنا عظيما ، وكريما في استقبال وتكريم مناضليه بالرغم من المخاطر المحدقة .

  ومن دون الاسهاب في التفاصيل الدقيقة انتقلت منذ ذلك اليوم الى مرحلة جديدة في حياتي الشخصية بكل تفاعلاتها الإنسانية ، والعائلية ، وابتعدت مرغما عن العائلة التي كانت بامس الحاجة الى من يعيلها ويقف معها ، ولم احضر جنازتي من ربياني الوالد والوالدة ، ومررت بظروف الهجرة ، والتشرد ، والتنقل قلقا وخائفا بين حدود الدول بوثائق مزورة وأسماء مختلفة ، ووصلت الى كردستان العراق ضيفا متضامنا على قائد ثورة أيلول ، ثم الى لبنان ، ودول أوروبية ، واليمن ، والأردن ، والجزائر ، وتركيا ، وجميع الدول الاشتراكية  واعتقلت وامضيت قرابة عامين في سجن القلعة بدمشق ، وواجهت ولأول مرة – محكمة امن الدولة العليا – بدمشق ، وحرمت من الحقوق المدنية ومازالت سجلات النفوس واخراجات القيد العائلية تتضمن عبارة – محروم مدنيا باللون الأحمر حتى هذا التاريخ .

مرحلة إعادة البناء

  في حقيقة الامر ومنذ الهبة الشعبية الدفاعية عام ٢٠٠٤ التي لم تتحول الى انتفاضة وثورة كردية – سورية ، وانهيار الأحزاب والتنظيمات ونحن امام مرحلة إعادة بناء الحركة الكردية السورية ، من خلال الطرق المدنية الديموقراطية ، وذلك بتوفير شروط عقد المؤتمر الكردي الجامع في العاصمة دمشق ، لاقرار المشروع الكردي للسلام ، وانتخاب هيئة مخولة لتمثيل الكرد امام العهد الجديد ، والتحاور في سبيل إيجاد حل سياسي توافقي للقضية الكردية ، حيث شكل المرسوم الرئاسي – ١٣ – خطوة هامة على هذا الطريق .

   كما أعتقد فان مصير حل القضية الكردية متوقف على نجاح المساعي الرامية الى إعادة بناء الحركة عبر المؤتمر الجامع المنشود ، وكل من يقف عائقا امام تحقيق ذلك ، او مترددا ، او رماديا ، او يجتر ويردد  كلمات انشائية عائمة يقف بالضرورة ضد حل القضية ولا استثني من ذلك أحدا .

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي في السياسة، لا توجد موازين قوى ثابتة، ولا أوراق ضغط تبقى صالحة إلى الأبد. وما تشهده سوريا اليوم يؤكد هذه الحقيقة ، إذ يبدو أن مرحلة فرض الوقائع بالقوة تفسح المجال تدريجياً لمرحلة البحث عن تسويات سياسية وقانونية أكثر استدامة. خلال السنوات الماضية، امتلكت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أوراقاً تفاوضية قوية فرضتها ظروف الحرب والدعم الدولي وسيطرتها…

حسين امين منذ عام 1986، عندما كنت في دمشق، بدأت أقرأ أولى منشورات حزب العمال الكوردستاني، وكانت “مختارات أوجلان – العدد الأول” أول إصدار يقع بين يدي. بعدها تابعت مجلة كوردستان، ومجلة روج، والمنشورات السرية والعلنية، والرسائل الداخلية، ووثائق المؤتمرات، ومرافعات عبد الله أوجلان الخمس، كما درست النظام الداخلي للحزب، وكانت لي علاقات مباشرة مع عدد من كوادره وأصدقائه. لم…

د . مرشد اليوسف تُعد زيارة الرئيس البرزاني إلى دمشق من أهم المحطات السياسية في المرحلة السورية الراهنة، لأنها تأتي في مرحلة تتقاطع فيها قضايا بناء الدولة السورية، ومستقبل محافظة الحسكة والعلاقات الإقليمية، مع ملف القضية الكردية بوصفها إحدى أكثر القضايا تعقيدًا منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة. ولا تنبع أهمية الزيارة من شخصية البرزاني فحسب، بل من كونها تأتي…

صديق شرنخي المانيا / بوخم ليست كل الزيارات السياسية متشابهة؛ فبعضها يندرج في إطار البروتوكول الدبلوماسي، وبعضها الآخر يتحول إلى محطة مفصلية تعكس تحولات أعمق من مجرد لقاءات رسمية. ومن هذا النوع تأتي زيارة رئيس إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، إلى العاصمة السورية دمشق، فهي ليست مجرد زيارة بين مسؤولين، بل يمكن قراءتها بوصفها أحد مؤشرات المرحلة الجديدة التي…