صلاح بدرالدين
مرحلة إعادة التعريف
وتبدأ من ليلة الخامس من آب ١٩٦٥ في الكونفرانس الخامس للحزب الديموقراطي الكردي ، الذي أخذ على عاتقه تصحيح المسار ، والحفاظ على وحدة الحزب ، وصيانته من الانحرافات ، وذلك بعملية مدروسة ، محكمة ، نابعة من المسؤولية التاريخية في إعادة تعريف الشعب ، والقضية ، والحزب ، والسياسات ، والعلاقات الوطنية ، والقومية ، والأممية ، والصلة العضوية بين الثقافة والسياسة .
بسبب الظروف الموضوعية الصعبة في ظل أسوأ نظام دكتاتوري أرخى بظلاله السوداء على البلاد لنحو نصف قرن ، وفرض أحكام وقوانين ، ومخططات عنصرية ضد الكرد وحركتهم السياسية ، واختراق الأجهزة الأمنية لصفوف معظم الأحزاب الكردية ، ونجاح السلطة في تطبيق معادلة – تكريد – الصراع ، لم يتمكن ( البارتي اليساري – الاتحاد الشعبي ) من تحقيق كل مهامه ، ومبادئه النظرية ، على ارض الواقع ، ولو انه نشر رسالته التعريفية المتجددة في الوسط الكردي ، والوطني ، والعمق الكردستاني ، والإقليمي ، والخارجي ، وأصبحت موضوع الساعة لدى النخب الوطنية ، خلاصة القول مازالت تلك القضايا المثارة مثل : الكرد شعب متجذر اصيل يستحق إقرار مصيره السياسي والإداري ضمن سوريا الجديدة الموحدة ، واستقلالية القرار ، وصيانة الشخصية الكردية السورية ، تشكل جزء من قضايا الخلاف والصراع داخل الحركة الكردية حتى الان .
مؤتمر – الهلالية – أو المؤتمر الثاني بعد التأسيسي عام ١٩٥٧ ، أو الأول بعد انقاذ الحزب في الكونفرانس الخامس عام ١٩٦٥ حيث قررت القيادة المرحلية المنبثقة عنه عقده بعد عام وتحديدا في الخامس من آب ١٩٦٦ ، ووفت بوعدها بعد إعادة تنظيم صفوف القواعد الحزبية في جميع المناطق الكردية وأماكن التواجد الكردي بالداخل والخارج ، والتواصل مع معظم القيادات وجلها من المؤسسين الأوائل التي كانت بالسجون ، او من الرعيل الأول ، أو تخلت عن العمل الحزبي ، والبعض كان خارج البلاد ، ومن الذين استدعتهم القيادة المرحلية لمزاولة مسؤولياتهم عبر المشاركة بمؤتمر الهلالية : ( أوصمان صبري – رشيد حمو – كمال عبدي – محمد ملا احمد – عبدالله ملا علي – محمدي مصطو – محمد فخري ) .
قبل انعقاد المؤتمر استجاب كل من ( اوصمان صبري ، ومحمد ملا احمد ، ) وبحكم العلاقة المستمرة مع الشاعر – جكرخوين – ابدى استعداده للعمل ، وكان رأيي الذي صارحته به أن يبقى كشاعر عظيم خارج الأطر الحزبية ، وبعد إصراره دعي الى اجتماعات القيادة المرحلية كعضو شرف ، ولكنه مالبث ان غاب عن الاجتماعات وكذلك – محمد ملا احمد – بسبب – كما اعلمانا – ” عدم القدرة العمل مع آبو أوصمان صبري لفرديته الشديدة حسب رأيهما .
عشية انعقاد مؤتمر – الهلالية – الذي حضره ممثلو القاعدة الحزبية ، وأعضاء القيادة المرحلية وكل من – اوصمان صبري ، وجكرخوين – وبعد انتهاء اعماله ، وانتخاب اللجنة المركزية حيث لم ينل – سيدايي جكرخوين – بكل اسف الأصوات المطلوبة بعد ترشحه .
نعم عشية المؤتمر لوحظ استنفار امني غير مسبوق ، مما دفعنا ذلك الى اتخاذ خطوات سريعة لانهاء اعمال المؤتمر قبل حدوث مالايحمد عقباه ، ونجح الشباب بدقة وشجاعة في تنظيم الأمور ، وحماية أعضاء القيادة ونقلهم لدى بزوغ الفجر الى أماكن آمنة .
في صباح اليوم الأول مابعد انتهاء المؤتمر وكنت في منزل رفيقنا – بهجت ملاحامد – بالقامشلي ، تلقيت نبأ توجه مفرزة أمنية مشتركة مع الشرطة برفقة سيارة اسعاف الى منزلنا بقرية جمعاية بحثا عني ، وكانت النتيجة مصادرة مافي منزلنا من كتب ، وصور معلقة على الجدران وبينها صورة الزعيم الراحل مصطفى بارزاني .
انتشر خبر المفرزة الأمنية تلك ، والحملة الواسعة للاعتقالات في مختلف مناطق محافظة الحسكة ، وبعد التشاور مع أعضاء القيادة تقرر ان أتوارى عن الأنظار ولااسلم نفسي للسلطات ومن يومها أصبحت في عداد – الملاحقين الأمنيين – وقد عشت هذه الحالة لسنوات متنقلا من منطقة الى أخرى ، ومن منزل الى آخر متخفيا ومؤديا واجباتي التنظيمية ، وكم كان شعبنا عظيما ، وكريما في استقبال وتكريم مناضليه بالرغم من المخاطر المحدقة .
ومن دون الاسهاب في التفاصيل الدقيقة انتقلت منذ ذلك اليوم الى مرحلة جديدة في حياتي الشخصية بكل تفاعلاتها الإنسانية ، والعائلية ، وابتعدت مرغما عن العائلة التي كانت بامس الحاجة الى من يعيلها ويقف معها ، ولم احضر جنازتي من ربياني الوالد والوالدة ، ومررت بظروف الهجرة ، والتشرد ، والتنقل قلقا وخائفا بين حدود الدول بوثائق مزورة وأسماء مختلفة ، ووصلت الى كردستان العراق ضيفا متضامنا على قائد ثورة أيلول ، ثم الى لبنان ، ودول أوروبية ، واليمن ، والأردن ، والجزائر ، وتركيا ، وجميع الدول الاشتراكية واعتقلت وامضيت قرابة عامين في سجن القلعة بدمشق ، وواجهت ولأول مرة – محكمة امن الدولة العليا – بدمشق ، وحرمت من الحقوق المدنية ومازالت سجلات النفوس واخراجات القيد العائلية تتضمن عبارة – محروم مدنيا باللون الأحمر حتى هذا التاريخ .
مرحلة إعادة البناء
في حقيقة الامر ومنذ الهبة الشعبية الدفاعية عام ٢٠٠٤ التي لم تتحول الى انتفاضة وثورة كردية – سورية ، وانهيار الأحزاب والتنظيمات ونحن امام مرحلة إعادة بناء الحركة الكردية السورية ، من خلال الطرق المدنية الديموقراطية ، وذلك بتوفير شروط عقد المؤتمر الكردي الجامع في العاصمة دمشق ، لاقرار المشروع الكردي للسلام ، وانتخاب هيئة مخولة لتمثيل الكرد امام العهد الجديد ، والتحاور في سبيل إيجاد حل سياسي توافقي للقضية الكردية ، حيث شكل المرسوم الرئاسي – ١٣ – خطوة هامة على هذا الطريق .
كما أعتقد فان مصير حل القضية الكردية متوقف على نجاح المساعي الرامية الى إعادة بناء الحركة عبر المؤتمر الجامع المنشود ، وكل من يقف عائقا امام تحقيق ذلك ، او مترددا ، او رماديا ، او يجتر ويردد كلمات انشائية عائمة يقف بالضرورة ضد حل القضية ولا استثني من ذلك أحدا .