شادي حاجي
في السياسة، لا توجد موازين قوى ثابتة، ولا أوراق ضغط تبقى صالحة إلى الأبد. وما تشهده سوريا اليوم يؤكد هذه الحقيقة ، إذ يبدو أن مرحلة فرض الوقائع بالقوة تفسح المجال تدريجياً لمرحلة البحث عن تسويات سياسية وقانونية أكثر استدامة.
خلال السنوات الماضية، امتلكت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أوراقاً تفاوضية قوية فرضتها ظروف الحرب والدعم الدولي وسيطرتها على مساحة واسعة من شمال وشرق سوريا بما فيها المناطق الكردية . إلا أن التحولات الإقليمية والدولية جعلت هذه الأوراق أقل تأثيراً، وهو ما يفسر تشدد السلطة الانتقالية في دمشق في التعامل مع بعض المطالب، وإصرارها على أن يكون أي اتفاق منسجماً مع رؤيتها لإعادة بناء الدولة واستعادة وحدتها المؤسسية.
في المقابل، لا يبدو أن المجلس الوطني الكردي يمتلك هو الآخر أدوات ضغط سياسية أو ميدانية تمكّنه من فرض رؤيته على طاولة التفاوض، رغم حضوره السياسي وعلاقاته الإقليمية. ولذلك بقي دوره محدوداً ، مترقباً لما ستؤول إليه المفاوضات بين دمشق وقسد، أكثر من كونه طرفاً يصوغ نتائجها.
ومن هنا يمكن فهم الحراك الذي يقوده رئيس إقليم كردستان السيد نيجيرفان بارزاني، باعتباره محاولة لإعادة فتح قنوات الحوار وكسر الجمود الذي يحيط بتنفيذ الاتفاقات المبرمة بين دمشق وقسد وبعض القضايا المهمة الأخرى . غير أن نجاح أي وساطة لا يرتبط بدور ومهارة الوسيط وحدها، بل بمدى استعداد الأطراف للانتقال من منطق تقاسم النفوذ إلى منطق بناء المؤسسات.
لكن النقطة الأكثر أهمية تكمن في أن القضية الكردية في سوريا لا ينبغي أن تُختزل في مستقبل قسد، ولا في ترتيبات أمنية أو عسكرية مهما بلغت أهميتها. فهذه قضية سياسية ودستورية في المقام الأول، تتعلق بمكانة الكرد في الدولة السورية، وبضمان حقوقهم القومية السياسية والثقافية والاجتماعية المشروعة ضمن إطار المواطنة المتساوية وسيادة القانون.
إن أي اتفاق يقتصر على دمج القوات أو إعادة ترتيب المؤسسات الأمنية سيظل اتفاقاً ناقصاً إذا لم يترافق مع معالجة دستورية حقيقية لحقوق جميع المكونات السورية. فالاستقرار لا يصنعه السلاح، بل يصنعه الدستور، ولا تضمنه موازين القوى، بل يضمنه شعور المواطنين بأن الدولة تمثلهم جميعاً دون تمييز.
لقد أثبتت التجربة السورية أن القوة تستطيع فرض وقائع مؤقتة، لكنها لا تستطيع إنتاج شرعية دائمة. أما الدولة الحديثة، فلا تُبنى بالغلبة، بل بالشراكة، ولا تستقر بالإقصاء، بل بالاعتراف المتبادل والاحتكام إلى القانون.
وربما تكون الرسالة الأهم في هذه المرحلة أن الجميع خسر جزءاً من أوراق قوته، لكن الجميع ما زال يملك فرصة لصناعة تسوية تاريخية. وإذا أُحسن استثمار هذه اللحظة، فقد تكون بداية الانتقال من صراع على السلطة إلى توافق على الدولة، ومن نزاع على النفوذ إلى عقد وطني جديد يطوي واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في تاريخ سوريا المعاصر.
وإلى مستقبلٍ أفضل