حسين امين
منذ عام 1986، عندما كنت في دمشق، بدأت أقرأ أولى منشورات حزب العمال الكوردستاني، وكانت “مختارات أوجلان – العدد الأول” أول إصدار يقع بين يدي. بعدها تابعت مجلة كوردستان، ومجلة روج، والمنشورات السرية والعلنية، والرسائل الداخلية، ووثائق المؤتمرات، ومرافعات عبد الله أوجلان الخمس، كما درست النظام الداخلي للحزب، وكانت لي علاقات مباشرة مع عدد من كوادره وأصدقائه.
لم يكن حكمي يومًا مبنيًا على خصومة أو انفعال، بل على أكثر من أربعة عقود من القراءة والمتابعة والتجربة.
واليوم، وبعد كل ما جرى، من عفرين إلى الشيخ مقصود، ومن اغتيال هفرين خلف إلى مسار الاندماج والتفاهمات الأخيرة، وصلت إلى قناعة نهائية لا لبس فيها: إن المشروع الذي رُفع باسم القضية الكوردية قد انتهى، واستُبدل بمشروع آخر لم يعد يجعل القضية الكوردية هدفه المركزي.
لقد تحولت القضية الكوردية، في تقديري، من مشروع للتحرر القومي إلى شعارات فضفاضة مثل “أخوة الشعوب” و*”الأمة الديمقراطية”*،
بينما بقي الشعب الكوردي يدفع وحده ثمن الدم والتهجير والاحتلال.
أكثر من خمسين ألف شهيد، بحسب الأرقام التي يعلنها الحزب نفسه… وبعد كل هذه التضحيات، من حق كل كوردي أن يسأل: أين أصبحت القضية الكوردية التي استشهدوا من أجلها؟
أما أنا، فقد حسمت موقفي.
قلت يوم غزو عفرين واحتلالها :انتهى كل شيء.
قلت يوم اقتحام الشيخ مقصود: انتهى كل شيء.
وقلتها بعد اغتيال هفرين خلف: انتهى كل شيء.
وأكررها اليوم، بعد كل ما انكشف أمام الرأي العام: لن أناقش هذا الحزب بعد الآن، ولن أكون طرفًا في تبرير سياساته أو الدفاع عن خياراته.
ما يعنيني اليوم هو القضية الكوردية وحدها، وحق الشعب الكوردي في الحرية والكرامة والاعتراف الدستوري، وليس الدفاع عن أي حزب أو أي تجربة أثبت الزمن، في قناعتي الشخصية، أنها ابتعدت عن الهدف الذي وُلدت من أجله
قد يسألني من يعرفني أو تابعني طوال هذه السنوات:
لماذا لم تعلن هذه القناعات في وقت أبكر؟ وهل تأخرت كثيرًا؟
أجيب بكل صراحة: لم أصمت لأنني كنت مقتنعًا، بل لأنني كنت أحاول حتى اللحظة الأخيرة أن أجد إجابة مختلفة.
لقد ناقشت هذه القضايا، ولسنوات طويلة، مع كثير من كوادر الحزب وأصدقائي الذين ما زال عدد منهم على قيد الحياة. وكانت نقاشاتنا تصل أحيانًا إلى درجة الحدة والصدام الفكري.
وخلال تلك المرحلة تعرضت، بحسب ما عشته شخصيًا، للتهديد أكثر من مرة، واعتُقلت وخضعت للاستجواب في أكثر من مناسبة داخل عفرين بسبب مواقفي وآرائي.
كما أبلغني شخص ما زال على قيد الحياة حتى اليوم أنه طُلب منه في إحدى المراحل تنفيذ مهمة استهدفتني، لكنه رفض القيام بها، وهو الذي أخبرني بذلك لاحقًا. أذكر هذه الواقعة كما رُويت لي، وأتحمل مسؤولية روايتها.
وأتذكر موقفًا لن أنساه ما حييت. احتدم النقاش بيني وبين أحد المسؤولين الذي كان يعاملني كابنه ويكنّ لي المودة، لكنه انفجر غاضبًا وقال لي:
«”والله… بعد اليوم إذا قتلوك، فلن أندم.”»
حينها أدركت أن الخلاف لم يعد خلافًا في الرأي، بل أصبح ثمن الكلمة قد يكون الحياة نفسها.
ورغم كل ذلك، لم أتراجع عن قناعاتي، ولم أبدّل موقفي خوفًا أو طمعًا، لأنني كنت وما زلت أؤمن أن الحقيقة، مهما تأخر إعلانها، تبقى أفضل من الصمت عنها.