د. عدنان بوزان
لم تعد التحركات السياسية التي تشهدها المنطقة مجرد أحداث متفرقة، بل تبدو وكأنها أجزاء من مشهد واحد يعاد تشكيله بهدوء بعيداً عن الأضواء. فالتقارير التي تتحدث عن تقليص الوجود العسكري الأمريكي في إقليم كوردستان العراق، بالتزامن مع الزيارة المفاجئة لرئيس إقليم كوردستان نيجرفان بارزاني إلى دمشق، ثم زيارة قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي ولقائه بالرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع، تطرح سؤالاً جوهرياً: هل دخلت المنطقة بالفعل مرحلة إعادة صياغة التوازنات السياسية والأمنية استعداداً لمرحلة ما بعد الوجود الأمريكي؟
منذ سنوات، تعيد الولايات المتحدة ترتيب أولوياتها الإستراتيجية. فلم يعد الشرق الأوسط يحتل المكانة نفسها التي شغلها في العقود الماضية، بعد انتقال التركيز الأمريكي نحو احتواء الصين، ومواجهة روسيا، وتقليص الانخراط العسكري المباشر في أزمات المنطقة. ولا يعني ذلك بالضرورة التخلي عن الحلفاء، بل التحول من الحضور العسكري المباشر إلى إدارة النفوذ عبر أدوات سياسية واستخباراتية واقتصادية، مع الإبقاء على القدرة على التدخل عند الضرورة.
وأي تقليص للدور الأمريكي يفرض تلقائياً على القوى المحلية والإقليمية البحث عن ترتيبات جديدة تحول دون نشوء فراغ سياسي أو أمني. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة التحركات الكوردية الأخيرة، سواء في أربيل أو في شمال وشرق سوريا، باعتبارها محاولة لاستباق التحولات المقبلة، وعدم انتظار اكتمال الانسحاب الأمريكي قبل رسم ملامح المرحلة الجديدة.
ولا تبدو زيارة نيجرفان بارزاني إلى دمشق مجرد زيارة بروتوكولية، بل تحمل دلالات سياسية تتجاوز العلاقات الثنائية، وقد تعكس رغبة في فتح قنوات تفاهم مبكرة مع الدولة السورية استعداداً لتغير موازين القوى في المنطقة. أما زيارة مظلوم عبدي، فتبدو أكثر ارتباطاً بمستقبل الإدارة الذاتية، وبالبحث عن صيغة سياسية تضمن حقوق الكورد في شرق الفرات ضمن إطار الدولة السورية، مع الحفاظ على مستوى من اللامركزية والضمانات الدستورية.
وفي المقابل، تدرك دمشق أن استعادة السيطرة على كامل الجغرافيا السورية لم تعد مسألة عسكرية فحسب، بل أصبحت مرتبطة بإنتاج تسوية سياسية تستوعب القوى الفاعلة على الأرض، وفي مقدمتها قوات سوريا الديمقراطية أو أي تسمية أخرى باسم الكورد.
أما تركيا، فهي تظل الطرف الإقليمي الأكثر تأثيراً في هذه المعادلة. فمن الصعب تصور أي تسوية مستقرة في شمال سوريا من دون أخذ المصالح الأمنية التركية في الحسبان. ولذلك، حتى وإن لم تكن أنقرة حاضرة بصورة مباشرة في اللقاءات المعلنة، فإن تأثيرها السياسي والأمني يبقى حاضراً في خلفية معظم المفاوضات، سواء عبر وسطاء أو من خلال تفاهمات غير معلنة.
ومن خلال هذه النقطة، لا يمكن استبعاد فرضية وجود تفاهمات سياسية وأمنية هادئة بدأت تتبلور بين الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، وإقليم كوردستان العراق، وربما بقبول أو تنسيق غير معلن مع تركيا، تمهيداً لإعادة ترتيب المشهد في شمال سوريا. فمثل هذه التفاهمات، إن وجدت، لن يعلن عنها في مراحلها الأولى، بل قد تتكشف تدريجياً عبر سلسلة من الزيارات واللقاءات والإجراءات العملية على الأرض.
وربما يكون الهدف من هذه التفاهمات المحتملة بناء معادلة تحقق قدراً من التوازن بين مصالح مختلف الأطراف؛ فتستعيد دمشق جزءاً من سيادتها على المناطق الخارجة عن سيطرتها، وتحصل الإدارة الذاتية على ضمانات سياسية ودستورية، ويحافظ إقليم كوردستان العراق على دوره بوصفه جسراً للحوار بين الأطراف المختلفة، بينما تحصل تركيا على تطمينات أمنية تتعلق بحدودها الجنوبية، مقابل قبولها بتسوية سياسية أكثر استقراراً.
وبطبيعة الحال، لا توجد حتى الآن معلومات رسمية تؤكد وجود مثل هذا الاتفاق، كما لا تتوافر معطيات حاسمة تكشف طبيعة التفاهمات الجارية. غير أن تزامن هذه التحركات، وتسارع الاتصالات السياسية، وتغير الخطاب الإقليمي، يجعل من هذه الفرضية قراءة سياسية تستحق التأمل، ولا سيما في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة.
إن أخطر ما قد تواجهه القضية الكوردية ليس تقليص الوجود العسكري الأمريكي في حد ذاته، بل غياب رؤية سياسية موحدة لاستثمار المرحلة المقبلة. فالتحولات التاريخية تمنح الفرص بقدر ما تحمل المخاطر، والنجاح لا يكون من نصيب الطرف الأقوى عسكرياً، بل من نصيب الطرف الأكثر قدرة على قراءة المتغيرات، وبناء التحالفات، وتحويل التحديات إلى مكاسب سياسية.
وربما تقف المنطقة اليوم على أعتاب معادلة جديدة تختلف عن كل ما عرفته خلال العقد الماضي. وإذا صحت هذه القراءة، فإن ما يجري في دمشق وأربيل وشرق الفرات ليس مجرد سلسلة من اللقاءات المنفصلة، بل قد يكون بداية إعادة رسم التوازنات السياسية في سوريا والعراق، في ظل تراجع الحضور العسكري الأمريكي، وصعود مرحلة جديدة عنوانها التفاهمات الإقليمية أكثر من المواجهات العسكرية.
وفي السياسة، كثيراً ما تبدأ التحولات الكبرى باجتماعات لا تعلن تفاصيلها، وتفاهمات لا توقع أمام الكاميرات، ورسائل لا تقرأ إلا بعد أن تتحول إلى واقعٍ على الأرض.