أربيل ودمشق.. شراكة مستدامة ورؤى مشتركة في إرساء ثقافة الحوار وقيم التعايش

عبداللطيف محمد أمين موسى
تأتي أهمية زيارة نيجرفان بارزاني، رئيس إقليم كردستان العراق، إلى دمشق في ظل التحولات والمستجدات الجيوسياسية المتسارعة التي تمر بها المنطقة، ولا سيما بعد انهيار نظام البعث الفاشي الذي عمل على تغييب كل قيم التعايش والتسامح والديمقراطية. كما تأتي هذه الزيارة القيّمة متزامنة مع تطورات الصراع بشأن أولويات إعادة صياغة مناطق النفوذ، والتنافس الإقليمي والدولي في إحداث تغيير جوهري في بنية المفاهيم الأساسية للصراع والنفوذ، التي تمثل تهديدات بالغة الجدية لإعادة تشكيل وتغيير خرائط المنطقة بما يتناسب مع فلسفة الصراع المتجسدة في محاولات استيعاب نتائج التصعيد الناتج عن حرب أمريكا وإسرائيل وإيران.
إن كل هذه التحديات والتحولات التي رافقت منطق الصراع، وحالة اللااستقرار، ومحاولات إشاعة ثقافة الفوضى، والإقصاء والتهميش، وعدم قبول الآخر، وغياب مفاهيم الديمقراطية والتعددية والتوافق والشراكة والتوازن، جعلت من زيارة الرئيس نيجرفان بارزاني إلى دمشق بالغة الأهمية، نظراً للتحديات المشتركة التي تواجه المنطقة.
إن القراءة السياسية النظرية لهذه الزيارة توصف بأنها زيارة لتعزيز التعاون المشترك، وتطوير العلاقة بين البلدين، والتعاون من أجل تذليل العقبات في مكافحة الإرهاب والتطرف، ولكن القراءة المنهجية والاستراتيجية لهذه الزيارة يمكن أن تقرأ بأنها زيارة بالغة الأهمية في ظل هذه المعطيات الدقيقة. كما إنها ذات دلالات وأهمية كبيرة، وتعد ذات قيمة جوهرية من خلال مسارات متعددة.
إن هذه الزيارة تكتسب أهمية كبيرة من خلال أمور متعددة، ومن أولى هذه الأمور تعزيز حالة الاستقرار التي ما أحوج إليها الآن الدولة السورية الحديثة، والتي تأتي مكملة ومعززة لجهود الكثير من الدول الإقليمية والعالمية في مساعدة الشعب السوري عبر محاولات السعي إلى تعزيز حالة الاستقرار في سوريا، كون حالة الاستقرار تمثل خطوة أساسية لعملية إعادة بناء سوريا الحديثة، ونبذ كل قيم التطرف والفوضى، ومنع العودة إلى الديكتاتورية والظلم في إقصاء الآخر.
كما تأتي زيارة الرئيس نيجرفان بارزاني إلى دمشق لتعزيز مفهوم وواقع الاستقرار في سوريا، لما يمثله معاليه بكونه أحد مهندسي تشجيع ثقافة الحوار وتعزيز مفاهيم الديمقراطية، الأمر الذي أثنى عليه الرئيس ترامب في أكثر من مناسبة، معبراً عن بالغ تقديره لجهود الرئيس بارزاني ودوره في إحلال ثقافة الحوار والسلام في المنطقة.
وتأتي أهمية زيارة الرئيس نيجرفان بارزاني إلى دمشق من أجل تعزيز قيم التعايش السلمي، وإرساء ثقافة التسامح، وتشجيع مفهوم الديمقراطية والتعددية في منع تكرار تجربة الشمولية في إنكار الآخر، عبر المركزية المقيتة الضيقة ذات اللون والصبغة الواحدة في الحكم، التي لن تساعد في إعادة تأسيس سوريا ديمقراطية تعددية، لتكون زيارة الرئيس نيجرفان بارزاني بمثابة الدفع نحو تشجيع الاستثمار في التنوع والتشاركية من قبل كافة المكونات والكيانات وأطياف الشعب السوري في نظام الحكم، وإدارة الموارد دون إقصاء أو تهميش أي سوري.
وتأتي أهمية زيارة الرئيس نيجرفان بارزاني إلى دمشق من أجل المساعدة في التشجيع والمساهمة لإنجاح المرحلة الانتقالية بشكل سليم في سوريا، على أسس تستند إلى تأسيس أرضية لتشكيل مؤسسات صحيحة، بغية إصدار تشريعات تساعد في بناء سوريا الحديثة الديمقراطية التعددية، التي لا بد أن يتشارك فيها الجميع السلطة وإدارة الموارد.
كما تأتي أهمية زيارة الرئيس نيجرفان بارزاني إلى دمشق من أجل التأكيد على الشخصية الكردية الأصيلة، والوجود الكردي التاريخي الذي حاول البعث إلغاءه في سوريا خلال سنوات حكمه، من خلال إنكار الوجود التاريخي الكردي في سوريا، وإلصاق تهم الانفصالية بالشعب الكردي، الذي يحاول البعض إعادة استثماره الآن بغية إحداث شرخ بين الشعب الكردي وباقي المكونات السورية.لتأتي زيارة الرئيس نيجرفان بارزاني في دعم حكومة دمشق من أجل القدرة على التعامل الصحيح مع القضية الكُردية، وحلها ضمن إطار الدولة السورية، ووضع المراسيم والقرارات التي تساهم في إنصاف الشعب الكُردي، وقبوله شريكًا أساسيًا في بناء الدولة السورية الحديثة، ومنع تكرار أخطاء العودة إلى سياسات الأنظمة المتعاقبة على حكم سوريا قبل التحرير.
ولتكون هذه الزيارة بمثابة التأكيد على أن الشعب الكُردي مكون أساسي، لا بد أن يتشارك مع السوريين في بناء سوريا الحديثة الديمقراطية التعددية، وقطع الطريق أمام كل المتربصين في إحداث شرخ بين المكونات السورية، وكذلك مساعي معاليه في تذليل العقبات أمام اتفاق الدمج بين الإدارة الذاتية ودمشق، كون إقليم كردستان إحدى أهم الجهات الضامنة لهذا الاتفاق.
وتأتي أهمية هذه الزيارة من أجل التشارك في ملفات عديدة بين دمشق وأربيل، والتي تتجسد وتكتسب أهمية كبيرة في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف، والسلاح والمجموعات خارج الأطر الرسمية، وكذلك بناء أفضل علاقات التعاون المشترك بما يخدم الجانبين في مجالات التطوير والتقدم على كافة الأصعدة، وبما يساهم في تحقيق الفائدة والمنفعة للجانبين، وتذليل العقبات.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…