سري كانية وكري سبي.. العقدة الجيوسياسية في الملف السوري

شـــــريف علي

 

تعد منطقة سري كانية وكري سبي من أكثر المناطق حساسية في غرب كوردستان، نظراً لوقوعها عند تقاطع مصالح دولية وإقليمية ومحلية متشابكة. فمنذ عام 2019 وفي اعقاب الاجتياح العسكري التركي لها تحت مسمى  عملية ( نبع السلام) بالتنسيق مع فصائل عربية متمركزة في تركيا  ، تحولت المنطقة إلى عقدة جيوسياسية يصعب حسمها، رغم تغير الظروف العسكرية والسياسية في سوريا .

من هذا البحث نحاول تقديم وجهة نظر يفسّر أسباب بقاء الملف معلقا، عبر تفكيك أربعة مستويات رئيسية تشمل الصفقة الدولية، والفيتو الإقليمي التركي، والحسابات السورية المستقبلية، والتوازنات الكوردية–الكوردية.

لكن الإشكالية الرئيسة تتمحور حول السؤال الآتي:

 ما العوامل البنيوية التي جعلت ملف سري كانية وكري سبي معلقا منذ عام 2019، رغم تغير البيئة السياسية والعسكرية في سوريا ؟ وينبثق عن هذا السؤال عدد من الإشكاليات الفرعية، من بينها كيفية تشكل الإطار الدولي الذي أُدرج فيه الملف، وطبيعة الفيتو التركي على المنطقة، وعلاقة سري كانية وكري سبي بالحسابات السورية ما بعد النظام، ودورالتوازنات الكوردية–الكوردية في تجميد الوضع القائم .

في المستوى الدولي، شكلت ترتيبات الصفقة الدولية الإطار الأكبر الذي وضع فيه ملف سري كانية وكري سبي عام 2019، في لحظة كانت فيها السياسة الأمريكية تعيد ترتيب أولوياتها في الشرق الأوسط .حيث أشارت التقارير السياسية والأمنية  الغربية إلى أن واشنطن كانت تتجه نحو تقليل الانخراط العسكري المباشر، والتركيز على احتواء إيران وروسيا عبر أدوات غير مباشرة .

 في هذا السياق، جاء قرار الانسحاب من مناطق سيطرة إدارة حزب الاتحاد الديمقراطي كجزء من إعادة صياغة أولويات الأمن القومي الأمريكي، وليس كقرار تكتيكي مرتبط بسوريا وحدها. وقد استثمرت تركيا هذه اللحظة الدولية المضطربة لفرض رؤيتها الأمنية على -ولو- جزء من المناطق الكوردية، عبر منع تشكل شريط إداري كوردي متصل، والحصول على اعتراف أمريكي ضمني بمنطقة نفوذ حدودية، وإعادة ترتيب علاقتها مع واشنطن بعد توتر صفقة الضواريخ الروسية إس 400  كما لعبت أزمة مقتل رجل الأعمال السعودي جمال خاشقجي عام 2018 دوراً محورياً في إخراج السعودية من دائرة التأثير، وتحويل الملف إلى ورقة تفاوض أمريكية–تركية مباشرة. ونتيجة ذلك، أصبحت سري كانية وكري سبي جزءاً من تفاهم دولي غير مكتوب بصيغة ما يطلق عليه التوازن القلق ، مما يجعل أي تغيير فيها مرتبطاً بتغير ميزان القوى الدولي، وليس فقط بالمعادلات المحلية .

على المستوى الإقليمي، يمثل الفيتو التركي العامل الأكثر مباشرة في تجميد الملف . فوفق تصريحات رسمية تركية منشورة في الاعلام التركي الرسمي، ترى أنقرة أن أي وجود سياسي كوردي متصل جغرافياً يشكل تهديداً لأمنها القومي ،معتبرة المناطق الحدودية عمقا استراتيجيا لها . وتقع سري كانية وكري سبي في منتصف هذا الشريط، ما يجعل السيطرة عليها جزءاً من استراتيجية  قطع الاتصال الجغرافي . كما هو معروف أن المنطقة تحتوي على موارد زراعية ومائية  وطرق مواصلات، ما يجعل التحكم بها جزءاً من معادلة الموارد التي تستخدمها أنقرة لمنع أي قوة محلية من امتلاك مقومات الاستقلال الاقتصادي . وتعارض تركيا أي تفاهم بين إقليم كوردستان والإدارة النافذة في غرب كوردستان، قد ينتج عنه تنسيق سياسي كوردي – كوردي، لأن ذلك يرفع مستوى التمثيل الكوردي في سوريا ويعقد حساباتها الإقليمية. وبهذا يصبح الفيتو التركي عاملاً بنيوياً يجعل الملف مجمدا بقرار إقليمي، بحيث لا يمكن تجاوزه دون تفاهم مباشر مع أنقرة .

على المستوى السوري الداخلي، يتجاوز الملف كونه قضية حدودية ليصبح جزءاً من معادلة إعادة تشكيل الدولة السورية. فدمشق — رغم ضعفها العسكري — تتعامل مع سري كانية وكري سبي بوصفهما ورقة تفاوضية يمكن استخدامها في أي تسوية سياسية قادمة. تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أي تغيير في وضع المنطقة سيؤثر مباشرة على شكل الدولة السورية المستقبلية، سواء اتجهت نحو الفيدرالية أو اللامركزية الموسّعة أو إعادة إنتاج نموذج الدولة المركزية. ولهذا تتجنب دمشق حسم الملف، لأن أي خطوة مبكرة ستُقرأ كاعتراف ضمني بحدود سياسية جديدة داخل سوريا قبل الاتفاق على شكل النظام. كما أن النظام السوري يدرك أن حسم الملف سيؤثر على علاقته مع أنقرة، التي تستخدم المنطقة كورقة ضغط في ملفات أمنية واقتصادية، وعلى علاقته بالقوى الكوردية التي تسعى إلى تثبيت موقعها التمثيلي في سوريا المستقبل. وتُظهر الوقائع الميدانية أن دمشق تتبع سياسة الانتظار الاستراتيجي، إذ لم تقدم على أي خطوة مباشرة لاستعادة المنطقة، ولم تدخل في تفاهمات واضحة مع أنقرة أو القوى الكوردية بشأنها، ما يعكس اعتمادها على التأجيل البنيوي كأداة لإدارة الملف إلى حين اتضاح شكل التسوية الكبرى.

وعلى المستوى الكوردي – الكوردي، أن الملف يقع في قلب التوازنات الكوردية – الكوردية الممتدة من حدود إقليم كوردستان شرقاً حتى عفرين غرباً ،وهذا ما يجب أخذه بعين الإعتبار، فأي تغيير في وضع المنطقة سيقرأ كترسيم حدود سياسية بين مشروعين كورديين مطروحين  في غرب كوردستان ، وهو أمر لا يرغب أي منهما في تثبيته قبل اتضاح شكل النظام السوري الجديد . كما أن السيطرة الإدارية على المنطقة تمنح الطرف المسيطر شرعية سياسية إضافية ، ما يجعل الملف جزءاً من معادلة التمثيل الكوردي في سوريا . وأي خطوة أحادية من أي طرف قد تُفسر كتحرك غير منسجم مع التطلعات الكوردية ، ما يفتح الباب أمام توترات داخلية لا يريدها أي طرف كورد  . وبهذا تصبح التوازنات الكوردية عاملاً ذاتياً  مؤثرا في مسار الملف ، لأن أي خطوة فيه قد تقرأ كإعادة رسم للخريطة السياسية الكوردية .

إن ملف سري كانية وكري سبي يمثل نموذجاً مكثفاً لما يعرف في الأدبيات السياسية بـ العقدة الجيوسياسية المركبة، حيث تتقاطع فيه أربعة مستويات متداخلة: الدولي، الإقليمي، الوطني، والكوردي–الكوردي. هذا التداخل البنيوي يجعل الملف غير قابل للحسم عبر أدوات تقليدية، لأن أي تغيير في أحد المستويات ينعكس مباشرة على المستويات الأخرى. ومن منظور نظريات العلاقات الدولية، يمكن توصيفه بوصفه حالة توازن قلق بين قوى كبرى وإقليمية ومحلية، حيث يستخدم كأداة تفاوض أكثر مما يعامل كقضية للحل.

فالصفقة الدولية التي أُدرج فيها الملف عام 2019 تعكس منطق المساومات الكبرى بين القوى العظمى، فيما يمثل الفيتو التركي نموذجاً صارخاً لـ الأمن الحدودي كأولوية قصوى في السياسات الإقليمية .أما الحسابات السورية الداخلية فتندرج ضمن ما يسميه علم السياسة بـ التأجيل البنيوي، أي تجميد الملفات الحساسة إلى حين اتضاح شكل النظام السياسي الجديد . وأخيراً، فإن التوازنات الكوردية- الكوردية تكشف عن مأزق الشرعية المتنازعة ، حيث يسعى كل طرف إلى تثبيت موقعه التمثيلي دون الدخول في مواجهة مباشرة .

وبناءً على ذلك، فإن سري كانية وكري سبي ليستا مجرد مدينتين معلقتين على خريطة الصراع السوري، بل هما حقل اختبار نظري لمدى قدرة النظم السياسية على إدارة التعقيد البنيوي في النزاعات المركبة.

النتائج العملية تشير إلى أن أي تسوية مستقبلية للملف يجب أن تكون متعددة المستويات، تشمل تفاهمات دولية جديدة، وترتيبات أمنية حدودية مع تركيا، واتفاقاً سورياً داخلياً حول شكل الدولة، وتوافقا كوردي- كوردي يحدد طبيعة التمثيل السياسي في غرب كوردستان. إن استمرار التعليق لا يعني الاستقرار، بل يعكس حالة توازن هش مرشحة للانفجار عند أول خلل في إحدى المعادلات الأربع. ولهذا فإن إدارة الملف تتطلب مقاربة شاملة قادرة على إعادة إنتاج التوازن بطريقة مستدامة، بعيداً عن الحلول التكتيكية أو المؤقتة.

=========== 1 آب  2026  =============

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي لطالما شكّلت المملكة المتحدة حالة دستورية استثنائية بين الديمقراطيات العريقة؛ فهي واحدة من الدول القليلة التي لا تمتلك دستوراً مكتوباً في وثيقة واحدة، بل تعتمد على منظومة متراكمة من القوانين، والأعراف الدستورية، والأحكام القضائية، والوثائق التاريخية التي تطورت عبر قرون. وقد منح هذا النموذج النظام السياسي البريطاني مرونة كبيرة سمحت له بالتكيف مع التحولات السياسية والاجتماعية، من دون…

حسين امين تتجه الأنظار إلى الزيارة المرتقبة لرئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، إلى العاصمة السورية دمشق، بعد أيام من افتتاح السفارة السورية في هولير (Hewlêr) ، وفي ظل تسارع غير مسبوق في التحولات الإقليمية والدولية. فالمنطقة تعيش مرحلة إعادة رسم للتحالفات بعد الحرب الإيرانية – الإسرائيلية وما رافقها من تدخل أمريكي، وما أفرزته من اصطفافات جديدة وتقاطعات في المصالح بين…

د. محمود عباس ما يجري في أربيل ليس مجرد نقل معدات أو تبديل مواقع عسكرية. الولايات المتحدة تسحب القسم الأكبر من قواتها الثقيلة، وتزيل منظومات الباتريوت التي شكّلت طوال السنوات الماضية جزءًا مهمًا من المظلة الدفاعية حول مواقعها في إقليم كوردستان. وفي الوقت نفسه تتراجع القوات البريطانية والفرنسية والألمانية بدرجات متفاوتة. السؤال إذن ليس، هل غادرت بطارية باتريوت مطار…

اكرم محمد يتجاوز الصمت المطبق الذي يخيم على الشارع الكردي اليوم حدود “الاستراحة المحاربة” ليتحول إلى ظاهرة تستدعي التشريح النقدي؛ فغياب الحراك الشعبي والعجز التام عن تنظيم مظاهرة أو اعتصام واحد في الداخل أو الخارج، بالتزامن مع تصفية مشروع “الإدارة الذاتية” ودمج هياكله العسكرية والمدنية في بنية الدولة السورية، يكشف عن أزمة بنيوية عميقة أبعد من مجرد تبدل موازين القوى…