حسين امين
تتجه الأنظار إلى الزيارة المرتقبة لرئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، إلى العاصمة السورية دمشق، بعد أيام من افتتاح السفارة السورية في هولير (Hewlêr) ، وفي ظل تسارع غير مسبوق في التحولات الإقليمية والدولية.
فالمنطقة تعيش مرحلة إعادة رسم للتحالفات بعد الحرب الإيرانية – الإسرائيلية وما رافقها من تدخل أمريكي، وما أفرزته من اصطفافات جديدة وتقاطعات في المصالح بين دول المنطقة. وفي هذا السياق، لا تبدو العلاقة بين دمشق هولير (Hewlêr) مجرد علاقة جوار، بل ترتبط بحدود طويلة، وملفات أمنية وعشائرية، وقضايا كردية، ومعابر اقتصادية، وفي مقدمتها معبر سيمالكا الذي يشكل شريانًا اقتصاديًا واجتماعيًا وقوميًا للشعب الكوردي، وجسرًا للتواصل بين أجزاء كوردستان.
وفي المقابل، تواجه سوريا أزمة داخلية عميقة. فالاحتجاجات تتسع، والخدمات تتراجع، والبطالة والفقر يزدادان، والانفلات الأمني، وخطابات الكراهية، وغياب الاستقرار، كلها مؤشرات تدل على أن البلاد تمر بمرحلة دقيقة تتطلب حلولًا سياسية شجاعة، لا مزيدًا من إدارة الأزمات.
أما على صعيد القضية الكوردية، فما تزال السلطة في دمشق، برأي كثيرين، تتعامل مع المطالب الكوردية بمنطق التأجيل والتهميش، سواء في ملف الدستور أو في مسألة الشراكة السياسية الحقيقية. كما أن حالة الإحباط داخل الشارع الكوردي تزداد مع تراجع الثقة بالأحزاب الكوردية التقليدية، سواء في المجلس الوطني الكوردي أو في الإدارة الذاتية، نتيجة شعور شريحة واسعة من الجماهير بأن الصراع على المواقع والمكاسب طغى على الدفاع عن الحقوق القومية والوطنية.
ومن هنا، تبرز ملامح مرحلة جديدة قد تشهد ولادة تيارات ومنصات مدنية وسياسية تسعى إلى إعادة تنظيم الشارع الكوردي حول مشروع وطني مستقل يدافع عن الحقوق الدستورية للشعب الكوردي. وإذا حدث ذلك، فسيصبح المشهد أكثر تعقيدًا أمام السلطة في دمشق، لأن أي حراك شعبي منظم ستكون له مطالبه واستحقاقاته التي لا يمكن تجاوزها.
في هذا الإطار، تكتسب زيارة الرئيس نيجيرفان بارزاني أهمية استثنائية، ليس فقط على مستوى العلاقات بين هولير (Hewlêr) ودمشق، وإنما أيضًا في إطار التفاهمات الإقليمية والدولية التي قد تنعكس على مستقبل القضية الكوردية في سوريا.
وبوصفي مواطنًا كورديًا ومتابعًا للشأن السياسي، أنظر إلى هذه الزيارة بكثير من الأمل، على أن تكون بداية لتفاهمات جديدة تخدم مصلحة سوريا وإقليم كوردستان، وتفتح الباب أمام معالجة عادلة للقضية الكوردية.
إن الاستحقاق الحقيقي اليوم يتمثل في الاعتراف الرسمي بالهوية التاريخية للشعب الكوردي، وبحقوقه الدستورية والقومية، والقبول به شريكًا أصيلًا في بناء الدولة السورية الجديدة، لا مجرد مكوّن هامشي أو ملف مؤجل.
وأؤمن بأن الحفاظ على وحدة سوريا لا يتحقق عبر الإنكار أو الإقصاء، بل عبر دولة ديمقراطية اتحادية (فدرالية) تعترف بتعددها القومي والثقافي والديني، وتضمن الشراكة الكاملة بين جميع مكوناتها على أساس المواطنة والعدالة.
لقد أثبتت سنوات الحرب أن السلاح لم يحل الأزمات، وأن القوة لم تنتج سلامًا دائمًا. أما الحوار الصادق، والتفاهم، والاعتراف المتبادل، والقبول بالواقع التعددي لسوريا، فهي الطريق الأقصر نحو الاستقرار والنهضة والسلام.
ويبقى السؤال الذي يراقبه أغلب أبناء الشعب الكوردي اليوم:
هل تمتلك السلطة في دمشق الإرادة السياسية لاتخاذ قرارات تاريخية تعترف بحقوق الشعب الكوردي وتكسب ثقته كشريك في مستقبل سوريا؟ أم ستبقى أسيرة الحسابات الضيقة وضغوط القوى المتشددة والفصائل المسلحة؟
إن نجاح هذه الزيارة لن يقاس بالصور والبيانات الرسمية، بل بمدى قدرتها على فتح صفحة جديدة من الشراكة الحقيقية، وبناء دولة تتسع لجميع أبنائها، وتحفظ الحقوق، وتصون الكرامة، وتؤسس لسوريا مستقرة وآمنة لكل مكوناتها.