اكرم محمد
يتجاوز الصمت المطبق الذي يخيم على الشارع الكردي اليوم حدود “الاستراحة المحاربة” ليتحول إلى ظاهرة تستدعي التشريح النقدي؛ فغياب الحراك الشعبي والعجز التام عن تنظيم مظاهرة أو اعتصام واحد في الداخل أو الخارج، بالتزامن مع تصفية مشروع “الإدارة الذاتية” ودمج هياكله العسكرية والمدنية في بنية الدولة السورية، يكشف عن أزمة بنيوية عميقة أبعد من مجرد تبدل موازين القوى العسكرية. هذا الغياب الصادم للشارع، الذي طالما وُصف بالثوري والمسيس، يُعرّي آليات الهيمنة الحزبية التي مورست طوال العقد الماضي، والتي أدت في نهاية المطاف إلى “خصاء” العمل المدني العفوي وتحويل المجتمع من فاعل سياسي إلى متفرج ينتظر مصيره في مطابخ التفاهمات الدولية.
إن الخطيئة الأولى التي قادت إلى هذا الشلل العام تكمن في “تأميم الشارع” واحتكاره المطلق من قبل سلطة الأمر الواقع المتمثلة بحزب الاتحاد الديمقراطي؛ فعلى مدار سنوات، جرى قمع وتجريف أي نويات لحراك مدني مستقل أو معارض، وصُبغت الحياة العامة بلون أيديولوجي وحزبي واحد، مما عوّد الجماهير على ألا تتحرك إلا بأوامر فوقية وضمن مسيرات “مُهندسة” لخدمة الأجندة الحزبية. ونتيجة لهذه السياسة، عندما واجهت القيادة السياسية والعسكرية مأزقها الوجودي واضطرت لتوقيع اتفاقيات الحل والدمج مع دمشق تحت ضغط الهجوم العسكري الحكومي، وجد الشارع نفسه بلا عضلات مدنية مستقلة وبلا قيادات ميدانية عفوية قادرة على أخذ زمام المبادرة لتنظيم احتجاج يرفض هذا التفكيك السريع للمكتسبات. لقد تحول الشارع، بسبب الاحتكار الحزبي، إلى كتلة صامتة فاقدة للأهلية التنظيمية الذاتية.
في المقابل، يتحمل القطب المعارض المتمثل في “المجلس الوطني الكردي” مسؤولية نقدية لا تقل عن خصمه؛ إذ أثبتت هذه النخب عجزاً بنيوياً وتكلساً سياسياً مخيفاً، حيث تقوقعت في زاوية إصدار بيانات التنديد والمظلومية التاريخية دون القدرة على النزول إلى الأرض وصياغة مشروع بديل يلتف حوله الناس. هذا العقم السياسي المشترك، والارتباط العضوي لكلا الطرفين بمحاور إقليمية متناحرة (أربيل وقنديل)، خلق حالة من “الكفر الشعبي” والاشمئزاز العام لدى المواطن البسيط تجاه النخب الحزبية كافة؛ فالشارع الذي شبع وعوداً وشعارات وجد نفسه أمام “وفد كردي مشترك” مفكك وعاجز عن صياغة موقف تفاوضي يحمي الهوية الثقافية، مما حوّل الوعي القومي من طاقة حركية إلى يأس ونكوص نحو الاهتمامات المعيشية البحتة؛ حيث بات تأمين الخبز والوقود والرواتب من دمشق بعد دمج البلديات والمؤسسات هو المعركة الوحيدة المقبولة شعبياً.
أما على صعيد “الوعي القومي” الذي لطالما تم التغني بنضوجه، فقد سقط هو الآخر في فخ “البراغماتية المفرطة” والانتظارية؛ إذ تلاشت مفاهيم “المقاومة الشعبية” أمام الصدمة النفسية الناتجة عن التخلي الأمريكي السريع، لتتحول العقلية الجمعية نحو استراتيجية الهروب الفردي (الهجرة) أو الاستسلام الجماعي للأمر الواقع بدعوى “حفظ الوجود الديمغرافي” من الاجتياح التركي. ولم يكن حراك الشتات الكردي في أوروبا أفضل حالاً؛ إذ تحول من أداة ضغط استراتيجية إلى مجرد “ظاهرة صوتية” تلاشت فور رفع الغطاء الدولي السياسي عن روجآفا وفرض القوانين الأوروبية قيوداً على الأنشطة الحزبية. باختصار، إن غياب الشارع الكردي اليوم ليس نتاج خوف أمني عابر فحسب، بل هو نتاج تدمير ممنهج لعفوية المجتمع وإغراقه في التبعية الحزبية والإنهاك الاقتصادي، مما أنتج مجتمعاً يفضل التكيف الصامت مع مركزية الدولة على مغامرة الاحتجاج غير مضمونة العواقب.
إن الخطيئة الأولى التي قادت إلى هذا الشلل العام تكمن في “تأميم الشارع” واحتكاره المطلق من قبل سلطة الأمر الواقع المتمثلة بحزب الاتحاد الديمقراطي؛ فعلى مدار سنوات، جرى قمع وتجريف أي نويات لحراك مدني مستقل أو معارض، وصُبغت الحياة العامة بلون أيديولوجي وحزبي واحد، مما عوّد الجماهير على ألا تتحرك إلا بأوامر فوقية وضمن مسيرات “مُهندسة” لخدمة الأجندة الحزبية. ونتيجة لهذه السياسة، عندما واجهت القيادة السياسية والعسكرية مأزقها الوجودي واضطرت لتوقيع اتفاقيات الحل والدمج مع دمشق تحت ضغط الهجوم العسكري الحكومي، وجد الشارع نفسه بلا عضلات مدنية مستقلة وبلا قيادات ميدانية عفوية قادرة على أخذ زمام المبادرة لتنظيم احتجاج يرفض هذا التفكيك السريع للمكتسبات. لقد تحول الشارع، بسبب الاحتكار الحزبي، إلى كتلة صامتة فاقدة للأهلية التنظيمية الذاتية.
في المقابل، يتحمل القطب المعارض المتمثل في “المجلس الوطني الكردي” مسؤولية نقدية لا تقل عن خصمه؛ إذ أثبتت هذه النخب عجزاً بنيوياً وتكلساً سياسياً مخيفاً، حيث تقوقعت في زاوية إصدار بيانات التنديد والمظلومية التاريخية دون القدرة على النزول إلى الأرض وصياغة مشروع بديل يلتف حوله الناس. هذا العقم السياسي المشترك، والارتباط العضوي لكلا الطرفين بمحاور إقليمية متناحرة (أربيل وقنديل)، خلق حالة من “الكفر الشعبي” والاشمئزاز العام لدى المواطن البسيط تجاه النخب الحزبية كافة؛ فالشارع الذي شبع وعوداً وشعارات وجد نفسه أمام “وفد كردي مشترك” مفكك وعاجز عن صياغة موقف تفاوضي يحمي الهوية الثقافية، مما حوّل الوعي القومي من طاقة حركية إلى يأس ونكوص نحو الاهتمامات المعيشية البحتة؛ حيث بات تأمين الخبز والوقود والرواتب من دمشق بعد دمج البلديات والمؤسسات هو المعركة الوحيدة المقبولة شعبياً.
أما على صعيد “الوعي القومي” الذي لطالما تم التغني بنضوجه، فقد سقط هو الآخر في فخ “البراغماتية المفرطة” والانتظارية؛ إذ تلاشت مفاهيم “المقاومة الشعبية” أمام الصدمة النفسية الناتجة عن التخلي الأمريكي السريع، لتتحول العقلية الجمعية نحو استراتيجية الهروب الفردي (الهجرة) أو الاستسلام الجماعي للأمر الواقع بدعوى “حفظ الوجود الديمغرافي” من الاجتياح التركي. ولم يكن حراك الشتات الكردي في أوروبا أفضل حالاً؛ إذ تحول من أداة ضغط استراتيجية إلى مجرد “ظاهرة صوتية” تلاشت فور رفع الغطاء الدولي السياسي عن روجآفا وفرض القوانين الأوروبية قيوداً على الأنشطة الحزبية. باختصار، إن غياب الشارع الكردي اليوم ليس نتاج خوف أمني عابر فحسب، بل هو نتاج تدمير ممنهج لعفوية المجتمع وإغراقه في التبعية الحزبية والإنهاك الاقتصادي، مما أنتج مجتمعاً يفضل التكيف الصامت مع مركزية الدولة على مغامرة الاحتجاج غير مضمونة العواقب.