د . مرشد اليوسف
ليس كل اندماج اندماجًا، وليس كل انخراط في مؤسسات الدولة شراكة وطنية. فثمة فرق جوهري بين أن يكون الإنسان مواطنًا كامل الحقوق ، وبين أن يصبح مجرد رقم في جهاز إداري لا يعترف بخصوصيته القومية والثقافية. ومن هنا تبدأ الإشكالية الكردية في سوريا، ليس باعتبارها أزمة تمثيل سياسي فحسب، وإنما بوصفها أزمة في مفهوم الدولة ذاته.
لقد درجت الأنظمة المركزية في الشرق الأوسط على تقديم الاندماج باعتباره عملية أحادية الاتجاه ، أي انتقال المكونات القومية إلى هوية الدولة الرسمية، بينما لا تتحرك الدولة خطوة واحدة نحو الاعتراف بالتعددية التي تتكون منها.
وبهذا المعنى، لم يكن الاندماج سوى اسم آخر لسياسات الصهر القومي، حيث يُطلب من الكردي أن يكون مواطنًا، ولكن بعد أن يتخلى عن لغته، أو يقلل من حضور تاريخه، أو يذيب شخصيته القومية داخل هوية أحادية.
غير أن الدولة الحديثة لا تُقاس بقدرتها على إنتاج شعب متشابه، بل بقدرتها على إدارة التنوع.
فكلما ازداد التنوع داخل المجتمع، ازدادت الحاجة إلى مؤسسات دستورية تحوله إلى عنصر استقرار بدلاً من أن يصبح مصدرًا للصراع.
إن الوحدة التي تُبنى على الاعتراف أقوى من الوحدة التي تُفرض بالإنكار، لأن الاعتراف يصنع الانتماء، بينما يولد الإنكار الشعور بالتهميش.
وضمن هذا السياق فإن الكرد في سوريا ليسوا جالية مهاجرة، ولا جماعة وافدة تبحث عن موطئ قدم داخل الدولة، وإنما هم جزء تاريخي من الجغرافيا السورية، أسهموا في الدفاع عنها، وفي اقتصادها، وفي ثقافتها، وفي مواجهة الإرهاب خلال السنوات الأخيرة.
ومن ثم فإن النقاش لا ينبغي أن يدور حول أحقية وجودهم، وإنما حول طبيعة العلاقة الدستورية والسياسية التي تربطهم بالدولة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في المرحلة الانتقالية هو الخلط بين مفهوم بناء الدولة ومفهوم إعادة إنتاج المركزية. فالدولة ليست هي الحكومة، وليست هي العاصمة، وليست هي الجهاز الإداري، وإنما هي عقد اجتماعي بين مواطنين متساوين، بغض النظر عن قومياتهم أو لغاتهم أو ثقافاتهم.
فإذا غاب هذا العقد، تحولت الدولة إلى سلطة، وتحولت المواطنة إلى علاقة تبعية، لا علاقة شراكة.
ومن هنا، فإن الاندماج الذي يُطلب من الكرد لا ينبغي أن يكون اندماج أفراد داخل مؤسسات الدولة فحسب، لأن الأفراد يأتون ويذهبون، أما الشعوب فتبقى. وما يحتاج إليه الكرد هو اندماج يقوم على الاعتراف الدستوري بوجودهم القومي والثقافي، وعلى ضمان حقهم في إدارة شؤونهم المحلية ضمن وحدة الدولة، وعلى حماية لغتهم وثقافتهم ومؤسساتهم التعليمية والثقافية وفق الدستور والقانون.
إن التجربة السياسية الحديثة تثبت أن الدول الأكثر استقرارًا ليست تلك التي ألغت التنوع، وإنما تلك التي نجحت في تنظيمه. فالتعددية ليست نقيضًا للوحدة، بل قد تكون شرطًا لها عندما تُدار ضمن مؤسسات عادلة. أما تحويل الهوية الوطنية إلى هوية أحادية، فإنه يحمل في داخله بذور النزاع، لأنه يضع جزءًا من المجتمع أمام خيارين أحلاهما مرّ:
إما التخلي عن ذاته، أو الشعور الدائم بالإقصاء.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس:
هل يندمج الكرد في الدولة السورية؟ بل:
أي دولة سورية يجري بناؤها؟ هل هي دولة لجميع مواطنيها، أم دولة تتوقع من بعض مكوناتها أن تدفع ثمن الانتماء بالتخلي عن خصوصيتها؟
إن مستقبل سوريا لن يتحدد بعدد الوزارات التي يشغلها الكرد، ولا بعدد المقاعد التي يحصلون عليها في البرلمان، بل بطبيعة الفلسفة الدستورية التي ستقوم عليها الدولة.
فإذا بقيت فلسفة الدولة قائمة على المركزية المطلقة والهوية الواحدة، فإن الأزمات ستتجدد مهما تغيرت الحكومات. أما إذا تأسست على مبدأ المواطنة المتساوية والاعتراف بالتعددية وسيادة القانون، فإن التنوع سيتحول من عبء سياسي إلى مصدر قوة وطنية.
إن الكرد لا يحتاجون إلى دولة موازية داخل الدولة، كما لا يحتاجون إلى أن يتخلوا عن هويتهم كي يثبتوا ولاءهم لسوريا.
إن ما يحتاجونه هو دولة تحترمهم بوصفهم شعبًا أصيلًا من شعوب هذا الوطن، وتكفل لهم حقوقهم الدستورية والثقافية والسياسية، بحيث يصبح الانتماء إلى سوريا متوافقًا مع الانتماء إلى الهوية الكردية، لا متعارضًا معها.
إن بناء سوريا الجديدة لا يمر عبر إعادة إنتاج مفاهيم القرن العشرين التي قامت على الصهر والإنكار، وإنما عبر الانتقال إلى مفهوم الدولة الدستورية التعددية، دولة تكون فيها المواطنة إطارًا جامعًا، وتكون فيها الهويات القومية والثقافية مكونات معترفًا بها، لا هويات يُطلب منها أن تختفي.
فالوطن ليس مصنعًا لإنتاج نسخة واحدة من البشر، بل فضاءً سياسيًا يتسع للجميع.
وعندما يصبح الكردي قادرًا على أن يكون كرديًا كامل الهوية، وسوريًا كامل المواطنة في الوقت ذاته، عندها فقط يمكن القول إن الاندماج الوطني قد تحقق، وأن الدولة انتقلت من منطق الهيمنة إلى منطق الشراكة، ومن فلسفة الاحتواء إلى فلسفة العقد الوطني الذي يصنع السلام والاستقرار ويؤسس لمستقبل أكثر رسوخًا لجميع السوريين.