تغيّر الخطاب الكردي في سوريا: من الفدرالية إلى الاندماج في الدولة السورية .

اكرم حسين

شهد المشهد السياسي السوري خلال الأشهر الماضية تحولاً دراماتيكياً في خطاب الأحزاب والحركات الكردية في  سوريا ، تمثّل في اختفاء شبه كامل لمصطلحي “الفدرالية” و”اللامركزية السياسية” من قاموسها السياسي ، ولم يكن هذا التحوّل وليد مصادفة أو مجرد تغيير في صياغات الخطاب ، بل جاء نتيجة تراكمات سياسية وميدانية حاسمة، توجتّها سلسلة من الأحداث المتسارعة في مطلع عام 2026، فرضت على الكرد إعادة حساباتهـم وتبنّي خطاب جديد يتناغم مع المعطيات المستجدة على الساحة السورية.

في الواقع، لم تكن الدعوات إلى الفدرالية أو الحكم الذاتي موسماً سياسياً عابراً في التاريخ الكردي الحديث، بل كانت تعبيراً عن رؤية سياسية نضجت خلال سنوات الحرب الطويلة، وخاصة حين تمكّنت قوات سوريا الديمقراطية  من السيطرة على مناطق شاسعة في شمال وشرق البلاد، وأقامت مؤسسات موازية وإدارة ذاتية كان ينظر إليها كثيرون كنواة لكيان فيدرالي مستقبلي. لكن هذه الرؤية اصطدمت بجدار صلب بعد سقوط نظام الأسد، حين برزت إدارة انتقالية جديدة تتبنى رؤية مركزية للدولة، وتقوم على استعادة السيادة على كامل الأراضي السورية، وإعادة هيكلة المؤسسات بما يضمن وحدة البلاد وسلامتها الإقليمية، دون أي مجال لكيانات منفصلة أو صلاحيات قد تمس بجوهر الدولة الموحدة.

المفاجأة الأكبر جاءت في يناير 2026، حين تحولت المواجهة بين رؤية المركزية ورؤية اللامركزية إلى صراع عسكري مكشوف، أسفر عن تغيرات ميدانية جذرية، تمكّنت خلالها القوات الحكومية  السورية من استعادة مساحات واسعة كانت خارج سيطرة الدولة لسنوات. هذا التحول في موازين القوى على الأرض، المدعوم بانسحابات دولية وتغيّر في الأولويات الإقليمية، وضع قسد أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الدخول في مفاوضات جادة مع دمشق للاندماج في الدولة، أو البقاء في موقف المواجهة الذي لم يعد يحتمل استمراراً،  ومن الطبيعي أن تختار قسد الخيار الأول، في ظل انكشافها وتلاشي ظهيرها ، خاصة وأن الحكومة السورية الانتقالية كانت مستعدة لتقديم تنازلات في ملف الاندماج ، الذي سبقه اصدار المرسوم ١٣ الخاص بالحقوق الكردية ،  مقابل إنهاء أي حديث عن كيان منفصل أو حكم ذاتي موسع.

هكذا، ومع التوقيع على اتفاق شامل في 30 يناير 2026، طوى الكرد  صفحة الفدرالية واللامركزية السياسية بشكل نهائي تقريباً. فالاتفاق نصَّ على دمج كافة مؤسسات الإدارة الذاتية، مدنياً وعسكرياً، في مؤسسات الدولة المركزية، وإنهاء جميع أشكال الكيانات الموازية، مع وضع الموظفين والعسكريين على رواتب الحكومة في دمشق. وقد جاء هذا الاتفاق تتويجاً لفترة من المفاوضات المكثّفة، وعلامة فارقة في تاريخ العلاقة بين الدولة وقسد ، إذ أنهى جدلاً استمر لسنوات حول شكل الحكم في سوريا.

لكن اللافت في هذه المرحلة هو أن دمشق لم تكتفِ بإنهاء المطالب السياسية، بل سارعت إلى تقديم مكاسب ملموسة للكرد  في المجال الثقافي واللغوي ، وكأنها تريد أن تقول لهم: نحن مستعدون لمنحكم كل حقوقكم المدنية والثقافية، لكن ضمن إطار دولة موحدة وليس عبركيانات منفصلة. فجاء المرسوم الرئاسي رقم 13 ليمنح الجنسية لآلاف الكرد الذين عانوا طويلاً من انعدام الهوية السورية ، ويعترف باللغة الكردية كلغة وطنية ، ويقرّ بنوروز عطلة رسمية. هذه الخطوات التي وصفها الكثيرون بأنها الأهم في تاريخ الكرد في سوريا، شكّلت ورقة ضغط قوية دفعت الأوساط الكردية إلى قبول شروط الاندماج، حيث وجدت نفسها أمام مكتسبات ملموسة، جعلت التمسك بمطالب الفدرالية أمراً غير واقعي وغير مجدٍ سياسياً.

أما في المجال السياسي، فكانت المشاركة الكردية في مجلس الشعب الجديد، بعد تعيين الرئيس لأعضائه في يوليو 2026، المحطة الأكثر وضوحاً في تغيّر الخطاب. فلم يعد الكرد طرفاً يتفاوض من خارج المؤسسات، بل أصبحوا جزءاً من اللعبة السياسية الداخلية، يمارسون دورهم النيابي في إطار مجلس يضم مختلف مكونات الشعب السوري ،  وقد ضم المجلس شخصيات كردية من مختلف التوجهات، بما في ذلك المجلس الوطني الكردي، في مقابل استبعاد الأطراف التي كانت تتبنى خطاباً أكثر تشدداً في الماضي. هذا المشهد الجديد قال الكثير: الكرد الآن شركاء في مؤسسات الدولة المركزية، وأي حديث عن فدرالية أو حكم ذاتي خارج هذا الإطارهو خارج الزمن السياسي السوري الجديد.

بطبيعة الحال، لا يمكن فهم هذا التحول الكبير بمعزل عن العوامل الخارجية التي لعبت دوراً لا يقل أهمية عن العوامل الداخلية. انسحاب القوات الأمريكية من شمال سوريا، وتغير المواقف الدولية تجاه الملف السوري، وصعود دور تركي وإقليمي وعربي موحد يدعم وحدة سوريا وسلامتها الإقليمية، كلها عوامل شكلت بيئة دافعة نحو الاندماج بدلاً من التمسك بمطالب كانت ترى في السابق أنها تحظى بدعم خارجي ، ولعل الإدارة السورية الجديدة أجادت في استثمار هذه المتغيرات الدولية لتقدم نفسها كخيار جاذب للكرد، من خلال مكاسب سياسية وثقافية جعلت منهم جزءاً من المشروع الوطني الجديد.

ومع ذلك، ورغم كل هذه التطورات التي بدت وكأنها تطوي نهائياً ملف مطالب الفدرالية والحكم الذاتي ، تظل هناك تساؤلات مشروعة يطرحها كثير من المراقبين والمهتمين بالشأن الكردي. فهل يعكس هذا التحول السريع في الخطاب قناعة حقيقية لدى الكرد بجدوى الدولة المركزية، أم أنه مجرد استراتيجية مؤقتة في ظل موازين قوى غير مواتية؟ وهل ستكون المكاسب اللغوية والثقافية التي تحققت مؤخراً كافية لضمان اندماج حقيقي ومستدام، أم أنها ستتحول إلى أداة لترويض المطالب الكردية بشكل مؤقت، مع احتمالية عودتها إلى الواجهة متى تغيرت الظروف؟ وهناك من يرى أن المشاركة الكردية في مجلس الشعب، وإن كانت خطوة إيجابية، فانها لا تعكس الوزن الديموغرافي الحقيقي للكرد ، مما يثير مخاوف حول مدى فعالية هذه المشاركة في ترجمة المطالب الشعبية الكردية وتحقيق توازن حقيقي في صناعة القرار.

في المحصلة، يبقى الأكيد أن اختفاء مصطلحي الفدرالية واللامركزية السياسية من الخطاب الكردي السوري هو تحوّل جوهري يعكس مرحلة جديدة في تاريخ العلاقة بين الدولة والكرد . فالانتقال من طموح الحكم الذاتي إلى المشاركة في مؤسسات الدولة المركزية، ومن التفاوض من خارج النظام إلى الاندماج داخله، يمثّل نقطة تحول فارقة، تضع القضية الكردية في سوريا على مفترق طرق جديد. لكن مستقبل هذه العلاقة، ومدى استدامتها، وقدرة الدولة الجديدة على استيعاب التنوع دون  تذويب الخصوصيات، كلها أسئلة تنتظر الإجابة في الممارسة السياسية والأيام القادمة ؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…