نظام مير محمدي
كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني
ليست الهزيمة دائماً في ساحات القتال، فثمة هزائم أشد وقعاً حين تقع داخل السجون، حيث يظن الطغاة أن قبضتهم مطلقة وأن الخوف سيد الموقف. وما حدث في سجن “قزل حصار” بمدينة كرج، عندما نجح نحو 1500 سجين محكوم بالإعدام في إرغام سلطات نظام الولي الفقيه على التراجع بعد إضراب عن الطعام استمر ستة عشر يوماً، يمثل واحدة من تلك الهزائم الصامتة التي تتجاوز حدود السجن لتطال صورة النظام وهيبته.
لقد بنى النظام الإيراني، طوال ما يقرب من خمسة عقود، جزءاً أساسياً من سلطته على سياسة المشانق. فالإعدام بالنسبة إليه ليس مجرد عقوبة قضائية، وإنما وسيلة حكم ورسالة سياسية هدفها تكريس الخوف وإخماد أي نزعة للاعتراض. ولهذا، فإن اضطرار مسؤولي القضاء والأجهزة الأمنية إلى الجلوس أمام سجناء محكومين بالموت والتفاوض معهم، ثم تقديم تعهدات بوقف تنفيذ الإعدامات وإعادة فتح الملفات القضائية، لم يكن مجرد إجراء إداري، بل اعترافاً غير مباشر بأن سياسة الترهيب لم تعد تحقق الغاية التي أريدت لها.
لم يكن هذا التراجع وليد اعتبارات إنسانية، فالنظام الذي تجاهل طوال سنوات النداءات الدولية بشأن الإعدامات، لا يمكن أن يتحول فجأة إلى سلطة رحيمة. ما دفعه إلى التراجع هو إدراكه أن استمرار الإضراب كان ينذر بانفجار داخل السجون قد يمتد إلى سائر المعتقلات، وأن أي شرارة جديدة قد تتلاقى مع حالة الاحتقان الشعبي المتصاعدة في الشارع الإيراني، لتعيد إلى الأذهان الانتفاضات التي هزت البلاد وأظهرت هشاشة السلطة رغم كل ما تمتلكه من أدوات قمع.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذا الإضراب هو أنه كشف حقيقة يحاول النظام إخفاءها باستمرار، وهي أن أعداداً كبيرة من المحكومين بالإعدام في قضايا المخدرات ليسوا قادة لعصابات منظمة، وإنما ضحايا الانهيار الاقتصادي والبطالة والفقر وسياسات الإفقار التي دفعت آلاف الإيرانيين إلى خيارات قاسية. وهكذا يتحول النظام من صانع للأزمة إلى قاضٍ وجلاد في آن واحد، فيعاقب ضحايا سياساته بدلاً من معالجة الأسباب التي أوصلتهم إلى هذا المصير.
لقد اكتسب هذا الانتصار أهمية إضافية عندما أعلن السجناء تضامنهم مع حملة “ثلاثاءات لا للإعدام”، في رسالة تؤكد أن رفض سياسة المشانق بات يتحول إلى موقف وطني يتجاوز أسوار السجون. فالمواجهة لم تعد بين سجناء وإدارة سجن، وإنما بين شعب يتطلع إلى الحياة وسلطة لا تجد وسيلة لإطالة عمرها سوى الإعدام والقمع.
وفي هذا السياق، جاء موقف المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية منسجماً مع رؤيته التي تؤكد أن الصمود الجماعي هو السلاح الأكثر فاعلية في مواجهة الفاشية الدينية. فما تحقق في قزل حصار يبرهن، بحسب المقاومة، على أن إرادة التنظيم والوحدة قادرة على فرض التراجع حتى على أكثر الأنظمة استبداداً، وأن معركة وقف الإعدامات ليست معركة حقوقية فحسب، بل هي جزء من معركة أوسع من أجل إنهاء حكم ولاية الفقيه وإقامة جمهورية ديمقراطية تقوم على سيادة القانون واحترام الكرامة الإنسانية.
كما جاء في خطة النقاط العشر للسيدة مريم رجوي لإيران الغد الحرة، في المادتين الثالثة والسادسة ما يلي:
- ضمان الحريات والحقوق الفردية والاجتماعية وفقاً للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وحلّ أجهزة الرقابة وتفتيش المعتقدات، ومقاضاة المسؤولين عن مجزرة السجناء السياسيين، وحظر التعذيب وإلغاء عقوبة الإعدام.
…
- استقلال السلطة القضائية ونظام قضاء مستقل، وفقاً للمعايير الدولية القائمة على مبدأ البراءة، والحق في الدفاع، والحق في المقاضاة، والحق في التمتع بمحاكمة علنية، والاستقلال الكامل للقضاة. وإلغاء قوانين نظام الملالي “الشرعية” ومحاكم الثورة الإسلامية.
إن أهمية ما جرى في قزل حصار لا تكمن في تأجيل عدد من أحكام الإعدام، بل في سقوط إحدى المسلمات التي طالما روج لها النظام، وهي أن إرادته لا تُكسر. فعندما ينجح سجناء ينتظرون الموت في فرض إرادتهم على سلطة تمتلك القضاء والأجهزة الأمنية والسجون، فإن الرسالة تتجاوز جدران المعتقل لتصل إلى المجتمع الإيراني بأسره: إن آلة القمع، مهما بدت جبارة، ليست عصية على الهزيمة، وإن النظام الذي يخشى إضراباً عن الطعام داخل سجونه، إنما يكشف عن خوف أكبر من اليوم الذي تتحول فيه إرادة السجون إلى إرادة وطن بأكمله يطالب بحريته.