عدالات مؤجلة في دمشق

مصطفى عبد الوهاب العيسى

 

لم تعد مكافحة خطاب الكراهية والتحريض وبث الفتنة واجباً أخلاقياً يقتصرعلى المثقفين والمتنورين والوطنيين في سوريا ، بل غدت اليوم إحدى أهم الركائز لتحقيق العدالة بمفهومها العام والشامل ، وأصبحت مسؤولية وطنية وقانونية مشتركة بين السلطات من جهة ، والشعب من جهة أخرى .

فالسلطات مطالبة باتخاذ جميع التدابير اللازمة ، وتفعيل ما أمكن من الاتفاقيات والبروتوكولات القضائية والدولية ، وفي مقدمتها اتفاقية بودابست وغيرها من الأطر القانونية ذات الصلة ، وبما يكفل ملاحقة مرتكبي جرائم الكراهية والتحريض – حتى وإن كانوا خارج الأراضي السورية – والعمل على إخضاعهم للمساءلة القانونية وفقاً للمحاكم والآليات القضائية المعمول بها .

في المقابل يقع على عاتق المواطنين ترسيخ ثقافة الإبلاغ وتقديم الشكاوى بحق كل من يمارس خطاب الكراهية أو التحريض أو يسعى إلى إثارة النعرات ، والتخلي عن منطق ” اللهم نفسي ” ، لأن الاستمرار في الصمت تجاه هذه الممارسات لا يقل خطورة عن ارتكابها ، ولأن حماية السلم الأهلي وصون وحدة المجتمع وسيادة القانون مسؤولية جماعية لا تتحقق إلا بتضافر جهود الدولة والمجتمع معاً .

ما سبق يقودنا للحديث عن العدالة القانونية التي تبعث في النفوس الطمأنينة عندما نراها متجسدة على أرض الواقع ، وحين يكون القانون مطبقاً على الجميع دون استثناء أو تمييز ، وبما يكفل المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين ، ويضمن في الوقت ذاته حماية مؤسسات الدولة والعاملين فيها ، والذين – مع الأسف – يتعرض البعض منهم اليوم للظلم وتُنتهك حقوقهم تحت وطأة الخوف من ” الترند “وما يرافقه من حملات تهديد وازدراء ، بل وأحياناً من اعتداءات لفظية أو معنوية تستهدفهم أثناء أدائهم لواجبهم ، كما هو الحال مع شرطة المرور وغيرهم من موظفي الدولة .

من جانب آخر نتابع بإيجابية ما يجري تداوله بشأن التوجه الجاد نحو إقرار تشريعات والاستفادة من أطروحات ومشاريع بحثية قانونية قيِّمة بقيت حبيسة الأدراج خلال سنوات طويلة في ظل النظام السابق ، فضلاً عن إدخال تعديلات تشريعية باتت ضرورة ملحة بعد أن أصبحت نصوص قانونية كثيرة لا تواكب متطلبات العصر ولا تنسجم مع التحولات التي يشهدها المجتمع .

غير أن هذا المسار من العدالة لا يزال مرهوناً بما ستفضي إليه جلسات مجلس الشعب ، وبما سيقدمه أعضاؤه من أداء تشريعي يرقى إلى مستوى المسؤولية الوطنية ، ولا سيما أن العدالة نفسها تقتضي أن يكون جميع من يتولون هذه المسؤولية جديرين بها ، وهو أمر لا يزال محل نقاش لدى شريحة واسعة من السوريين .

بالتوازي مع العدالة القانونية ، تبرز الحاجة إلى تحقيق العدالة الاجتماعية بوصفها إحدى الركائز الأساسية لبناء الدولة الحديثة ، فهي الضامن الحقيقي لتكافؤ الفرص ، والوسيلة الأمثل للحد من الفقر الذي تشير الإحصاءات والاستبيانات الحديثة إلى تزايد معدلاته بصورة مقلقة ومخيفة .

غير أن هذه العدالة لن تتحقق بالصورة المنشودة ما لم تُفعَّل آليات حقيقية لمحاسبة الفاسدين الذين تتعارض ممارساتهم اليوم مع كل ما يمت بصلة إلى مبادئ العدالة الاجتماعية ، بل تُسهم في تقويضها وإفراغها من مضمونها ، ولا سيما في قطاعي التعليم والصحة اللذين يُعدَّان من أهم ركائز التنمية والاستقرار ، وإن استمرار السياسات المتبعة في معالجة الملفات المتعلقة بهذين القطاعين ، ومن دون إصلاحات حقيقية ومراجعة جادة لما يُسمى بنظام التزكية ، لن يُفضي إلا إلى تعميق مظاهر الظلم التي ستنعكس آثارها على السوريين جميعاً ، وتزيد من اتساع الفجوة الاجتماعية ، وبالشكل الذي يحول دون تحقيق العدالة بمفهومها الشامل .

أنتقل الآن إلى الحديث عن أحد أهم أنواع العدالة – إن لم يكن أهمها على الإطلاق – وهي العدالة الانتقالية ، تلك العدالة التي تمثل مساراً أساسياً لمعالجة إرث الانتهاكات والصراعات ، وإعادة بناء الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة ، وإنصاف الضحايا بما يضمن عدم تكرار المآسي التي عاشها السوريون .

ورغم ما أُنجز في هذا المجال من أبحاث وندوات وورش عمل أسهمت في مساعدة الصحفيين والكُتَّاب – لا سيما غير المختصين منهم – على فهم أهمية العدالة الانتقالية وضرورة التوعية بمبادئها وأهدافها ، فإن ما تحقق على أرض الواقع – من وجهة نظري – لا يزال محدوداً للغاية إذ لم يتجاوز ، وفي نظر شريحة واسعة من الشارع السوري حدود ما يُنشر بين الحين والآخر من صور فوتوغرافية ومقاطع فيديو لأشخاص متورطين في الدم السوري ، والتي أصبح يُنظر إليها بوصفها مسكناً مؤقتاً للمطالب المُحقَّة ، وتنفيساً لغضب يتراكم لدى الضحايا وذويهم .

ولا شك أن الحفاظ على عدم تحول العدالة الانتقالية إلى عدالة انتقامية أمر بالغ الأهمية لأن الغاية منها ليست الانتقام ، بل تحقيق الإنصاف وكشف الحقائق وترسيخ سيادة القانون ،ولكن مع مرور أكثر من عام ونصف دون الوصول إلى محاسبة فعلية ، أو معالجة جادة لانتهاكات الماضي التي طالت السوريين في أرواحهم وممتلكاتهم وحقوقهم ، و دون تحقيق إنصاف حقيقي للضحايا ، فهذا يمثل إشكالية كبيرة ، إذ إن غياب العدالة لا يؤدي إلا إلى زيادة الاحتقان ، وتأجيج الوضع العام ، وتهديد فرص الاستقرار المجتمعي .

من زوايا أخرى ، فإن العديد من الاتفاقيات والتفاهمات التي تُبرم داخل سوريا وخارجها ، وما يرافق بعضها من صفقات وبازارات سياسية ، وتوزيع للمناصب ، واستمرار مظاهر الفساد ، وبالإضافة إلى تكريس وشرعنة بعض أشكال الظلم الذي يطال كل السوريين في جوانبهم الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية وغيرها يبقى بعيداً كل البعد عن جوهر العدالة الانتقالية ومبادئها ، فالعدالة الانتقالية التي انتظرها وينتظرها السوريون ليست مجرد شعارات أو إجراءات شكلية ، وإنما هي مسار متكامل يقوم على كشف الحقائق ، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات ، وجبر الضرر ، ورد الاعتبار للضحايا ، وبناء مستقبل قائم على المساواة والكرامة وسيادة القانون .

قبل الختام ، أقف عند أكثر أنواع العدالة دمجاً للعدالات – برأيي – وهي العدالة السياسية ، والتي بجوهرها الأساسي تتمثل بالمشاركة السياسية في المقام الأول ، فهذه المشاركة هي اللبنة الأساس في بناء مجتمع مستقر ، وتحقيق التنمية والنمو الاقتصادي ، كما أنها تعزز الثقة بمؤسسات الدولة ، وتُسهم في بناء علاقة أكثر توازناً بين المواطنين والدولة .

إن العدالة السياسية بوصفها مجموعة أفكار نخبوية – إن صح التعبير – نحتاجها في مرحلة البناء وإعادة الإعمار مادياً ومعنوياً ، فهي ليست مجرد مفهوم نظري ، بل هي إطار فكري يساعد على إعادة بناء المجتمع والدولة ، وهي كما هو معلوم واحدة من أعمق المشاكل الفلسفية التي يبحث فيها ويدرسها المختصون في الفلسفة السياسية ، والعدالة السياسية وتوازيها مع العدالة القانونية ليست قوانين بحد ذاتها ، أو بمعنى القانون الذي يمكن أن يكون بحد ذاته ظالماً ، وإنما يمكن أن تساعدنا باعتبارها معياراً يمكن من خلاله محاكمة القانون نفسه ، وقياس مدى عدالته وانسجامه مع قيم الإنصاف والمساواة .

العدالة السياسية ضرورية اليوم حتى نعارض رؤى ميكافيللي ، ونجمع ما بين الفعالية السياسية والعدالة الأخلاقية ، لأنها تمثل المفتاح الذي يفصل ويحد من السلطات ، ويضمن عدم تحول القوة السياسية إلى سلطة مطلقة بعيدة عن القيم والضوابط الأخلاقية .

ختاماً ، عند البحث والدراسة في بعض المفاهيم الفلسفية والقيميَّة ، ووفق نهج وأسلوب تبلور القيم ، وما يمكن أن يتشعب عنه من أنواع وأشكال وألوان للعدالة ، يمكن الوصول إلى أكثر من ألف نوع وشكل واسم من أسماء العدالات ، وجميعها دون استثناء تشترك في قواسم عديدة ، وأهمها الإنصاف بمفهومه العام والشامل .

وهناك أنواع أخرى من العدالة – دون حصر – لا تقل أهمية عن أخواتها كالعدالة الاقتصادية ، والعدالة التوزيعية ، والعدالة التصالحية ، وغيرها الكثير ، وجميعها يحتاجها السوريون بشكل عاجل ، وجميعها ما تزال مؤجلة حتى الآن ، وإن كانت دمشق قد سارت بخطوات بطيئة في بعضها .

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه :

هل ستنصف دمشق؟

ومتى ستنصف دمشق؟!!

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالحمید زیباري – اربيل مرة أخرى، يجد الموظف العراقي نفسه رهينةً لمعادلات جغرافية وسياسية لا يملك حيالها شيئاً؛ فبين ليلة وضحاها، تحول إغلاق مضيق هرمز وتقييد حركته من مجرد خبر في النشرات الدولية إلى كابوس يهدد المائدة اليومية لملايين العراقيين. لقد أسقطت هذه الأزمة الجيوسياسية ورقة التوت الأخيرة عن عورة الاقتصاد العراقي، كاشفةً عن هشاشة مرعبة في بنية دولة تعتمد…

الكاتبة والشاعرة آخين ولات هناك جرحٌ في التاريخ لا يلتئم بمجرد مرور الزمن، لأن الجرح ليس في الجسد فقط، بل في الذاكرة والكرامة والوجود. قضية الشعب الكردي ليست مجرد قضية حدودٍ سياسيةٍ أو نزاعٍ على أرض، بل هي سؤالٌ أخلاقيٌ عميقٌ عن معنى الإنسان حين يُحرم من حقه في الحياة واللغة والهوية والأمان، وحين تتحول المقدسات إلى شعاراتٍ تُستخدم لتبرير…

صلاح بدرالدين يستوجب الرد على من يدعي : ( ان التناقض بين الفكر القومي الكردي التحرري ( الكردايتي ) وبين التيار اليساري والشيوعي الكردي احد اعمق الشروخ البنيوية التي اصابت جسد القضية الكردية طوال القرن الماضي وحتى يومنا هذا ….وان هذه الشريحة الآيديولوجية شكلت تاريخيا وعبر أدوات ناعمة وخشنة كابحا حقيقيا وعائقا وجوديا امام تحقيق الطموح القومي الاسمى المتمثل في…

ماجد ع محمد   “سَتُبدي لَكَ الأَيّامُ ما كُنتَ جاهِلاً وَيَأتيكَ بِالأَخبارِ مَن لَم تُزَوِّدِ”. طرفة بن العبد   يشير المفكر الأمريكي ريتشار نيد ليبو في كتابه “لماذ تتحارب الأمم” إلى أن هنالك أربعة دوافع أساسية للحروب والنزاعات المسلحة بين الأمم، وهي: الخوف من العدو، أي الخشية من الآخر الذي قد يظن الخصم المفترض بأنه يشكل الخطر الأعظم عليه، لذا…