عشية مرور – ٦١ – عاما على انبثاق اليسار الكردي هذا هو اليسار الكردي السوري ( ٢ – ٤ )

صلاح بدرالدين

يستوجب الرد على من يدعي :

 ( ان التناقض بين الفكر القومي الكردي التحرري ( الكردايتي ) وبين التيار اليساري والشيوعي الكردي احد اعمق الشروخ البنيوية التي اصابت جسد القضية الكردية طوال القرن الماضي وحتى يومنا هذا ….وان هذه الشريحة الآيديولوجية شكلت تاريخيا وعبر أدوات ناعمة وخشنة كابحا حقيقيا وعائقا وجوديا امام تحقيق الطموح القومي الاسمى المتمثل في بناء دولة كردستان المستقلة ….)

  تجنبا للخلط المتعمد بين العبارات ، والمصطلحات ، والمسميات ، بهدف التمييع ، والتحايل ، وتضليل القارئ ثم الخروج بنتائج خاطئة مصطنعة لابد من التمييز بين كل من :

   الأحزاب الشيوعية في سوريا ، والعراق ، وتركيا ، وايران والشيوعييون الكرد المنضوون في صفوفها من جهة ، وبين التيارات اليسارية التي خرجت من رحم الحركة القومية الكردية ، كما يجب الاخذ بعين الاعتبار التمايز بين مواقف تلك الأحزاب بشأن القضية الكردية .

في العموميات: الغرب اليميني هو من قوض فكرة استقلال كردستان

  مصير الكرد وقضيتهم في التحرر القومي منذ بدايات ظهور الحركة القومية خضعا لفعل العاملين الذاتي والموضوعي ، فان كان الأول متواضعا غير فاعل فان موازين القوى الدولية التي تحكم بها الغرب ( اليميني ) منذ الحرب العالمية الأولى لم تكن بأفضل حال ، واذا كان التقسيم الأول لكردستان حصل بإرادة الامبراطوريتين المذهبيتين العثمانية والصفوية ( وهما ليسا من اليسار ) فان التقسيم الثاني ( سايكس بيكو ) حصل على ايدي الغرب الامبريالي – فرنسا وانكلترة ، وروسيا القيصرية – وفي سنوات القرنين التاسع عشر والعشرين قام الغرب ( أوروبا ثم أمريكا ) بدعم واسناد الأنظمة الدكتاتورية الشوفينية الحاكمة بالدول الأربعة المقسمة للكرد ووطنهم ، ليس ذلك فحسب بل شاركت فعليا في محاربة الحركة القومية الكردية من خلال الاحلاف الموجهة ضد الكرد ( سعد اباد – السنتو – حلف بغداد – اتفاقية الجزائر ) ، اما الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية الأخرى فلم تكن معادية للكرد وحركتهم التحررية بل كانت مقصرة ، واتخذت مواقف خاطئة تجاه جمهورية مهاباد ، وكذلك الثورة الكردية في كردستان العراق ، وفي الوقت ذاته لم تقطع الصلة مع الكرد ، وقدمت الدعم  في بعض المجالات الثقافية والسياسية فكنا نجد الآلاف من الطلبة الكرد في جامعات الدول الاشتراكية ، كما تعامل السوفييت بشكل لائق في الأعوام الأخيرة من تواجد الزعيم الراحل مصطفى بارزاني بموسكو وخاصة في عهد حكم الرئيس – خروتشيف – .

  اما الأحزاب الشيوعية في البلدان الأربعة نعم مواقفها العامة من القضية الكردية لم تكن مقبولة بل لم تكن مستندة الى المبادئ اللينينية ، ولكن على سبيل المثال كان للحزب الشيوعي العراقي موقف معلن منذ قيادة سلام عادل ، وجمال الحيدري ثم عزيز محمد مع حق تقرير المصير للشعب الكردي ، وشارك الشيوعييون في ثورة أيلول عبر قوة الأنصار ، ووقفوا ومازالو مع فيدرالية إقليم كردستان العراق ، خلاصة القول وحسب فهمي واطلاعي فان الحل الاشتراكي للمسألة القومية مازال الأمثل على الصعيد النظري في العالم اجمع .

   أجنحة اليسار القومي الديموقراطي في الحركة الكردية

  بحسب تجربتي فقد عاصرت منذ بداية ستينات القرن الماضي انبثاق عدة تيارات يسارية كردية في كل من سوريا ، وتركيا ، وايران ، اما في كردستان العراق فقد كان للحزب الديموقراطي الكردستاني تجربة خاصة حيث استوعب داخل صفوفة تيارات متعددة بينها التيار اليساري وتعود تلك الخصوصية الى دور الزعيم الراحل مصطفى بارزاني رئيس ذلك الحزب ، وهي تجربة جديرة بالدراسة .

  وكما أرى فان الاجنحة اليسارية الثلاث في سوريا وتركيا وايران ، ( البارتي الديموقراطي الكردي اليساري في سوريا )  – جناح الدكتور شفان بالحزب الديموقراطي الكردستاني – تركيا – جناح احمد توفيق في حزبي ديموقراطي كوردستاني ايران )  برزت كضرورة موضوعية ملحة للجم اندفاعة اليمين القومي نحو موالاة الأنظمة الحاكمة ، والتنازل عن الحقوق القومية ، وافراغ الحركة من الطاقات الثورية  ومن اجل دعم ثورة أيلول وقائدها الشرعي البارزاني ، ثم توسعت ، وحظيت بالتفاف جماهيري واسع .

  مايتعلق الامر بحزب العمال الكردستاني – ب ك ك – الذي ظهر مؤخرا بعد انبثاق الاجنحة السالفة الذكر بنحو عقدين فهناك إشكالية حول يساريته  إضافة انه  لم ينبثق من رحم الحركة القومية الكردية ، ومارس نفس مواقف اليمين في العمل مع الأنظمة الأربعة الحاكمة ، وبالتالي قد يدرج ضمن الاجنحة المغامرة العسكريتارية .

( البارتي اليساري – الاتحاد الشعبي ) في سوريا

    تجسد ظهور اليسار الكردي في سوريا ( ١٩٦٥ – ٢٠٠٣ ) ، وتحديدا من الكونفرانس الخامس– للحزب الديموقراطي الكردي – وكل ما أتناوله يقتصر على اليسار في ذلك التاريخ الذي كنت معاصرا ، وفاعلا ، اما المسميات ( اليسارية ) خارج ذلك التاريخ فليست ضمن اهتمامي في هذه العجالة ، انه ذلك اليسار الذي انتهج المواقف والسياسات التالية :

– الكرد السورييون شعب من السكان الأصليين يعيش على ارض الإباء والاجداد، تتوفر فيه العلائم القومية الخاصة به، ومن حقه تقرير مصيره السياسي والإداري في اطار سوريا الديموقراطية الموحدة.

– القضية الكردية جزء من القضية الديموقراطية للشعب السوري، ولن تحل قضيته الا بزوال الدكتاتورية .

الكرد بامس الحاجة الى تاطير نضالهم السلمي المدني في حركة سياسية ديموقراطية   

-على الحركة السياسية الكردية السورية نسج العلاقات النضالية مع القوى الديموقراطية على مستوى البلاد، والحركة الوطنية العربية، والحركة الثورية العالمية ..

تعميق العلاقات القومية خاصة مع ثورة أيلول في كردستان العراق وزعيمها مصطفى بارزاني.

صيانة الشخصية الوطنية الكردية السورية، واستقلالية القرار في جميع التحالفات ..

هذه البنود لم تكن مجرد شعارات، بل ضرورات وجودية وقومية ووطنية جرى العمل من اجل تحقيقها ليل نهار عبر النقاشات، والاعلام، ومنظمات الحزب في جميع المناطق، والمدن، بتماس مباشر مع الجمهور وخلال اكثر من أربعين عاما ، وأخيرا أقول  لم يكن اتخاذ مثل هذه المواقف المبدئية ، وتطبيقها على ارض الواقع بالامر السهل في ظل الأنظمة والحكومات الشوفينية الاستبدادية بل كانت له اثمانا باهظة من تضحيات ، وظروف صعبة  .

 

 

  

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

م. أحمد زيبار بعد الحرب العالمية الأولى، وما رافقها من تقسيم للمنطقة وتجزئة كردستان، أصبح جزء من الشعب الكردي ضمن الدولة السورية الحديثة، التي مضى على قيامها أكثر من قرن. ومع مرور السنوات، وبفعل سياسات التهميش والتمييز وغياب الإنصاف تجاه الكرد، تبلورت لديهم قضية قومية وحقوقية، وبدأت معها محاولات تنظيم الصفوف والدفاع عن حقوقهم المشروعة. وفي عام 1957،…

صلاح بدرالدين صدر عن دار نشر – نينوى – بدمشق الأجزاء الاحدى عشرة من مذكراتي تحت عنوان ” الحركة الوطنية الكردية السورية ” إضافة الى كتاب ” الكرد في الثورة السورية ” . وبهذا الإصدار الجديد ستبلغ مؤلفاتي – ٢٩ – كتابا منذ عام ١٩٧٤ وحتى الان أي في غضون خمسين عاما ، بمعدل كتاب كل عامين ، وفي مايلي…

نجاح هيفو لم يعد أخطر ما فعلته التكنولوجيا أنها قرّبت المسافات بين البشر، بل أنها جعلت حياة الإنسان نفسها قابلة للتحول إلى سلعة. قبل أيام، وجدت نفسي أمام مشهد من المشاهد التي تبدو في ظاهرها عابرة: اهتمام جماهيري واسع بقصة طلاق شوق، وما رافقها من تداول وتفاعل ومتابعة وتفاصيل شخصية. ليس المقصود هنا محاكمة شوق، ولا الدفاع عن طرف ضد…

حوران حم لم تعد أزمة الحركة الحزبية الكوردية في سوريا مجرد أزمة أحزاب متفرقة أو قيادات أخطأت في إدارة المرحلة، بل أصبحت أزمة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين الحزب والمجتمع، وبين المواطن والقائد، وبين القضية الكوردية والتنظيمات التي رفعت رايتها لعقود. فالحركة السياسية الكوردية نشأت في ظروف قاسية، وفي ظل إنكار للوجود والحقوق القومية للكورد، ولذلك كان الانتماء الحزبي بالنسبة…