حين يصبح الله رهينةً للسلطة.. الكرد بين لاهوت الإبادة وفلسفة العدالة

الكاتبة والشاعرة آخين ولات 

هناك جرحٌ في التاريخ لا يلتئم بمجرد مرور الزمن، لأن الجرح ليس في الجسد فقط، بل في الذاكرة والكرامة والوجود. قضية الشعب الكردي ليست مجرد قضية حدودٍ سياسيةٍ أو نزاعٍ على أرض، بل هي سؤالٌ أخلاقيٌ عميقٌ عن معنى الإنسان حين يُحرم من حقه في الحياة واللغة والهوية والأمان، وحين تتحول المقدسات إلى شعاراتٍ تُستخدم لتبرير القتل بدل أن تكون جسراً للرحمة والعدل.

من أكثر المفارقات قسوةً في التاريخ الحديث أن يُرفع اسم الله في اللحظة التي تُرتكب فيها الجرائم ضد الإنسان. فالله، في كل الأديان التي تدعو إلى الرحمة والعدالة، لا يحتاج إلى سيفٍ يذبح باسمه، ولا إلى إنسانٍ يُهان تحت رايته. لكن التاريخ شهد مراراً كيف حاولت قوىً سياسيةً وعسكرية أن تمنح عنفها غطاءً مقدساً، فتحول الشعار الديني من رسالةٍ أخلاقية إلى أداةٍ لإسكات الضمير.

لقد عاش الكرد صفحاتٍ مؤلمةً من هذا التاريخ. ومن أكثرها مأساويةً حملة الأنفال التي شنها نظام صدام حسين ضد الكرد عام 1988، والتي ارتبطت بقتل وتهجير آلاف المدنيين وتدمير مئات القرى، وكان من أبرز فصولها مأساة حلبجة بالأسلحة الكيميائية. وقد سُمّيت الحملة باسم سورةٍ من القرآن، في محاولةٍ لمنح فعلٍ سياسيٍ وعسكريٍ دموي غطاءً رمزياً ودينياً. هنا يظهر السؤال العميق الكبير: هل يمكن أن يصبح النص المقدس مسؤولاً عن جريمة الإنسان؟ أم أن الإنسان هو الذي يخون النص حين يحوّله إلى أداةٍ للهيمنة؟

إن المشكلة ليست في الدين، بل في اللحظة التي يتخلى فيها الإنسان عن جوهر الدين الأخلاقي، ويحتفظ فقط بقشرته الرمزية. فحين يصبح التكبير مقدمةً للقتل، وتصبح التلاوة غطاءً للإذلال، والاحتلال باسم الفتوحات كما فعلوا في مدينة عفرين، لا يعود الإنسان أمام إيمانٍ أو دينٍ، بل أمام استغلالٍ للدين. لأن الإيمان الحقيقي يُقاس بما يمنحه للإنسان من كرامةٍ، لا بما يمنحه للمعتدي من مبررات.

ولا يمكن فهم مأساة الكرد دون التوقف عند ما تعرض له الكرد الإيزيديون من جرائم إبادةٍ متكررة عبر التاريخ، والتي عُرفت في الذاكرة الكردية بـ”الفرمانات”، وكل فرمانٍ منها بمثابة ترخيصٍ فعليٍ لارتكاب القتل الجماعي والتهجير القسري ومحاولة محو الهوية الدينية والثقافية لأقدم شعبٍ وديانةٍ على وجه الأرض. وقد تجدّدت هذه المأساة بأبشع صورها في عام 2014 على يد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، الذي ارتكب إبادةً جماعيةً بحق الإيزيديين في شنكال “سنجار” شملت القتل والسبي والاختطاف وتدمير القرى، لتبقى شاهداً جديداً على استمرار العنف حين يُترك الفاعل بلا مساءلة.

وفي عفرين، بعد عام 2018، عاش السكان الكرد واقعاً مليئاً بالانتهاكات التي وثقتها منظمات حقوقية دولية، من تهجيرٍ قسريٍ، واعتقالاتٍ، ونهب للممتلكات، وانتهاكات بحق المدنيين. إن مأساة عفرين ليست فقط مأساة أرضٍ محتلة، بل مأساة إنسانٍ يشعر بأن هويته نفسها أصبحت هدفاً للعقاب. وعندما تُستخدم الرموز الدينية لتبرير انتهاك حقوق المدنيين، فإن الخطر لا يقع فقط على الضحايا، بل أيضاً على صورة الدين في وجدان الناس.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمعٍ هو أن يصبح نقد الجريمة جريمةً بحد ذاته. فحين يُعاقب الضحية لأنه تحدث عن ألمه، وحين يُتهم من يفضح الانتهاكات بأنه يسيء إلى المقدسات، يحدث انقلابٌ أخلاقيٌ خطير: يصبح القاتل محمياً بالشعار والمقدس، ويصبح المظلوم مطالباً بالصمت.

إن قضية القس نهاد حسن، وما أثارته من نقاشٍ حول حدود حرية التعبير، تكشف عن سؤالٍ أوسع: هل الدفاع عن كرامة الإنسان وإدانة العنف يُعد إساءةً للدين؟ أم أن السكوت عن الظلم هو الإساءة الحقيقية للقيم الدينية والإنسانية؟ إن الإنسان الذي يرفض أن يُقتل أو يُهان باسم الله لا يحارب الدين ولا يهين الذات الإلهية، بل يحاول إنقاذ الإيمان من أيدي المنافقين الذين يستخدمونه لتبرير الإجرام و القسوة.

لقد عانى الكرد طويلاً من سياسة تحويلهم إلى ضحايا صامتين. مرةً باسم القومية، ومرةً باسم الأمن، ومرةً باسم الدين. لكن التاريخ يثبت أن الشعوب لا تموت حين تُقمع فقط، بل حين يُطلب منها أن تنكر ألمها. والعدالة تبدأ عندما يصبح الاعتراف بالظلم ممكناً، وعندما يُحاسب مرتكب الجريمة أياً كان شعاره أو هويته.

وأخيراً السؤال الذي يبقى مفتوحاً أمام الضمير الإنساني هو: إلى متى يستطيع الإنسان أن يرفع اسم الله بيدٍ، ويحمل أداة القتل باليد الأخرى؟ 

إلى متى يُطلب من الضحايا أن يثبتوا براءتهم، بينما يُمنح المعتدي حق الاختباء خلف الشعارات؟

إن تحرير اسم الله من العنف هو مسؤوليةٌ أخلاقية مشتركة. فالله لا يحتاج إلى من يدافع عنه بقتل البشر، والقرآن لا يحتاج إلى من يثبته بإذلال الإنسان. المقدسات الحقيقية لا تُقاس بعدد الذين يخافون منها، بل بعدد الذين يصبحون أكثر رحمةً وعدلاً وحريةً بسببها.

أما الكرد، فإن قضيتهم ستبقى سؤالاً مفتوحاً في وجه العالم: هل ستنتصر العدالة على منطق القوة؟ وهل سيأتي يومٌ تصبح فيه حياة الإنسان مقدسةً قبل كل رايةٍ، وقبل كل شعارٍ، وقبل كل تفسيرٍ يُستخدم لتبرير الظلم؟

حين يُقتل الإنسان باسم الله، فإن أول ما يُقتل ليس الجسد فقط، بل المعنى الأخلاقي للدين وللإيمان نفسه.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالحمید زیباري – اربيل مرة أخرى، يجد الموظف العراقي نفسه رهينةً لمعادلات جغرافية وسياسية لا يملك حيالها شيئاً؛ فبين ليلة وضحاها، تحول إغلاق مضيق هرمز وتقييد حركته من مجرد خبر في النشرات الدولية إلى كابوس يهدد المائدة اليومية لملايين العراقيين. لقد أسقطت هذه الأزمة الجيوسياسية ورقة التوت الأخيرة عن عورة الاقتصاد العراقي، كاشفةً عن هشاشة مرعبة في بنية دولة تعتمد…

مصطفى عبد الوهاب العيسى   لم تعد مكافحة خطاب الكراهية والتحريض وبث الفتنة واجباً أخلاقياً يقتصرعلى المثقفين والمتنورين والوطنيين في سوريا ، بل غدت اليوم إحدى أهم الركائز لتحقيق العدالة بمفهومها العام والشامل ، وأصبحت مسؤولية وطنية وقانونية مشتركة بين السلطات من جهة ، والشعب من جهة أخرى . فالسلطات مطالبة باتخاذ جميع التدابير اللازمة ، وتفعيل ما أمكن من…

صلاح بدرالدين يستوجب الرد على من يدعي : ( ان التناقض بين الفكر القومي الكردي التحرري ( الكردايتي ) وبين التيار اليساري والشيوعي الكردي احد اعمق الشروخ البنيوية التي اصابت جسد القضية الكردية طوال القرن الماضي وحتى يومنا هذا ….وان هذه الشريحة الآيديولوجية شكلت تاريخيا وعبر أدوات ناعمة وخشنة كابحا حقيقيا وعائقا وجوديا امام تحقيق الطموح القومي الاسمى المتمثل في…

ماجد ع محمد   “سَتُبدي لَكَ الأَيّامُ ما كُنتَ جاهِلاً وَيَأتيكَ بِالأَخبارِ مَن لَم تُزَوِّدِ”. طرفة بن العبد   يشير المفكر الأمريكي ريتشار نيد ليبو في كتابه “لماذ تتحارب الأمم” إلى أن هنالك أربعة دوافع أساسية للحروب والنزاعات المسلحة بين الأمم، وهي: الخوف من العدو، أي الخشية من الآخر الذي قد يظن الخصم المفترض بأنه يشكل الخطر الأعظم عليه، لذا…