حين يصمت الكورد… يتكلم الآخرون باسم تاريخهم وجغرافيتهم

عبد الرحمن حبش

في السياسة، لا يكفي أن تكون صاحب الحق، بل يجب أن تمتلك القدرة على الدفاع عنه. والأمم التي لا تحمي تاريخها، سيكتب الآخرون تاريخها، والأمم التي لا تدافع عن جغرافيتها، سيعيد الآخرون رسم خرائطها وفق مصالحهم.

اليوم، نشهد كيف تتسابق دول المنطقة، من تركيا وإيران إلى سوريا والعراق، لتقديم روايتها الخاصة حول المدن والمناطق الكوردية التاريخية . فمن خلال المناهج الدراسية، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الأكاديمية، والخطاب السياسي الرسمي، تطرح هذه المدن على أنها جزء من التاريخ القومي لتلك الدول، بينما يتم تهميش أو إنكار هويتها الكوردية.

وفي المقابل، يبرز سؤال مشروع أين القوى السياسية الكوردية؟ ولماذا تبدو عاجزة عن خوض معركة الدفاع عن التاريخ والجغرافيا الكوردية؟

إن الدفاع عن القضية الكوردية لا يقتصر على المطالبة بالحقوق السياسية أو المشاركة في السلطة، بل يبدأ بحماية الهوية الوطنية، وتوثيق التاريخ، وإثبات الحقائق أمام الرأي العام الإقليمي والدولي. فالتاريخ ليس مجرد سرد للماضي، بل هو أحد أهم أدوات الصراع السياسي في الحاضر.

للأسف، ما زالت الخلافات الحزبية والانقسامات الداخلية تستهلك جزءا كبيرا من طاقات الحركة السياسية الكوردية، بينما تستثمر الدول الأخرى إمكاناتها في إنتاج الرواية التاريخية التي تخدم مصالحها. وهكذا، تتحول الأكاذيب مع مرور الزمن إلى حقائق في نظر الأجيال الجديدة إذا لم تجد من يفندها بالوثائق والأدلة.

إن المطلوب اليوم ليس إصدار بيانات استنكار، بل إطلاق مشروع قومي متكامل يضم مؤرخين وباحثين وإعلاميين وقانونيين، يعمل على توثيق التاريخ الكوردي، وترجمة الدراسات إلى اللغات العالمية، والدفاع عن الأسماء التاريخية للمدن والبلدات الكوردية، ومواجهة أي محاولة لتزوير الحقائق بالبحث العلمي والخطاب الرصين.

إن معركة الهوية لا تقل أهمية عن معركة السياسة، ومعركة الذاكرة لا تقل خطورة عن معركة الأرض. فالشعب الذي يفقد روايته التاريخية، يصبح أكثر عرضة لفقدان حقوقه السياسية في المستقبل.

لقد آن الأوان لأن تدرك القوى السياسية الكوردية أن الدفاع عن الجغرافيا والتاريخ ليس مهمة المؤرخين وحدهم، بل هو مسؤولية وطنية تقع على عاتق الأحزاب، والمؤسسات الثقافية، والإعلام، والنخب الفكرية. فالأوطان لا تحمى بالسلاح وحده، وإنما تحمى أيضا بالكلمة، والوثيقة، والوعي، والعمل المنظم.

فهل تمتلك الحركة السياسية الكوردية اليوم الإرادة للانتقال من ردود الفعل إلى صناعة رواية وطنية قوية تحفظ التاريخ والجغرافيا للأجيال القادمة؟ أم سيبقى الآخرون يكتبون تاريخ الكورد، بينما يكتفي الكورد بقراءته بعد فوات الأوان؟

 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كدو ظلت أحزاب الحركة الوطنية الكردية السورية، طوال المراحل السابقة، خارج أي حوار أو تفاوض حقيقي مع الحكومات السورية المتعاقبة، بسبب رفضها الاعتراف بالحركة الكردية طرفا سياسيا مشروعا، انطلاقا من سياساتها التي اتسمت بالتمييز القومي تجاه الكرد وغيرهم من القوميات غير العربية، وكذلك بسبب عجز الحركة الكردية عن توفير الضغط السياسي والجماهيري الكافي لجر تلك الحكومات إلى طاولة الحوار…

محمود أوسو منذ سنوات، يقف إقليم كردستان في قلب صراعات إقليمية ومحلية متشابكة. فمن القصف الإيراني، إلى العمليات العسكرية التركية، مرورا بالأزمات مع بغداد، وصولا إلى الانقسامات الكردية الداخلية، يبدو الإقليم وكأنه يدفع ثمن موقعه الجغرافي وتجربته السياسية في آنٍ واحد. يبقى السؤال: هل المشكلة في إقليم كردستان نفسه، أم أن نجاحه النسبي مقارنة ببقية العراق جعله هدفا لتقاطعات المصالح…

حسن قاسم ليس من المعقول أن تبقى منظمات المجتمع المدني الكوردية ونشطاؤها على هامش الحياة العامة، بينما تمر القضية الكوردية في سوريا بواحدة من أكثر مراحلها تعقيداً. فالتحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها شعبنا تتطلب إشراك جميع الطاقات الوطنية، لا حصر القرار في إطار سياسي ضيق. يبدو أن بعض قيادات الحركة السياسية الكوردية ما زالت تقلل من أهمية المجتمع المدني،…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* الوضع الراهن بالتزامن مع تقدم مشروع إسقاط نظام الملالي داخل الحدود الإيرانية على يد الشعب والمقاومة الإيرانية ونشاط وحدات المقاومة في جميع مدن الوطن، يستمر هذا المشروع بشكل آخر خارج الحدود الإيرانية. إن فضح الإرهاب الواسع وإثارة الحروب من قبل النظام الإيراني، والكشف المتزايد عن فساد المسؤولين التابعين لإيران في بلد مثل العراق، والتصريحات العدائية للمسؤولين الحاليين…