حسن قاسم
ليس من المعقول أن تبقى منظمات المجتمع المدني الكوردية ونشطاؤها على هامش الحياة العامة، بينما تمر القضية الكوردية في سوريا بواحدة من أكثر مراحلها تعقيداً. فالتحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها شعبنا تتطلب إشراك جميع الطاقات الوطنية، لا حصر القرار في إطار سياسي ضيق.
يبدو أن بعض قيادات الحركة السياسية الكوردية ما زالت تقلل من أهمية المجتمع المدني، سواء عن قصد أو نتيجة لعدم إدراك الدور الذي تؤديه هذه المنظمات في أوقات السلم والحرب. وفي الدول الديمقراطية، لم يعد المجتمع المدني مجرد جهة تقدم خدمات إنسانية، بل أصبح شريكاً أساسياً في صنع السياسات، ومراقبة الأداء العام، والدفاع عن حقوق المواطنين، وتعزيز السلم الأهلي.
في قوى المجتمع المدني الكوردستاني لم نطرح أنفسنا يوماً بديلاً عن الحركة السياسية، ولا منافساً لها، بل نؤمن بأن دورنا تكميلي، يرفد العمل السياسي بالخبرة المجتمعية ويعزز صلته بالناس. فنجاح أي مشروع قومي لا يتحقق إلا بتكامل الأدوار بين القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والنخب الثقافية والأكاديمية.
لقد تحملت الحركة السياسية الكوردية المسؤولية الأساسية عن إدارة الشأن العام خلال السنوات الماضية، ومن الطبيعي أن تتحمل أيضاً مسؤولية تقييم ما آلت إليه الأوضاع من تراجع سياسي، وأزمات اقتصادية، وضعف في الخدمات، وتزايد معاناة المواطنين. إن النقد هنا ليس بهدف تحميل طرف واحد كل الإخفاقات، وإنما بهدف فتح الباب أمام مراجعة جادة تعيد تصويب المسار.
وخلال سنوات الثورة السورية، لم يقف المجتمع المدني الكوردي موقف المتفرج، بل كان حاضراً في ميادين الإغاثة، ومساندة الأسر المحتاجة، والعمل الإنساني، كما انفتح على منظمات المجتمع المدني الإقليمية والدولية، وتواصل مع البعثات الدبلوماسية، وساهم في نقل مطالب الشعب الكوردي والدفاع عن قيم السلم الأهلي والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان.
إننا نعتبر أنفسنا الجناح المجتمعي للمشروع القومي الكوردستاني، ونلتزم بالثوابت القومية لشعبنا، ونعمل من أجل ترسيخ ثقافة الحوار، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وتوحيد الخطاب الكوردي بعيداً عن الانقسامات والمصالح الضيقة.
لقد أثبتت التجارب في الدول المتقدمة أن قوة المجتمع المدني هي أحد أهم عوامل الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فالدول التي تحترم مؤسساتها المدنية وتستفيد من خبراتها تكون أكثر قدرة على إدارة الأزمات، وبناء الثقة بين المجتمع والسلطة، وتحقيق التنمية المستدامة.
إن المرحلة الراهنة تتطلب إعادة النظر في العلاقة بين الحركة السياسية الكوردية ومنظمات المجتمع المدني، والانتقال من سياسة التهميش إلى الشراكة الحقيقية. فالقضية الكوردية أكبر من أن يحتكرها طرف واحد، ومستقبل شعبنا يحتاج إلى جميع أبنائه ومؤسساته.
سنبقى إلى جانب شعبنا، ندافع عن مطالبه المشروعة، ونبذل كل ما نستطيع من جهد وإمكانات من أجل وحدة الخطاب السياسي والموقف الكوردي، لأننا نؤمن بأن الشراكة، لا الإقصاء، هي الطريق الأقصر لبناء مستقبل أكثر استقراراً وعدالة.