اكرم حسين
في السابع من تشرين الأول من كل عام، تستحضر الذاكرة السورية ذكرى اغتيال المناضل مشعل التمو، أحد أبرز الأصوات التي دفعت حياتها ثمناً لإيمانها العميق بسوريا الحرية والكرامة ، وبعد اكثر من أربعة عشر عاماً على رحيله، لم تعد استعادته مجرد وفاء لذكرى شخصية وطنية، بل أصبحت ضرورة فكرية وسياسية تفرضها التحولات العاصفة التي تشهدها البلاد، وما رافقها من اضطراب في الرؤية، وتراجع في الخطاب الوطني الجامع، وانحسار للقيم التي ناضل من أجلها.
لم يكن مشعل تمو سياسياً تقليدياً، ولا زعيماً حزبياً أسير الحسابات الضيقة، بل كان صاحب مشروع يتجاوز حدود التنظيمات والانتماءات المغلقة. آمن منذ وقت مبكر بأن القضية الكردية ليست قضية فئة أو مكون ، وإنما جزء أصيل من القضية السورية، وأن الاعتراف بالحقوق القومية الكردية لا يتناقض مع وحدة البلاد، بل يشكّل أحد شروط استقرارها وبناء عقدها الوطني الجديد. لذلك كان يرى أن الحرية قيمة لا تتجزأ، وأن الدفاع عن حقوق الكرد هو في جوهره دفاع عن حق جميع السوريين في المواطنة والعدالة والديمقراطية.
تميّز التمو بقدرته على الجمع بين الانتماء القومي والانفتاح الوطني، وبين الثبات على المبادئ والمرونة في مقاربة الواقع. لم يقع في أسر الخطابات الشعبوية، ولم ينجرف نحو دعوات العنف أو الكراهية، بل اختار طريق النضال السلمي، مؤمناً بأن بناء الأوطان يبدأ ببناء الوعي، وأن التغيير الحقيقي لا تصنعه البنادق وحدها، بل أيضاً الأفكار الحرة والضمائر الحية والإرادة الشعبية.
امتلك التمّو حساً نقدياً نادراً، جعله ينظر إلى السياسة باعتبارها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون صراعاً على السلطة. لذلك لم يكن أسير الاصطفافات، ولم يتردد في مراجعة المواقف أو نقد الأخطاء، سواء صدرت عن خصومه أو عن شركائه. ومن هنا اكتسب حضوره فرادته؛ إذ استطاع أن يقدّم نموذجاً للمناضل الذي يوازن بين الواقعية السياسية والالتزام بالمبادئ، دون أن يفرّط بأي منهما.
غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن المشروع الذي حمله لم يجد من يحافظ عليه بعد رحيله. فما إن غاب الرجل حتى تفرقت الدروب التي كان يسعى إلى توحيدها، وتنازع كثير ممن رفعوا اسمه على خلافات صغيرة ومصالح متعارضة، حتى بدا وكأنهم ابتعدوا عن جوهر أفكاره أكثر مما اقتربوا منها ، وتحوّل الإرث الذي أراده مساحة للحوار والشراكة إلى مادة للاستقطاب والانقسام، فضاعت البوصلة التي ظل يدافع عنها حتى لحظاته الأخيرة.
ولعل أخطر ما أصاب هذا الإرث أنه تعرض للاختزال. فقد جرى استحضار مشعل التمو بوصفه رمزاً عاطفياً أكثر منه مشروعاً فكرياً، بينما بقيت أفكاره النقدية ورؤيته الوطنية خارج دائرة المراجعة الجدية ، وهكذا تحولت ذكراه، في كثير من الأحيان، إلى مناسبة للاحتفاء بالشخص، لا لإحياء القيم التي استشهد من أجلها.
إن استعادة مشعل التمو لا تعني إعادة إنتاج الماضي أو الوقوف عند حدود الحنين، وإنما تعني إعادة الاعتبار لمنهجه في التفكير والعمل. إنها دعوة إلى مراجعة التجربة السياسية الكردية والسورية بعين ناقدة، وإلى التحرر من العصبيات الحزبية، واستعادة الإيمان بأن السياسة ليست إدارة للخلافات فحسب، بل بناء لمساحات التوافق وصناعة للأمل المشترك.
إنها أيضاً دعوة لاستعادة صورة المناضل الذي ينتمي إلى شعبه دون أن ينغلق عليه، ويتمسك بحقوق قومه دون أن يعادي شركاءه في الوطن، ويؤمن بأن الديمقراطية لا تُبنى بالإقصاء، بل بالاعتراف المتبادل، وأن قوة أي مشروع سياسي تُقاس بقدرته على احتضان التنوع لا بإلغائه.
في الذكرى الخامسة عشرة لاغتياله، يبدو السؤال الذي تركه مشعل التمو أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: هل بقي من مشروعه ما يستحق أن يُبنى عليه، أم أننا اكتفينا بتخليد صورته وتركنا أفكاره تتآكل في زحام الصراعات؟
لقد اغتيل الجسد، لكن الفكرة لم تُغتل ، وما دام السوريون يبحثون عن دولة تقوم على المواطنة والعدالة والتعددية، فإن مشروع مشعل تمو سيظل حاضراً بوصفه أحد أكثر المشاريع الوطنية قدرة على مخاطبة المستقبل. أما الوفاء الحقيقي له، فلا يكون بإحياء ذكراه مرة كل عام، بل بإحياء روحه النقدية، وشجاعته الأخلاقية، وإيمانه العميق بأن سوريا لا يمكن أن تنهض إلا بجميع أبنائها، وأن الوطن الذي يتسع للجميع هو وحده الوطن القادر على البقاء.