الحركة الكوردية في سوريا: حين تتحول الأحزاب إلى غاية وتضيع القضية

د. عدنان بوزان

على امتداد أكثر من ستة عقود، راكمت الحركة السياسية الكوردية في سوريا تجربةً طويلةً من النضال في مواجهة سياسات الإقصاء والحرمان، ودفع آلاف المناضلين أثماناً باهظة من الاعتقال والملاحقة والمنفى دفاعاً عن حقوق شعبهم. غير أن التاريخ النضالي، مهما بلغت أهميته، لا يكفي وحده لبناء مشروع سياسي قادر على مواجهة تحديات الحاضر. فالتاريخ يمنح الشرعية الأخلاقية لكنه لا يمنح تلقائياً الكفاءة السياسية ولا يعفي القيادات من مسؤولية التجديد والمراجعة والمحاسبة.

واليوم، تبدو الحركة الكوردية السورية أمام واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً، ليس بسبب الضغوط الخارجية وحدها، بل نتيجة أزمات داخلية تراكمت على مدى سنوات طويلة حتى أصبحت جزءاً من بنيتها السياسية والتنظيمية. فالمشكلة لم تعد مجرد خلافات بين قيادات أو انقسامات تنظيمية عابرة، بل تحولت إلى أزمة عميقة في الثقافة السياسية ذاتها، وفي فهم العمل الحزبي، وإدارة المؤسسات، وآليات صناعة القرار.

لقد اعتادت الأحزاب الكوردية تفسير كل انشقاق على أنه نتيجة خلاف شخصي أو مؤامرة خارجية، بينما الحقيقة أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. فالانشقاقات المتكررة ليست سبب الأزمة، وإنما هي أحد أعراضها. أما المرض الحقيقي، فيكمن في غياب المؤسسات، وضعف الديمقراطية الداخلية، واستمرار عقلية الزعامة التاريخية التي تجعل الحزب مرتبطاً بالأشخاص أكثر من ارتباطه بالأفكار والبرامج.

إن الحزب السياسي، في التجارب الديمقراطية الحديثة، ليس ملكاً لمؤسسه، ولا امتداداً لتاريخه الشخصي، بل هو مؤسسة تتجدد باستمرار عبر الانتخابات، والمحاسبة، وتداول المسؤوليات. أما حين تتحول القيادة إلى موقع دائم، وتصبح الشرعية مستمدة من الماضي أكثر من استنادها إلى الإنجاز الراهن، فإن الحزب يدخل تدريجياً في حالة من الجمود، ويتحول الدفاع عن القيادة إلى غاية بحد ذاته، بينما تتراجع القضية التي أُنشئ الحزب من أجلها.

ولعل أخطر ما أصاب الحركة السياسية الكوردية في سوريا هو الخلط بين احترام التاريخ وتقديس الأشخاص. فمن الطبيعي أن يحترم الرعيل الأول تقديراً لدوره في الحفاظ على الهوية الكوردية في أصعب المراحل، لكن من غير الطبيعي أن يتحول هذا التاريخ إلى حصانة سياسية تمنع النقد، أو تعيق التغيير، أو تحول دون تداول القيادة. فكل مشروع سياسي يفقد قدرته على تجديد نخبته، يفقد تدريجياً قدرته على تجديد أفكاره أيضاً.

كما ظلت الحياة الحزبية الكوردية، في كثير من الأحيان، أسيرة العلاقات الشخصية أكثر من اعتمادها على البناء المؤسساتي. فالقرارات الكبرى كثيراً ما تصنع داخل دوائر ضيقة، بينما تتحول الهيئات التنظيمية إلى أدوات للمصادقة لا للمناقشة، وتصبح المؤتمرات مناسبات شكلية لإعادة إنتاج القيادة نفسها، بدلاً من أن تكون فرصة لتقييم الأداء، وتصحيح المسار، وتجديد الرؤى.

ومن نتائج هذا الواقع أن الخلافات الفكرية أصبحت نادرة، في حين تكاثرت الخلافات الشخصية والتنظيمية. فلم تعد الانقسامات تدور حول رؤى مختلفة لمستقبل القضية الكوردية، أو حول برامج اقتصادية واجتماعية وسياسية متباينة، بل أصبحت تتمحور حول مواقع النفوذ، وآليات توزيع المسؤوليات، والعلاقات مع القوى الإقليمية والدولية. وهكذا أصبح الحزب نفسه ساحةً للصراع، بينما غابت النقاشات الجادة حول المشروع الوطني الكوردي ومستقبله.

وفي المقابل، فإن كثيراً من المنشقين لم يقدموا نموذجاً سياسياً مختلفاً. فبدلاً من إنتاج مشاريع سياسية جديدة، جرى في الغالب تكرار النموذج ذاته بأسماء مختلفة. حزب جديد، وهيكل تنظيمي جديد، وشعارات جديدة، لكن بالعقلية نفسها، وبالأساليب ذاتها، وبالثقافة التنظيمية نفسها. لذلك، بقيت الانقسامات تضاعف عدد الأحزاب، لكنها لم تضاعف جودة العمل السياسي، ولم تقدم حلولاً حقيقية للأزمات المزمنة.

إن الأزمة لا تتعلق بكثرة الأحزاب في حد ذاتها، فالتعددية ظاهرة صحية في أي مجتمع ديمقراطي، وإنما تكمن المشكلة في أن معظم هذه الأحزاب تكاد تكون متطابقة في خطابها، وبنيتها التنظيمية، وآليات عملها، حتى أصبح من الصعب على المواطن الكوردي أن يميز بينها من خلال برامجها السياسية، بينما يسهل عليه التمييز بينها من خلال أسماء قياداتها فقط.

ومن جهة أخرى، لم تستطع الأحزاب الكوردية السورية أن تنتقل من عقلية المعارضة التقليدية إلى عقلية بناء المؤسسات العامة. فالسياسة الحديثة لا تقوم فقط على إصدار البيانات أو عقد الاجتماعات، وإنما تقوم على إنتاج السياسات العامة، وإعداد الدراسات، وتأهيل الكوادر، وتطوير الإدارة، وبناء الاقتصاد، وصياغة رؤى استراتيجية للمستقبل. إلا أن هذه المجالات ظلت، إلى حد بعيد، غائبة أو ضعيفة، وهو ما جعل الأداء السياسي أقل بكثير من حجم التحديات التي واجهها المجتمع الكوردي خلال السنوات الأخيرة.

كما أخفقت الحركة السياسية الكوردية في إنتاج مدرسة سياسية قادرة على إعداد جيل جديد من القيادات. فبدلاً من الاستثمار في الطاقات الشابة والكفاءات العلمية، بقيت المواقع القيادية محصورة في أسماء تتكرر منذ عقود، بينما هاجر كثير من أصحاب الكفاءات، أو ابتعدوا عن العمل الحزبي نتيجة الإحباط، وفقدان الثقة بإمكانية الإصلاح الداخلي.

ولم يعد بالإمكان تجاهل حقيقة أن الشعب الكوردي نفسه قد تغير بصورة كبيرة، بينما بقيت معظم الأحزاب أسيرة أدوات عمل تعود إلى القرن الماضي. فجيل الإنترنت، والتعليم الجامعي، والانفتاح على العالم، والتجارب الديمقراطية الحديثة، كلها أسهمت في تشكيل مجتمع أكثر وعياً، وأكثر مطالبة بالشفافية والمساءلة والمحاسبة، في حين لا تزال بعض القيادات تتعامل مع السياسة بمنطق السرية، والتنظيم المغلق، والولاء الشخصي.

إن القضية الكوردية في سوريا تستحق أكثر من مجرد إدارة الأزمات اليومية؛ فهي بحاجة إلى مشروع وطني حديث، يوازن بين الدفاع عن الحقوق القومية والانخراط في بناء سوريا لجميع مواطنيها، ويجمع بين الهوية الكوردية وقيم الدولة المدنية، وسيادة القانون، وبناء المؤسسات.

وإذا أرادت الحركة السياسية الكوردية استعادة ثقة جمهورها، فإن البداية لا تكون بتبادل الاتهامات أو تحميل المسؤولية لهذا الحزب أو ذاك، وإنما بإجراء مراجعة شاملة، وجريئة، وصادقة، تعترف بالأخطاء قبل البحث عن المبررات. فالإصلاح الحقيقي يبدأ حين تدرك الأحزاب أن بقاءها ليس هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لخدمة المجتمع، وأن القيادة تكليف وليست امتيازاً، وأن الشرعية تكتسب بالإنجاز المتجدد، لا بمجرد استحضار الماضي.

لقد أثبتت التجارب السياسية في العالم أن الأحزاب التي لا تتغير يغيرها الزمن، وأن الأحزاب التي لا تجدد مؤسساتها تتآكل من الداخل، وأن التنظيمات التي تجعل من الأشخاص محوراً للعمل السياسي تنتهي بانتهاء تأثير أولئك الأشخاص. أما الأحزاب التي تبني المؤسسات، وتحترم تداول القيادة، وتؤمن بالنقد والمساءلة والمحاسبة، فهي وحدها القادرة على الاستمرار ومواكبة التحولات التاريخية.

إن مستقبل الكورد في سوريا لن تصنعه كثرة الأحزاب، ولا تعدد البيانات، ولا استمرار الانقسامات، بل ستصنعه رؤية سياسية جديدة تتجاوز إرث الصراعات الشخصية، وتعيد الاعتبار للمؤسسة، وللفكر، وللكفاءة، وللديمقراطية الداخلية. فالقضايا الكبرى لا تنتصر بالأسماء، وإنما تنتصر حين تمتلك مؤسسات قوية، وقيادات متجددة، ومشروعاً سياسياً يسبق الأشخاص، ويستمر بعدهم، ويجعل من القضية الوطنية غايته الأولى، لا مجرد وسيلة للحفاظ على النفوذ أو البقاء في مواقع القيادة.

 

شارك المقال :

1 1 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسين امين   لسنا بصدد إنكار تاريخ الأحزاب الكردية، ولا التنكر لتضحيات آلاف المناضلين الذين اعتُقلوا، وفُصلوا من وظائفهم، وحُرموا من التعليم والعمل، وعاشوا سنوات من الملاحقة الأمنية والفقر، ودفعوا مع عائلاتهم أثمانًا باهظة دفاعًا عن القضية الكردية. هؤلاء هم الرصيد الحقيقي، وهم من يستحقون الوفاء والاحترام. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأحزاب إلى ملكيات خاصة، وتبقى القيادات نفسها لعقود،…

منتدى الكلمة الحرة ليس مجرد مكان للقاء، بل مساحة للحوار والثقافة والفكر الحر، ومنبر يجمع الكتّاب والمثقفين والباحثين وكل المؤمنين بقيم المعرفة والتعايش. ومنذ انطلاقته، سعى المنتدى إلى تنظيم الندوات الثقافية، وإطلاق المبادرات الفكرية، ودعم الإبداع، وفتح أبوابه أمام جميع الآراء في إطار الاحترام والمسؤولية. ولكي يتمكن المنتدى من الاستمرار في أداء رسالته وتطوير أنشطته، فإنه يتوجه إلى جميع الأصدقاء…

اسمی دلشان ابنة‌ الشهید شیخ حنان شیخ حسن من آل شيخ نعسان من منطقة عفرين قرية آفراز في مثل هذا اليوم أقدم الـ ب ي د بإشراف الرائد أكرم على مداهمة منزلنا عندما داهموا المنزل كنت و أخي نورالدين و أبي وأمي في الطابق الأرضي و أخي عبدالرحمن وزوجته في الطابق العلوي في المنزل كان والدَي نائمَين بينما أنا وأخي…

كاميران حاج عبدو ما يمر به حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا منذ عام ٢٠١١ يستحق مراجعة جادة ومسؤولة، تنطلق من الحرص على مستقبل الحزب وتاريخه النضالي، بعيداً عن لغة التخوين أو التجريح. فالأحزاب القوية لا تُقاس بخلوها من الأزمات، وإنما بقدرتها على إدارة الخلافات وتحويلها إلى فرصة للإصلاح والتجديد. لا شك أن السنوات الماضية شهدت تباينات سياسية وتنظيمية تركت…