كاميران حاج عبدو
ما يمر به حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا منذ عام ٢٠١١ يستحق مراجعة جادة ومسؤولة، تنطلق من الحرص على مستقبل الحزب وتاريخه النضالي، بعيداً عن لغة التخوين أو التجريح. فالأحزاب القوية لا تُقاس بخلوها من الأزمات، وإنما بقدرتها على إدارة الخلافات وتحويلها إلى فرصة للإصلاح والتجديد.
لا شك أن السنوات الماضية شهدت تباينات سياسية وتنظيمية تركت آثاراً واضحة على الحزب، إلا أن العامل الأكثر تأثيراً ربما كان غياب الحوار الجاد مع الرفاق الذين انسحبوا تباعاً خلال هذه السنوات. فالمتأمل في بيانات انسحابهم يلاحظ أنها، رغم اختلاف توقيتها، تكاد تجمع على الأسباب ذاتها، وهو ما يستدعي الوقوف عندها بجدية ومسؤولية، لا التعامل معها كحالات فردية معزولة. وكان من الممكن أن تفتح مبادرات الوساطة والحوار الصريح آفاقاً للحل وتقريب وجهات النظر، لو حظيت بالاهتمام والإرادة اللازمين.
ومن المؤسف أن تتحول الخلافات بين الرفاق إلى سجالات شخصية أو عبارات لا تنسجم مع تاريخ الحزب وقيمه. فالمنسحبون، مهما اختلفت الآراء معهم، هم رفاق كانوا جزءاً من مسيرة الحزب، وأسهموا في نضاله، وحازوا في مراحل مختلفة ثقة قواعده، وهو ما يفرض أن يبقى الاحترام المتبادل أساساً لأي اختلاف.
واليوم، تبدو الحاجة ملحة إلى مبادرة شجاعة تعيد بناء الثقة، عبر تشكيل لجنة من الهيئة القيادية تتولى فتح حوار مسؤول مع الرفاق المنسحبين، والاستماع إلى رؤيتهم، والبحث عن حلول تعالج الأسباب التي أدت إلى تكرار حالات الانسحاب، بما يحفظ وحدة الحزب ويعزز حضوره السياسي والتنظيمي.
ولكي تكتمل خطوات المعالجة، فإن من المناسب أن يُتوَّج الحوار، في حال نجاحه، بعقد مؤتمر استثنائي يضم جميع الرفاق، بمن فيهم المستنكفون والمنسحبون، ليكون نقطة انطلاق لمرحلة جديدة تعيد بناء الثقة، وترسخ وحدة الحزب على أسس تنظيمية وسياسية متفق عليها، وتمنح الجميع فرصة للمشاركة في رسم مستقبل الحزب.
إن الحفاظ على حزب الوحدة يجب أن يكون الهدف الذي يسمو على جميع الاعتبارات لدى جميع رفاقه، سواء من هم داخل الحزب أو الذين انسحبوا منه، لأن ما يجمعهم من تاريخ ونضال ومسؤولية تجاه الحزب أكبر من أي خلاف وهذا يتطلب العودة إلى روح العمل المؤسساتي، وترسيخ القيادة الجماعية، والالتزام الحقيقي والصادق، قولاً وفعلاً، بالمنهاج الذي يجمع الرفاق، وتقديم مصلحة الحزب فوق أي مصلحة أخرى.
وإذا خلص الحوار الصادق إلى أن معالجة الأزمة تتطلب خطوات تنظيمية أو تغييرات في المسؤوليات القيادية، فلا ينبغي النظر إلى ذلك بوصفه انتصاراً لأحد أو هزيمة لآخر، بل باعتباره ممارسة تنظيمية طبيعية تفرضها مصلحة الحزب. وإذا كان من بين هذه الخيارات أن يفسح السكرتير المجال لغيره، وكان ذلك كفيلاً بإعادة اللحمة إلى صفوف الحزب وفتح صفحة جديدة من الوفاق، فإن مثل هذه الخطوة ستُقرأ على أنها موقف مسؤول يجسد تغليب المصلحة العامة على الاعتبارات الشخصية، ويؤكد أن المواقع القيادية وسيلة لخدمة الحزب وليست غاية بحد ذاتها.
إن المستقبل لا يُبنى بتسعير الخلافات أو بتبادل الاتهامات بين رفاق الأمس، وإنما بإرادة صادقة للمراجعة، والإنصات، والاعتراف بالأخطاء والعمل على تجاوزها، والإيمان بأن وحدة الحزب وتماسكه هما الضمانة الحقيقية لاستمرار رسالته النضالية، وتعزيز دوره في خدمة القضية التي تأسس من أجلها. ويبقى ذلك كله رهناً بوجود إرادة حقيقية تضع بقاء الحزب ووحدته فوق أي اعتبار آخر.