روج آفا: أزمة النضج السياسي بين انسحاب القادة وانهيار المؤسسة

محمود أوسو

منذ عام 1957 وتأسيس الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا، دخلت الحركة الكردية عقوداً من القمع والسجون والمنفى ،لكن أن هذا العمر الطويل لم ينتج بالضرورة (دولة حزبية) ناضجة  بل أنتج أحياناً تكراراً لنفس الأزمة: انسحاب، انشقاق، تخوين، ثم تشكيل حزب جديد بنفس العقلية القديمة.
آخر حلقات هذا المسلسل هي الانسحابات من قيادة حزب الوحدة الديمقراطي الكردي بقيادة شيخ آلي لكن الخطأ أن نحصر الظاهرة بشخص أو بحزب ،المسألة بنيوية، وتعود إلى ثلاثة مستويات متداخلة:  الحزب،  الفكر، و البيئة السياسية.
أولاً: جذور المشكلة  الحزب كـ عائلة سياسية لا كمؤسسة
الحزب السياسي الناضج هو عقد بين أفراد حول برنامج ، الحزب في التجربة الكردية السورية غالباً هو عائلة حول زعيم.
شرعية التأسيس بدل شرعية الإنجاز: معظم السكرتاريا الحاليين، بمن فيهم شيخ آلي، استمدوا شرعيتهم  في زمن الممنوع أي أن شرعيتهم تاريخية ، لا مؤسساتية. هذا يجعل أي نقد لهم يفهم  كنكران للجميل وليس كـ محاسبة سياسية في المقابل، المنسحبون لا يملكون شرعية برنامج بديل، بل شرعية الغضب.
 فيغادرون لأنهم لم يصلوا، لا لأن لديهم طريقاً آخر.
غياب فصل السلطات داخل الحزب :لا يوجد فرق حقيقي بين (المكتب السياسي )و(المكتب المالي) و(مكتب التنظيم ) ،كلها بيد السكرتير أو المقربين منه. لذلك الصراع على القيادة ليس صراع فكري بل صراع على ختم الحزب وعلاقاته الخارجية وتمثيله. المنسحب يرى نفسه  أحق بالختم ، والسكرتير يراه انقلابياً  ولا أحد يناقش الورقة السياسية.
ثقافة السرية الموروثة: الأحزاب التي ولدت في الأقبية لم تتعلم بعد كيف تعيش في العلن النقاش الداخلي ما زال يعتبر  غسيلاً قذراً  فتتراكم الخلافات تحت السجادة حتى تنفجر باستقالة جماعية على الفيسبوك ،هذا هو تعريف العمل غير المؤسساتي.
ثانياً: عقلية المنسحب ،التعصب الفكري بصيغة معارضة 
  الأغلبية غير ناضجين فكرياً، ويرون أنفسهم الصح والباقي على غلط ،وهذا صحيح على طرفي الصراع.
 أنا البديل الأفضل دون بديل:كثير من الذين انسحبوا من حزب الوحدة أو من أحزاب أخرى كالمجلس الوطني الكردي ENKS أو أحزاب اليسار
 لا يقدمون بعد خروجهم إلا  بيان تخوين لا يقدمون قراءة مختلفة للوضع في سوريا، ولا تصوراً لعلاقة الكرد بدمشق، ولا مقاربة للوجود الأمريكي أو التركي. هم فقط يكررون نفس خطاب الحزب الذي خرجوا منه، لكن بشعارات أكثر حدة.
هذا ما نسميه تعصب فكري معكوس. التعصب ليس حكراً على القيادة. القاعدة التي تربيها القيادة على الولاء المطلق تنقلب عليها عندما تشعر بالإقصاء فيتحول العضو من مريد إلى خصم متطرف بنفس الأدوات العقلية: تبسيط، تخوين، شخصنة.
الحزب في غياب الدولة صار هو الدولة الصغيرة
للمناضل يعطيه هوية، راتباً معنوياً، مكانة اجتماعية. عندما يقصى  من اللجنة المركزية، فهو لا يخسر منصباً فقط يخسر ذاته لذلك رد الفعل يكون وجودياً وانفعالياً، لا سياسياً وعقلانياً ينسحب ليقول: أنا موجود، لا ليقول: هذا هو مشروعي.
وهذا تتوالى احزاب جديدة وبنفس العقلية 
ثالثاً: البيئة الحاضنة  عندما يصبح الخلاف خيانة وطنية
لا يمكن فصل سلوك الأحزاب عن المحيط.
الاستقطاب الإقليمي انقسام البيت الكردي السوري هو انعكاس مباشر لانقسام البيت الكردي الأكبر PYD مقابل ENKS، قنديل مقابل أربيل ،الحزب المحلي الصغير يجد نفسه مجبراً أن يكون فرعاً لا أصلاً  فإذا اختلف سكرتيره مع المركز الإقليمي
يضغط عليه للانسحاب أو يعرض عليه بديل جاهز. لذلك الانسحابات الأخيرة ليست كلها  قراراً ذاتياً ، بل كثير منها  إعادة تموضع .
غياب الممارسة السياسية الحزب الذي يخسر مؤتمراً يؤسس جمعية ضغط، أو مركز دراسات، أو يتحول إلى تيار داخل الحزب في روج آفا، لا توجد هذه المساحة  إما أن تكون داخل السلطة الحزبية أو أن تكون خارج التاريخ لذلك الانسحاب يعني الموت السياسي أو تأسيس حزب جديد من 5 أشخاص وهذا يفسر التكاثر المرضي للأحزاب.
القيادة لا تتحمل وحدها المسؤولية القاعدة الشعبية نفسها ترفض الرمادي إذا انتقدت سكرتيرك، فأنت مخرب . وإذا انتقدت المنسحب، فأنت  مطبل هذا المناخ يمنع أي مراجعة عاقلة، ويكافئ فقط  أكثر الناس صراخاً.
هل ما زلنا في مرحلة الطفولة السياسية؟
دائما”مازلت منذ اكثر من عشرة سنوات اقول محترفي مرحلة الطفولة من التطور التاريخي 
إذا عرفنا  النضج السياسي، فالقدرة على إدارة الخلاف دون تدمير المؤسسة، والفصل بين الشخص والموقف، وقبول الهزيمة الديمقراطية، فالجواب هو نعم، ما زال جزء كبير من العمل الحزبي الكردي السوري في هذه المرحلة.
المشكلة أن الطفولة أصبحت مريحة لااحد يحاسب حتى اذا الطفل  عمل تحته وهذا حال احزابنا وخاصة في الطفولة السياسية لا تحتاج إلى برنامج معقد. تحتاج إلى عدو، وإلى زعيم، وإلى شعار. وهذا أسهل بكثير من بناء مؤسسة، وكتابة لوائح، وقبول أن يهزمك رفيقك بالصندوق.
ما لم تتحول الانسحابات من فعل غضب إلى فعل مراجعة، سنبقى ندور أي أن المنسحب يجب أن يسأل نفسه قبل البيان ما هو مشروعي السياسي المختلف؟ وما هي آليتي الديمقراطية التي لم أجدها في حزبي؟
وما لم يفهم السكرتير، شيخ آلي أو غيره، أن بقاءه مرتبط بقدرته على استيعاب المختلف لا بإقصائه، سيبقى الحزب عشيرة  تنتظر الانقسام القادم.
67 عاماً كافية لتأسيس دولة. وهي أكثر من كافية لتأسيس ثقافة سياسية التأخر ليس في التاريخ، بل في الإرادة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ولاتي مه – خاص: أعلن خمسة من أصل سبعة أعضاء في قيادة منظمة أوروبا التابعة لحزب الوحدة الديمقراطي الكُردي في سوريا انسحابهم من صفوف الحزب، وذلك عبر بيان سياسي صدر اليوم، أشاروا فيه إلى جملة من الأسباب التنظيمية والسياسية التي دفعتهم لاتخاذ هذا القرار، بعد ما وصفوه باستنفاد جميع محاولات الإصلاح الداخلي. ويأتي هذا التطور بعد أيام قليلة من إعلان…

د. حمدي سنجاري بعض الزيارات لا تُنسى. لا لأنها تُعرّفك على مكان، بل لأنها تضعك وجهاً لوجه مع معاناة بشر حقيقيين، وآمالهم التي لم تنطفئ بعد. وحين دعاني عدد كبير من أبناء سنجار، النازحين قبل أيام في دهوك وأربيل، وجدت نفسي أمام زيارة طالما أجّلتها أكثر مما ينبغي. هناك التقيت بسنجار الحقيقية. مسلمون، إيزيديون، مسيحيون. عرب وكورد وتركمان….

تلقى النائب كبرئيل موشي سلسلة من الاتصالات والرسائل من عدد من أحزاب الحركة الوطنية الكردية في سوريا، هنأته خلالها بمناسبة نيله عضوية مجلس الشعب السوري، متمنين له التوفيق والنجاح في أداء مهامه الوطنية وخدمة أبناء الوطن. وقد وردت هذه الاتصالات والرسائل من كل من: * الدكتور صلاح درويش سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا * السيد شلال كدو رئيس…

خوشناف سليمان ما تشهده مناطق شمال وشرق سوريا اليوم هي حالة استنزاف شاملة تضرب حياة الناس في الصميم. وتستهدف القدرة على البقاء والصمود لدى جميع مكونات المنطقة و خاصة الكرد الحرائق التي التهمت آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية خلال المواسم الأخيرة لم تكن مجرد حوادث عابرة. بل جاءت متزامنة مع سياسات اقتصادية أثقلت كاهل المزارعين. فأسعار شراء المحاصيل لم تعد…