خوشناف سليمان
ما تشهده مناطق شمال وشرق سوريا اليوم هي حالة استنزاف شاملة تضرب حياة الناس في الصميم. وتستهدف القدرة على البقاء والصمود لدى جميع مكونات المنطقة و خاصة الكرد
الحرائق التي التهمت آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية خلال المواسم الأخيرة لم تكن مجرد حوادث عابرة. بل جاءت متزامنة مع سياسات اقتصادية أثقلت كاهل المزارعين. فأسعار شراء المحاصيل لم تعد تتناسب مع تكاليف الإنتاج فيما ارتفعت أسعار البذار
والأسمدة والمحروقات والنقل إلى مستويات غير مسبوقة. وجد الفلاح نفسه أمام معادلة قاسية .. إما أن يبيع محصوله بخسارة. وإما أن يهجر أرضه التي كانت لعقود مصدر كرامته وسبب بقائه.
وفي المدن والبلدات لا تبدو الصورة أقل قسوة. الأسعار ترتفع بوتيرة جنونية والقدرة الشرائية تنهار و الرواتب فقدت معظم قيمتها. بينما تتراجع الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه ومحروقات ورعاية صحية إلى مستويات مقلقة. المواطن الذي كان يبحث عن حياة كريمة بات يبحث فقط عن وسائل البقاء.
وعندما تجتمع هذه الأزمات كلها في وقت واحد. لا يعود ممكناً تفسير ما يحدث بأنه سوء إدارة أو أخطاء متراكمة. إننا أمام سياسة إنهاك حقيقية. تدفع المجتمع تدريجياً نحو اليأس. وتستنزف قدرته على الصمود وتفتح الباب أمام موجات جديدة من الهجرة والتفكك الاجتماعي.
أما بالنسبة للكرد. فإن الشعور بالمرارة يبدو أشد وطأة. فالكرد كانوا في طليعة القوى التي واجهت الإرهاب ودافعت عن هذه المنطقة. وقدموا. إلى جانب بقية المكونات. عشرات الآلاف من الضحايا والشهداء. وكان الاعتقاد السائد أن هذه التضحيات ستفضي إلى شراكة سياسية حقيقية و إلى إدارة أكثر عدلاً وشفافيةهه٩ وإلى الاعتراف بحقوقهم القومية المشروعة ضمن سوريا ديمقراطية تعددية.
لكن الواقع الحالي يدفع كثيرين إلى التساؤل .. كيف يمكن لشعب قدم هذا الحجم من التضحيات أن يجد نفسه اليوم في مواجهة الفقر والبطالة وانهيار الخدمات وسياسات اقتصادية تهدد وجوده الديمغرافي وتدفع شبابه إلى الهجرة؟ وكيف يمكن الحديث عن مشروع سياسي مستقبلي فيما يشعر جزء كبير من المجتمع الكردي بأنه يخسر مقومات البقاء يوماً بعد يوم؟
إن الخطر لا يكمن في الفقر وحده. بل في النتائج التي يتركها هذا الفقر على البنية الاجتماعية والسياسية للمجتمع الكردي. فالهجرة المستمرة للشباب. وتراجع الثقة بالمؤسسات. وتنامي الشعور بالإحباط كلها عوامل تهدد بتفريغ المنطقة من طاقاتها البشرية وتحويل التضحيات الكبيرة التي قُدمت خلال السنوات الماضية إلى مجرد ذكرى مؤلمة.
وما يزيد المشهد قسوة أن حالة الصمت والتبرير باتت جزءاً من الأزمة. فالمجتمعات لا تنهار فقط بسبب السياسات الخاطئة. بل أيضاً عندما يتخلى مثقفوها ونخبها السياسية عن دورهم في النقد والمساءلة. أو عندما يفضلون الصمت على قول الحقيقة.
إن اختزال الكارثة في وزير أو مسؤول أو مؤسسة بعينها لا يقدم حلاً. فالمسؤولية جماعية تقع على عاتق الحكومة و جميع الجهات التي شاركت في صناعة هذه السياسات أو سكتت عنها أو بررتها. لأن ما يحدث لم يعد مجرد أخطاء إدارية. بل أصبح نهجاً يهدد مستقبل المنطقة بأكملها.
النار التي تحرق الحقول لا تسأل أصحابها عن قومياتهم. والجوع لا يميز بين كردي وعربي أو سرياني وآشوري وأرمني. لكن من حق الجميع أن يسألوا .. لماذا تترك هذه المنطقة. التي دفعت أثماناً باهظة في مواجهة الإرهاب والحروب. فريسة للفقر والانهيار؟ ومن المستفيد من دفع الناس إلى فقدان الأمل وكسر إرادتهم؟
إن المعركة الدائرة اليوم ليست معركة خبز أو وقود أو رواتب فحسب. بل معركة على الكرامة والوجود وحق الإنسان في أن يعيش على أرضه آمناً وكريماً. وبالنسبة للكرد فهي أيضاً معركة من أجل حماية ما تبقى من الأمل بأن تضحياتهم لم تذهب هدراً. وأن مستقبلهم في هذه الأرض لا يزال ممكناً.