حسن قاسم
ما يجري اليوم في العراق تحت عنوان مكافحة الفساد يكشف جزءاً صغيراً فقط من جبل الجليد. الحديث عن استعادة أو وضع اليد على أكثر من مئة مليار دولار من المال المنهوب ليس مجرد رقم، بل دليل على حجم الجريمة التي ارتُكبت بحق شعب يعيش كثير من أبنائه تحت خط الفقر، بينما تُكدّس الثروات في حسابات ومغارات الفاسدين.
لكن الحقيقة الأوضح أن من يُحاسبون اليوم، من مدراء عامين أو نواب أو شخصيات تنفيذية، ليسوا سوى أدوات في منظومة أكبر. الرؤوس الحقيقية ما زالت محصنة خلف جدران الطائفية والسلاح والنفوذ، تلك التي صنعت نظام المحاصصة وحولت الدولة إلى غنيمة.
الأخطر أن الفساد في العراق لم يكن شأناً داخلياً خالصاً، بل تغذّى على رعاية خارجية، وفي مقدمتها النفوذ الإيراني الذي وجد في هشاشة الدولة فرصة لبناء أذرعه السياسية والعسكرية والاقتصادية. عبر هذه الأذرع، لم تكتفِ أيران بتثبيت نفوذها، بل ساهمت في حماية منظومة الفساد، لأن بقاء الدولة ضعيفة يعني بقاء القرار العراقي مرتهناً.
لقد تحول العراق إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح أمراء الطوائف مع أجندات الخارج. المال العام نُهب، والموارد استُنزفت، والمواطن تُرك وحيداً يواجه الفقر والبطالة وانهيار الخدمات، بينما تُرفع الشعارات الدينية والطائفية لتخدير الناس وحماية الفاسدين.
السؤال اليوم ليس كم سُرق من العراق، بل: من الذي صنع هذه المنظومة ومن يحميها؟
إذا كانت الحملة الحالية جادة، فعليها أن تصل إلى الحيتان الكبيرة، إلى أمراء الحرب، إلى زعماء الطوائف، وإلى شبكات النفوذ المرتبطة بالخارج، لا أن تكتفي بصغار الموظفين وكبش فداء هنا وهناك.
العراق اليوم أمام خيارين:
إما استعادة الدولة من قبضة الفساد والوصاية، أو البقاء رهينة تحالف المال السياسي والسلاح والنفوذ الخارجي. وما لم تُكسر هذه الحلقة، سيبقى العراقيون يدفعون ثمن وطن سُرق منهم باسم الطائفة، وبحماية الفاسدين، وبرعاية الخارج.