كيف نبني العلاقة بين كرد روجافا وكرد الداخل السوري ( 5 ) نحو بناء فضاء اجتماعي وسياسي كردي سوري مشترك .

د . مرشد اليوسف
تُظهر التجربة التاريخية للكرد في سوريا (روجافا) .
أن المجتمع الكردي لم يكن يومًا كتلة جغرافية واحدة متصلة.
فمنذ العهد الايوبي والعثماني ثم خلال فترة الانتداب الفرنسي، توزعت التجمعات الكردية بين مناطق الجزيرة وكوباني وعفرين من جهة، وبين المدن السورية الكبرى من جهة أخرى.
وقد أدت عوامل تاريخية وجغرافية واقتصادية وسياسية عديدة إلى إقامة مئات الآلاف من الكرد في حلب ودمشق وحمص وحماة واللاذقية وإدلب ودرعا والساحل …الخ . حيث اندمجوا بدرجات متفاوتة في البيئة الحضرية السورية مع احتفاظهم بجزء مهم من ذاكرتهم القومية.
ومع مرور الزمن نشأت فجوة اجتماعية وثقافية بين كرد المناطق الكردية التقليدية وكرد المدن الداخلية.
فبينما حافظت مناطق الجزيرة وكوباني وعفرين على قدر أكبر من الخصوصية اللغوية والثقافية، تعرض كثير من كرد المدن لعمليات اندماج واسعة أثرت في اللغة والعادات وأنماط التنظيم الاجتماعي.
إلا أن هذه الفجوة لم تؤد إلى انقطاع الشعور القومي، بل بقي الانتماء الكردي حاضرًا بدرجات مختلفة داخل الوعي الجمعي لهذه المجتمعات.
ومع ظهور الأزمة السورية برزت إمكانية إعادة بناء الجسور بين هذه التجمعات الكردية المتباعدة، ليس فقط من خلال الخطاب السياسي، وإنما عبر تأسيس شبكة واسعة من العلاقات المجتمعية والثقافية والمؤسساتية .
ويرى علماء الاجتماع حول البعد السوسيولوجي للعلاقة بين الطرفين، أن الأمة ليست مجرد رابطة دموية أو لغوية، بل هي شبكة من العلاقات والتفاعلات والرموز المشتركة. ومن هذا المنطلق فإن استمرار التواصل بين أجزاء المجتمع الواحد يعد شرطًا أساسيًا للحفاظ على الهوية الجماعية.
لقد أدى التباعد الجغرافي بين كرد روجافا وكرد الداخل السوري إلى ظهور خبرات اجتماعية مختلفة. فالكرد في الجزيرة وكوباني وعفرين عاشوا في بيئات ذات كثافة كردية مرتفعة، بينما عاش كرد مدن الداخل السوري في فضاءات متعددة القوميات والثقافات.
ومع ذلك فإن الطرفين يشتركان في ذاكرة تاريخية واحدة وفي منظومة رمزية متقاربة تشمل الانتماء القومي والتراث الشعبي والروابط العائلية الممتدة.
ومن هنا فإن التحدي الرئيسي لا يتمثل في خلق هوية جديدة، بل في إعادة وصل المكونات المختلفة لهوية موجودة أصلًا.
ويمكن النظر إلى فكرة إنشاء البيوتات
(مالا كردا) أو المراكز الثقافية الكردية في المدن السورية الكبرى باعتبارها إحدى الأدوات السوسيولوجية لإعادة بناء المجال العام الكردي السوري.
فالبيت الثقافي لا يؤدي وظيفة سياسية مباشرة فحسب، بل يتحول إلى نقطة التقاء بين الأجيال المختلفة، ومكان لحفظ الذاكرة الجماعية، ومنصة للحوار والتفاعل الاجتماعي.
ويمكن لهذه البيوتات أن تنظم:
دورات لتعليم اللغة الكردية.
ومحاضرات حول التاريخ والتراث.
وأمسيات أدبية وفنية.
ومعارض للكتاب والفنون.
ولقاءات شبابية ونسائيةوطلابية .
وبذلك تتحول هذه المؤسسات إلى جسور دائمة بين المجتمعات الكردية المختلفة.
وتُعد الجامعات بوصفها فضاءات لإنتاج النخبة المشتركة من أهم المؤسسات القادرة على إعادة تشكيل العلاقات بين المجموعات الاجتماعية. فالطالب الجامعي لا يكتسب المعرفة فقط، بل يبني أيضًا شبكات اجتماعية وسياسية وثقافية تستمر لعقود.
ومن هذا المنطلق يمكن أن تلعب الزيارات المتبادلة بين طلاب الجامعات في روجافا والطلاب من أصول كردية في الجامعات السورية دورًا استراتيجيًا في بناء جيل جديد يمتلك فهمًا مشتركًا للواقع الكردي السوري.
فمن خلال المؤتمرات الطلابية والملتقيات الأكاديمية والأنشطة الثقافية المشتركة يمكن تجاوز الصور النمطية المتبادلة التي نشأت بفعل التباعد الجغرافي والاختلاف في ظروف الحياة.
كما أن هذه اللقاءات تساهم في تكوين نخب فكرية جديدة قادرة على بناء خطاب وطني وقومي أكثر توازنًا وانفتاحًا.
وتشير التجارب العالمية إلى أن منظمات المجتمع المدني يمكن أن تعمل كجسر للتكامل الاجتماعي
وغالبًا ما تكون أكثر قدرة من الأحزاب السياسية على بناء العلاقات المستدامة بين المجتمعات.
فالجمعيات الثقافية والتنموية والنسائية والشبابية تستطيع أن تنفذ مشاريع مشتركة تتجاوز الانقسامات السياسية وتؤسس لشبكات تعاون طويلة الأمد.
وفي الحالة الكردية السورية يمكن للمجتمع المدني أن يعمل على:
توثيق التراث الثقافي المشترك.
وتعزيز المشاركة الشبابية.
ودعم المبادرات التعليمية.
وحماية اللغة الكردية.
وتشجيع البحث العلمي والدراسات الاجتماعية.
ومن خلال هذه الأنشطة يتكون فضاء مدني كردي سوري عابر للمناطق الجغرافية.
ولا يمكن لأي مشروع تكامل اجتماعي أن يحقق أهدافه بصورة كاملة دون التواصل بين النخب السياسية والتمثيلية ودون وجود قنوات للحوار بين النخب السياسية والتمثيلية.
إن التواصل بين الشخصيات العامة والنواب والمجالس المحلية والهيئات السياسية ذات الخلفية الكردية يمكن أن يساهم في بلورة رؤى مشتركة حول القضايا المتعلقة بالثقافة واللغة والتنمية المحلية وحقوق المواطنة.
ولا ينبغي أن يُفهم هذا التواصل بوصفه سعيًا لإلغاء التعددية السياسية، بل باعتباره آلية لتبادل الخبرات وتنسيق المواقف حول القضايا ذات الاهتمام المشترك.
وفي علم الاجتماع السياسي لا تنشأ المجالات السياسية المشتركة من القرارات التنظيمية وحدها، بل تُبنى تدريجيًا من خلال تراكم العلاقات الاجتماعية والثقافية.
فكل علاقة طلابية، وكل مشروع مدني، وكل فعالية ثقافية مشتركة تساهم في إنتاج رأس مال اجتماعي جديد.
ومع تراكم هذا الرأس المال تنشأ شبكات ثقة متبادلة تسمح بظهور أشكال أكثر تطورًا من التعاون السياسي والمؤسساتي.
وبذلك تصبح العلاقة بين كرد روجافا وكرد الداخل السوري عملية تاريخية طويلة الأمد تبدأ من المجتمع وتنتهي بالمؤسسات، لا العكس.
وضمن هذه التفاصيل فإن مستقبل العلاقة بين كرد روجافا وكرد الداخل السوري يتوقف إلى حد كبير على القدرة على بناء شبكة واسعة من الروابط الثقافية والاجتماعية والأكاديمية والمدنية. فالمجتمعات لا تتوحد بالشعارات وحدها، وإنما عبر التفاعل اليومي وتبادل الخبرات وبناء الثقة المشتركة.
ومن منظور سوسيولوجي، فإن إنشاء البيوتات الثقافية، وتطوير العلاقات الطلابية، وتعزيز دور المجتمع المدني، وفتح قنوات الحوار بين النخب، تمثل جميعها أدوات عملية لإعادة وصل أجزاء المجال الكردي السوري وتحويله من تجمعات متباعدة جغرافيًا إلى فضاء اجتماعي وثقافي أكثر ترابطًا وقدرة على المشاركة في صياغة مستقبل سوريا .
وصياغة مستقبل شعب روجافا .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي بالرغم من الحديث عن مرحلة سياسية جديدة في سوريا بعد سقوط نظام الطاغية بشار الأسد، إلا أن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن بناء دولة حديثة لا يتم عبر التعيين، بل عبر انتخابات حرة تعبّر عن إرادة السوريين. أي مجلس يُشكَّل خارج صندوق الاقتراع يظل فاقداً لأهم عناصر الشرعية السياسية، مهما قُدِّم له من تبريرات. فالتعيين…

د. عدنان بوزان لم يعد السؤال المتعلق بحق الشعوب في تقرير مصيرها مجرد نقاش قانوني يدور بين فقهاء القانون الدولي، ولا مجرد مبدأ سياسي تستحضره المنظمات الدولية في مواثيقها وبياناتها، بل أصبح واحداً من أكثر الأسئلة السياسية والفكرية إلحاحاً في عالم تتسع فيه الفجوة بين المبادئ المعلنة والممارسات الفعلية. فالنظام الدولي، الذي أقر منذ منتصف القرن العشرين بأن الشعوب…

إبراهيم اليوسف التوقيع الذي لم يفلح في الترقيع صدر اليوم، بتوقيع الرئيس المؤقت السيد أحمد الشرع، ما سمي بالثلث المكمِّل لمن سمُّوا بأعضاء مجلس الشعب المنتخبين، إذ جاء هذا الثلث بالتعيين، في قرار قراقوشي لم يُسمع له مثيل في العالم، وسط تصفيق بعض المصفقين لأيِّ “سيادة رئيس”، شأن ذلك العضو* الذي خاطب الطاغية بشار الأسد قائلاً: “سوريا قليلة عليك، سيادة…

فيصل اسماعيل حين تتحول القضايا القومية إلى وسيلة للهروب من المحاسبة، يصبح التحريض بديلاً عن الإصلاح، ويغدو الفساد المستفيد الأكبر من الانقسام. منذ عام 2003، كان العراقيون يتطلعون إلى بناء دولة تقوم على الدستور والشراكة والعدالة. غير أن هذا المشروع اصطدم بانتشار الفساد، وضعف مؤسسات الدولة، وتغليب المصالح الحزبية والفئوية على المصلحة الوطنية. ومع كل أزمة سياسية أو اقتصادية، برز…