الفاسدون لا يخشون العدالة… بقدر ما يخشون سقوط ورقة معاداة كوردستان

فيصل اسماعيل

حين تتحول القضايا القومية إلى وسيلة للهروب من المحاسبة، يصبح التحريض بديلاً عن الإصلاح، ويغدو الفساد المستفيد الأكبر من الانقسام.

منذ عام 2003، كان العراقيون يتطلعون إلى بناء دولة تقوم على الدستور والشراكة والعدالة. غير أن هذا المشروع اصطدم بانتشار الفساد، وضعف مؤسسات الدولة، وتغليب المصالح الحزبية والفئوية على المصلحة الوطنية. ومع كل أزمة سياسية أو اقتصادية، برز نمط متكرر في الخطاب العام؛ فكلما اقتربت ملفات الفساد من الانكشاف، ارتفعت أصوات تحاول تحويل الأنظار نحو كوردستان وحقوق شعبها، وكأنها أصل المشكلة وليست ضحية لنهج سياسي مأزوم.

فبدلاً من فتح ملفات المليارات المهدورة، ومحاسبة المسؤولين عن المشاريع الوهمية، ومعالجة الفقر والبطالة وتردي الخدمات، يُعاد إحياء خطاب يصور الحقوق الدستورية لإقليم كوردستان وكأنها امتيازات غير مشروعة، رغم أنها حقوق كفلها الدستور العراقي. ويتكرر الجدل حول حصة الإقليم من الموازنة أو رواتب موظفيه، في الوقت الذي تبقى فيه ملفات الفساد الكبرى، والهدر المالي، وسوء الإدارة، بعيدة عن المعالجة الجدية.

ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل تكمن أزمة العراق في الحقوق الدستورية لكوردستان، أم في الفساد الذي استنزف مؤسسات الدولة وأضعف ثقة المواطن بها؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تمثل المدخل الحقيقي لأي مشروع إصلاح وطني، لأن بناء دولة قوية لا يتحقق بتغذية الانقسامات، بل بإقامة العدالة، وتطبيق الدستور، ومحاسبة الفاسدين دون تمييز أو انتقائية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عزالدين ملا في ذكرى ميلاد الرئيس مسعود بارزاني، تتجاوز المناسبة حدود الاحتفال بميلاد شخصية سياسية، لتصبح محطة تستعيد فيها الذاكرة الكوردستانية محطات طويلة من النضال والتضحيات والتحولات التي رافقت مسيرة الشعب الكوردي. فاسم مسعود بارزاني ارتبط، بالنسبة إلى شريحة واسعة من أبناء كوردستان، بتاريخ الحركة التحررية الكوردستانية وبمرحلة الانتقال من زمن الثورة والمواجهة إلى زمن المؤسسات والسياسة والدبلوماسية، ولذلك تحضر…

خالد حسو من يتخلّى عن قضيته الوطنية والمصيرية، تحت أي ذريعة كانت، سواء أُطلق عليها اسم التكتيك أو السياسة أو الواقعية أو الحسابات المرحلية، لا يخسر موقفًا عابرًا فحسب، بل يغامر بمكانته في ذاكرة شعبه والتاريخ. فالتاريخ لا يحفظ أسماء الذين فرّطوا بالحقوق حين اشتدّت المحن، ولا يكرّم من جعلوا من التراجع فضيلة، ومن التنازل سياسة، ومن الصمت حكمة. قد…

م. عبدالباقي علي ما يجري اليوم في المناطق الكردية السورية ومحيطها لا يبدو، في رأيي، مجموعة أحداث منفصلة أو مجرد مصادفات متزامنة. هناك سلسلة من المؤشرات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي توحي بأن مرحلة كاملة يجري إعادة ترتيبها، وأن الكثير من الأوراق التي استُخدمت خلال السنوات الماضية بدأت تفقد وظيفتها القديمة. هذه قراءة واستنتاج شخصي، وليست ادعاءً بوجود صفقة معلنة تجمع…

محمود أوسو الإيزيديون هم شعب كردي أصيل، موحدون يؤمنون بإله واحد. عاشوا آلاف السنين في جبال كردستان: شنكال، دهوك، الموصل، ديار بكر، عفرين. تاريخهم كتب بالدم، لأنهم دفعوا ثمن إيمانهم 74 مرة على الأقل. أغلب هذه الفرمانات جاءت باسم الدين الأسلامي في زمن الفتوحات عياض بن غنم وما بعدها مع وصول الجيوش الإسلامية إلى كردستان في عهد عمر بن الخطاب،…