حين لا تكفي القوة: كردستان الغربية بين السيطرة والشرعية.. الحلقة الثانية من سلسلة: القضية الكردية بين الأسد والشرع

عدنان بدرالدين

في الحلقة الأولى، كان السؤال موجّهًا إلى الدولة السورية بعد سقوط بشار الأسد: هل تغيّرت حقًا، أم أن ما تبدل حتى الآن هو خطاب المركز لا منطقه؟ وقد ظهرت القضية الكردية هناك بوصفها اختبارًا مبكرًا لمعنى التغيير في سوريا. فالدولة التي تريد أن تثبت خروجها من ظل الأسد لا يكفي أن تغيّر رأس السلطة أو مفردات الخطاب السياسي، بل ينبغي أن تغيّر علاقتها بالمكونات التي أنكرتها أو همشتها طويلًا.

غير أن النظر إلى دمشق وحدها لا يكفي لفهم ما آلت إليه القضية الكردية. فهذه القضية لم تصل إلى لحظتها الراهنة بفعل موقف الدولة المركزية وحده، بل أيضًا بفعل تجربة كردية داخلية معقدة، تراكمت فيها الأوهام والأخطاء والرهانات غير المضمونة. في تلك التجربة، اختلطت القوة العسكرية بالتمثيل السياسي، والتحالف الخارجي بالشرعية، وسلطة الأمر الواقع بالقضية القومية.

هنا تبدأ الحلقة الثانية: من كردستان الغربية، لا بوصفها هامشًا في الصراع السوري، بل بوصفها ساحة كاشفة لما يحدث حين تمتلك جماعة قضية عادلة، وتقدم تضحيات واسعة، لكنها لا تنجح في تحويل القوة إلى شرعية، ولا السيطرة إلى عقد سياسي، ولا التحالف العسكري إلى ضمانة دائمة.

لم تكن مأساة كردستان الغربية أن مشروعًا قوميًا كرديًا واضحًا بلغ عتبة الاعتراف ثم تخلت عنه القوى الكبرى. الصورة أكثر تعقيدًا. فقد تصدرت المشهد، منذ بدايات الأزمة السورية، بنية حزبية-عسكرية أوجلانية، استطاعت أن تحتكر صورة الكرد في سوريا أمام العالم، من دون أن تكون مشروعًا كرديًا جامعًا، أو أن تملك تفويضًا ديمقراطيًا واضحًا من المجتمع الكردي، أو أن تقدم برنامجًا قوميًا دستوريًا صريحًا لحقوق الشعب الكردي في سوريا.

هذه كانت المفارقة الأولى. سلطة تتحدث بلغة «الديمقراطية» العابرة للقوميات، لكنها تمارس عمليًا حق الكلام باسم قضية قومية لم تسمّها باسمها الكامل. لم يكن اسم «الإدارة الذاتية» اسمًا كرديًا، ولا اسم «قوات سوريا الديمقراطية» اسمًا كرديًا، ولم تقدم «وحدات حماية الشعب» نفسها بوصفها جيشًا قوميًا كرديًا. ومع ذلك، جرى تسويق هذه البنية، في الداخل والخارج، بوصفها التعبير الأبرز عن الإنجاز الكردي في سوريا الحديثة.

في هذه المسافة بين الاسم والواقع بدأ الخلل. فقد وُضعت القضية الكردية داخل إطار لا يعترف بها كما هي: قضية شعب عانى الإنكار، وحُرم من حقوقه اللغوية والثقافية والسياسية، وكان يحتاج إلى مشروع كردي-سوري واضح، لا إلى سلطة حزبية مغلقة تتحدث باسم الجميع من دون تفويض كافٍ.

لا يعني ذلك أن كل ما نشأ في مناطق الإدارة الذاتية كان بلا قيمة. فقد عرفت تلك المناطق، مقارنة بمناطق سورية أخرى، قدرًا من الاستقرار النسبي، وظهرت فيها مؤسسات محلية، وحضرت اللغة الكردية في المجال العام بصورة لم تكن ممكنة في ظل الدولة السورية القديمة. هذه وقائع ينبغي الاعتراف بها. لكن الاعتراف بها لا يلغي السؤال الأعمق: هل تحولت هذه التجربة إلى شرعية سياسية جامعة، أم بقيت سلطة أمر واقع محكومة ببنية حزبية وأيديولوجية ضيقة؟

منذ بدايات الثورة السورية، لم يأت صعود حزب الاتحاد الديمقراطي نتيجة مواجهة مباشرة واسعة مع نظام الأسد. لقد نشأ في لحظة تراجع فيها حضور الدولة الأمنية المباشر في بعض المناطق الكردية، تحت ضغط الحرب وتبدل أولويات النظام العسكرية. كان النظام مشغولًا بحماية دمشق والساحل ومراكز السلطة الأساسية. وفي تلك اللحظة، وجدت بنية مرتبطة بمنظومة حزب العمال الكردستاني مجالًا واسعًا لملء الفراغ بموافقة ضمنية من نظام بشار الأسد.

لم يكن هذا الفراغ بريئًا تمامًا. فالنظام، وهو يخفف حضوره في المناطق الكردية، كان يحقق أهدافًا متعددة: عزل هذه المناطق عن المعارضة السورية الصاعدة، واستحضار ورقة حزب العمال الكردستاني في مواجهة تركيا، ومنع ظهور تمثيل كردي مستقل يربط الحقوق الكردية بمشروع ديمقراطي سوري أوسع.

في تلك المرحلة، ظهر شعار «الخط الثالث». بدا الشعار في ظاهره محاولة لتجنب الانخراط الكامل في معسكر النظام أو المعارضة. وكان للكرد، بلا شك، أسباب جدية للحذر من معارضة غلبت عليها في مراحل كثيرة نزعات عروبية وإسلامية مركزية. لكن المشكلة أن «الخط الثالث» لم يتحول إلى مشروع كردي-سوري مستقل حقًا. لم يصبح منصة لبناء تمثيل قومي ديمقراطي واضح، بل تحول في كثير من الأحيان إلى غطاء لعزل الكرد عن لحظة التغيير السوري من دون إنتاج بديل سياسي جامع.

لم يكن المطلوب من الكرد أن يذوبوا في معارضة لم تكن تعترف بهم بما يكفي. لكن المطلوب كان أن يصوغوا موقعًا مستقلًا: ضد الاستبداد، وضد الإنكار القومي، وضد تحويل المناطق الكردية إلى ورقة في يد النظام أو في يد أي تنظيم عابر للحدود. ذلك الموقع لم يتشكل بالوضوح والاتساع اللازمين.

ثم جاءت الحرب ضد داعش، فبدلت موازين المشهد. احتاجت الولايات المتحدة إلى قوة برية فعالة في الميدان. وكانت وحدات حماية الشعب قد اكتسبت حضورًا عسكريًا مهمًا، خصوصًا بعد معركة كوباني. لكن واشنطن لم تكن تريد علاقة مكشوفة مع قوة تُربط بحزب العمال الكردستاني. من هنا جاءت صيغة «قوات سوريا الديمقراطية»: اسم غير كردي، غطاء متعدد المكونات، وظيفة عسكرية واضحة، ومسافة سياسية شكلية عن الأصل الأوجلاني.

بهذا المعنى، لم تكن قسد ولادة مشروع قومي كردي جديد، بل صيغة عملياتية لحاجة عسكرية دولية. كانت قوة ميدانية في حرب محددة. وهذا لا ينتقص من تضحيات مقاتليها في مواجهة داعش، ولا من الدور المهم الذي أدته في هزيمة التنظيم على الأرض. لكنه يضع الأمر في إطاره الصحيح: التضحية العسكرية لا تنتج، وحدها، شرعية سياسية.

يمكن لقوة محلية أن تكون حاسمة في معركة، لكنها لا تضمن بذلك موقعها في التسوية السياسية. ويمكن لشريك عسكري أن يحظى بالسلاح والدعم، لكنه يبقى، في حسابات الدول الكبرى، جزءًا من وظيفة محددة لا مشروعًا سياسيًا مضمونًا. هنا أخطأت الدعاية الأوجلانية حين قرأت العلاقة مع واشنطن كما لو أنها بداية اعتراف سياسي طويل الأمد.

لم يكن في السياسة الأمريكية وعد واضح ببناء كيان كردي أو ضمان إدارة ذاتية دائمة. كان التعاون مع قسد مرتبطًا أساسًا بالحرب على داعش، وبإدارة شبكة أوسع من الحسابات: العلاقة مع تركيا، الوجود الإيراني، النفوذ الروسي، ومصير النظام السوري. وحين تتغير هذه الحسابات، تتغير قيمة الشريك المحلي.

الفرق كبير بين الحليف الاستراتيجي والشريك الوظيفي. الحليف الاستراتيجي يُبنى حول التزامات سياسية طويلة الأمد. أما الشريك الوظيفي فيبقى مهمًا بقدر ما تستمر الحاجة إلى وظيفته. وقد كانت قسد، في الحساب الأمريكي مجرد شريك وظيفي. لكن القيادة الأوجلانية تعاملت مع الوظيفة كما لو أنها قابلة للتحول، بقوة الزمن والتضحيات، إلى اعتراف مستقر.

ذلك لم يحدث. بقيت قسد قوة عسكرية واسعة، لكنها لم تتحول إلى ضمانة كردية. وبقيت الإدارة الذاتية سلطة أمر واقع، ولم تتحول إلى كيان سياسي معترف به. وبقيت القضية الكردية، رغم التضحيات، معلقة بين قوة على الأرض لا تملك اعترافًا نهائيًا، ودولة مركزية تنتظر استعادة ما تعتبره سيادتها.

إلى جانب مأزق الاعتراف الخارجي، عانت الإدارة الذاتية من مأزق الشرعية الداخلية. فقد تعاملت مع جزء واسع من المعارضة الكردية بوصفه عبئًا أو تهديدًا. أُغلقت مكاتب، وضُيّق على أحزاب، واعتُقل ناشطون، وأُقصيت أصوات مستقلة، وتقلص المجال العام أمام تعددية كردية حقيقية. وهكذا وجدت سلطة تدّعي تمثيل التعدد السوري نفسها عاجزة عن احتمال التعدد داخل البيت الكردي.

وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه: كيف يمكن لمشروع لا يقبل بتعدد كردي فعلي أن يطالب الآخرين بالاعتراف بالتعدد القومي في سوريا؟ وكيف يمكن لسلطة تقدم نفسها كنموذج ديمقراطي أن تجعل السياسة والثقافة والتعليم والإدارة تدور حول مرجعية حزبية وأيديولوجية واحدة؟

حتى اللغة الكردية، وهي حق لا يحتاج إلى تبرير، دخلت في هذا الالتباس. فبدل أن تصبح جزءًا من مشروع تربوي وطني مدروس، جرى ربطها في كثير من الأحيان ببنية حزبية ضيقة. واللغة الكردية ليست ملكًا لحزب أو تنظيم. إنها حق جماعي يحتاج إلى حماية دستورية وتربوية، لا إلى فرض أيديولوجي.

لكن تحميل الإدارة الأوجلانية وحدها مسؤولية ما جرى سيكون تبسيطًا. فصعود سلطة الأمر الواقع لم يكن نتيجة قوتها الذاتية فقط، بل أيضًا نتيجة ضعف البدائل الكردية المنظمة. لم يستطع المجلس الوطني الكردي، ولا الحركة الكردية التقليدية عمومًا، أن يبنيا مركزًا سياسيًا واجتماعيًا قادرًا على موازنة نفوذ حزب الاتحاد الديمقراطي. بقيت البنية الحزبية التقليدية بطيئة، مجزأة، وقليلة القدرة على المبادرة.

كان المجلس الوطني الكردي، في لحظة تاريخية حساسة، مطالبًا بأن يتحول إلى إطار وطني واسع يمثل الجزيرة وكوباني وعفرين وكرد دمشق واللاذقية، وأن يخاطب الشباب والنساء والمستقلين، لا أن يبقى أسير محاصصات حزبية وردود فعل متأخرة.

في هذا الفراغ، تقدم الطرف الأكثر تنظيمًا وتسليحًا، وصار الممثل العملي، حتى حين لم يكن الممثل الشرعي أو الأكثر قبولًا. وهذه إحدى مفارقات السياسة في أزمنة الانهيار: من يملك القوة يملأ الفراغ أولًا، ثم يطلب الاعتراف لاحقًا. لكن الاعتراف لا يُنتج بالسلاح وحده، ولا بالأمر الواقع وحده. الشرعية تحتاج إلى تفويض، ومساءلة، وقبول اجتماعي، وقدرة على إدارة الاختلاف.

هنا يبرز أيضًا دور إقليم كردستان العراق. فقد ظل الإقليم حاضرًا في الملف الكردي السوري، لكنه لم يستطع أن يحول حضوره إلى توازن سياسي فعلي داخل كردستان الغربية. ولا يمكن إنكار حساسية موقعه المحاصر بين تركيا وبغداد وطهران ودمشق، ولا تجاهل الضغوط التي تحكم حركته. كما لا يمكن التقليل من أهمية ما قدمه لعشرات الآلاف من اللاجئين الكرد السوريين من ملاذ آمن وفرص عمل وتعليم.

مع ذلك، فإن هذا الدور الإنساني والسياسي لم يكن كافيًا لبناء وزن كردي سوري بديل قادر على موازنة سلطة الأمر الواقع. غلب على مقاربة الإقليم منطق الوساطة والتهدئة، بدل بناء توازن سياسي مستدام يضمن التعدد داخل الساحة الكردية السورية. تكررت الاتفاقات بين المجلس الوطني الكردي وحزب الاتحاد الديمقراطي، لكن معظمها بقي بلا تنفيذ.

بذلك اجتمعت عدة عوامل في لحظة واحدة: هيمنة أوجلانية على السلاح والقرار، وضعف بدائل كردية منظمة، ومقاربة كردستانية حذرة لم تنتج توازنًا فعليًا، واستخدام أمريكي وظيفي لقسد، وضغط تركي مستمر. وكانت النتيجة أن الشعب الكردي في سوريا وجد نفسه أمام سلطة تتحدث باسمه دون أن تمثله بالكامل، ومعارضة كردية لا تملك أدوات كافية، وظهير كردستاني لم يستطع، أو لم يشأ بحكم حساباته المعقدة، الذهاب بعيدًا، وعالم يتعامل مع الجميع من زاوية مصالحه الخاصة.

أما تركيا، فقد كانت الطرف الأكثر رفضًا لصعود حزب الاتحاد الديمقراطي وقسد. ولا يمكن فهم هذا الرفض من زاوية عداء تركيا التقليدي لأي تعبير كردي فقط. فالعلاقة العضوية بين حزب الاتحاد الديمقراطي ومنظومة حزب العمال الكردستاني منحت أنقرة ذريعة قوية لتقديم ما يجري في شمال وشرق سوريا بوصفه خطرًا مباشرًا على أمنها القومي.

لم تكن هذه الذريعة مختلقة بالكامل. فقد بقيت الرموز والخطاب والبنية التنظيمية والمرجعية العقائدية تشير إلى امتداد يتجاوز الحدود السورية. وبدل أن تفصل القيادة الأوجلانية القضية الكردية السورية عن أجندات حزب العمال الكردستاني الإقليمية، أبقتها داخل فضاء سياسي ورمزي أوسع، جعل الكرد السوريين يدفعون ثمن صراع أكبر منهم.

وهكذا، مع سقوط نظام الأسد وصعود سلطة جديدة في دمشق، دخلت كردستان الغربية لحظة انكشاف قاسية. لم تعد قسد في موقع الصعود كما كانت بعد الحرب على داعش. ولم تعد الإدارة الذاتية قادرة على الاستناد إلى التوازنات القديمة نفسها. وفي المقابل، بدأت دمشق الجديدة تتحدث عن استعادة المؤسسات، ودمج القوى المسلحة، وتوحيد الجيش والمعابر والموارد.

هذه العناوين قد تبدو، في ظاهرها، عناوين دولة طبيعية. فلا دولة مستقرة تستطيع أن تعيش إلى الأبد بجيوش متعددة ومعابر منفصلة وسلطات متوازية. لكن الخطر يبدأ حين يتحول مطلب استعادة الدولة إلى وسيلة لتصفية المسألة الكردية لا لحلها. فالمشكلة ليست في عودة المؤسسات، بل في طبيعة المؤسسات التي ستعود. هل تعود بوصفها جزءًا من عقد وطني جديد، أم بوصفها امتدادًا لمركزية قديمة بوجه مختلف؟

إذا كان المطلوب إنهاء سلطة الأمر الواقع الأوجلانية، فهذا لا ينبغي أن يعني إنهاء القضية الكردية. وإذا كان المطلوب دمج المؤسسات، فهذا لا ينبغي أن يتحول إلى محو الحقوق القومية. وإذا كان المطلوب استعادة الدولة، فالدولة العادلة لا تستعيد الأرض فقط، بل تعيد تعريف علاقتها بسكانها.

الخطر الأكبر أن يستغل المركز الجديد فشل التجربة الأوجلانية ليقول إن القضية الكردية نفسها كانت وهمًا، أو إن مطالب الكرد لم تكن سوى غطاء لحزب العمال الكردستاني. وهذا سيكون ظلمًا جديدًا. ففشل سلطة أمر واقع لا يلغي عدالة قضية شعب. وانتهاء دور قسد لا يعني انتهاء حق الكرد في الاعتراف الدستوري واللغوي والسياسي.

الضحية الحقيقية ليست الإدارة الذاتية بوصفها سلطة، ولا قسد بوصفها بنية عسكرية. الضحية الحقيقية هي الشعب الكردي في سوريا، الذي وجد نفسه مرة أخرى بين قوة تتحدث باسمه دون تفويض كامل، ودولة تريد استعادته دون ضمانات كافية، وأطراف إقليمية لا ترى فيه غالبًا إلا ملفًا أمنيًا، وعالم لا يكافئ القضايا بعدالتها بل بقدرتها على فرض شروطها.

لقد خسر الكرد السوريون سنوات كان يمكن أن تُستثمر في بناء تمثيل قومي ديمقراطي مستقل. وخسروا آلاف الشباب بين الحرب والهجرة والتجنيد. وخسروا فرصة تحويل التعاطف الدولي مع تضحياتهم ضد داعش إلى مكاسب دستورية واضحة. وربما الأخطر أنهم كادوا يخسرون القدرة على التمييز أمام العالم بين حقوقهم المشروعة وبين مشروع حزبي عابر للحدود تكلم باسمهم.

ومع ذلك، ليست القضية الكردية في سوريا منتهية. الذي ينتهي اليوم، أو ينبغي أن ينتهي، هو وهم سياسي لا حق تاريخي. تنتهي فكرة أن سلطة أمر واقع تستطيع وحدها أن تصنع شرعية. وتنتهي فكرة أن التحالف العسكري مع قوة كبرى يمكن أن يكون بديلًا عن الضمانات. وتنتهي فكرة أن الشعارات العابرة للقوميات تستطيع أن تحمي شعبًا يحتاج أولًا إلى اعتراف واضح بوجوده وحقوقه.

ما بعد الوهم، يحتاج الكرد السوريون إلى سياسة جديدة أكثر تواضعًا ووضوحًا. سياسة تفصل القضية الكردية في سوريا عن أجندات التنظيمات عابرة الحدود. تعترف بأخطاء المرحلة السابقة دون أن تسمح للمركز السوري باستخدام هذه الأخطاء لدفن القضية نفسها. تخاطب السوريين بلغة الحقوق لا بلغة الأمر الواقع. وتطالب باعتراف دستوري باللغة والهوية والتمثيل والإدارة، ضمن مشروع وطني سوري ديمقراطي لا يعيد إنتاج المركزية القديمة.

لا يمكن العودة إلى ما قبل 2011، ولا يمكن الاحتفاظ بما بعد 2014 كما كان. المرحلة الجديدة تحتاج إلى عقل سياسي مختلف: لا يراهن على المخلّص الخارجي، ولا يسلّم أمره لقوة حزبية مغلقة، ولا يكتفي بانتظار ما تقرره العواصم. فالحقوق لا تُحمى بالصور مع الجنرالات، ولا بالشعارات الكبرى، ولا بالسيطرة المؤقتة على الأرض، بل بمشروع سياسي واضح، ووحدة داخلية أوسع، وقدرة على التفاوض، وخطاب يربط العدالة الكردية بمستقبل سوريا كلها.

من هنا، لا تبدو كردستان الغربية بعد الوهم مجرد فصل كردي خاص، بل جزءًا من سؤال سوريا الجديدة نفسها. فإذا كانت دمشق الجديدة تريد استعادة المركز دون إعادة تعريف الدولة، فإنها ستكرر خطأ الدولة القديمة. وإذا أراد الكرد حماية قضيتهم دون مراجعة تجربة السنوات الماضية، فإنهم سيكررون خطأ تحويل القوة إلى بديل عن السياسة.

بين هذين الخطرين، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة: دولة تريد السيطرة قبل الاعتراف، وقوى كردية مطالبة بأن تنتقل من إدارة الأمر الواقع إلى بناء شرعية حقيقية. وهذا ما يفتح باب الحلقة الثالثة: اتفاق الشرع–عبدي، بين احتمال الاندماج المنظم وخطر الاحتواء السياسي للقضية الكردية تحت اسم الدولة والوحدة والسيادة.

28 حزيران/يونيو 2026

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

نداء….. تتابع لجنة حقوق الإنسان في سوريا (ماف) باهتمام إنعقاد المؤتمر العام للاتحاد الدولي للغة الكردية في ألمانيا، بمشاركة واسعة من الأكاديميين والسياسيين وممثلي المدارس الكردية من مختلف أنحاء العالم، والذي يهدف إلى وضع استراتيجيات شاملة لحماية اللغة الكردية والهوية الثقافية للأجيال الكردية في المهجر. ونثمّن عاليا كل الجهود المبذولة للحفاظ على اللغة الكردية وتطويرها، ونتمنى أن يحقق المؤتمر أهدافه…

بنكين محمد ليست الأوطان أبنيةً من إسمنتٍ وحجر، ولا مؤسساتٍ تحمل أسماء رسمية، بل هي منظومة من القيم والثقة والعدالة وسيادة القانون. وحين تُستنزف هذه القيم بفعل الفساد، وتُدار مؤسسات الدولة بمنطق المصالح الضيقة، يصبح الحديث عن الإصلاح مجرد شعار يفقد معناه، ما لم يرافقه تغيير حقيقي في النهج والمسؤولية. لقد أثبتت تجارب الشعوب، قديماً وحديثاً، أن الذين اعتادوا…

بدعوة من اتحاد الجالية الكردية، شاركت ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا في أعمال المؤتمر الاتحادي الأول للغة الكردية، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين والسياسيين وممثلي المؤسسات التعليمية الكردية في المهجر ، بهدف تعزيز الجهود الرامية إلى حماية اللغة الكردية وصون الهوية الثقافية للأجيال الكردية في المهجر وبإشراف الاخ شفا بارزاني المشرف العام على الجالية الكردية في أوروبا. وخلال…

اكرم حسين يا أبناء شعبنا السوري الأبي أهالي قامشلو /القامشلي/ الأحرار….. الحضور الكريم اهلاً بكم جميعاً:…. نقف اليوم معاً ، لليوم السابع على التوالي، احتجاجاً على رفع أسعار المحروقات ، وغلاء المعيشة ، لنكون صوتاً واحداً باسم ، كل مواطن أنهكه الغلاء، وأثقلته الأزمات، وأرهقته سنوات الحرمان للمطالبة بالكرامة والعدالة والحقوق …. لسنا هنا من أجل الفوضى، ولسنا دعاة…