الكرد في الداخل السوري وإشكالية التمثيل السياسي (3)  الحاجة إلى قيادات وأحزاب تعبّر عن مصالح الكرد  في الداخل السوري :

د. مرشد اليوسف

شهد المجتمع الكردي في سوريا خلال العقود الماضية تحولات ديموغرافية واجتماعية وسياسية عميقة، أدت إلى تشكل فضاء كردي متنوع لا يقتصر على مناطق الجزيرة والفرات، بل يمتد إلى المدن السورية الكبرى مثل حلب ودمشق وحمص وحماة واللاذقية ودرعا وغيرها. وقد أنتج هذا الانتشار الجغرافي شريحة واسعة من الكرد يمكن تسميتها بـ”كرد الداخل السوري”، وهم أولئك الذين عاشوا أجيالاً متعاقبة داخل المدن والمراكز الحضرية السورية، واندمجوا في مؤسسات الدولة وسوق العمل والتعليم العالي، مع احتفاظهم بدرجات متفاوتة من الوعي والانتماء القومي الكردي.

ومع التحولات السياسية التي تشهدها سوريا، تبرز مسألة تمثيل هذه الشريحة كواحدة من القضايا السوسيولوجية والسياسية المهمة، إذ يثار التساؤل حول مدى الحاجة إلى قيادات سياسية وأحزاب خاصة بكرد الداخل السوري تكون قادرة على الدفاع عن مصالحهم وحقوقهم داخل المؤسسات التشريعية والتنفيذية للدولة.

ولا يمثل الكرد في المدن السورية مجرد امتداد ديموغرافي للكرد في المناطق ذات الأغلبية الكردية، بل يشكلون حالة اجتماعية مختلفة نسبياً نتجت عن عقود طويلة من التفاعل مع البيئة الحضرية السورية.

فقد عاش هؤلاء ضمن فضاءات اجتماعية متعددة القوميات والطوائف، وشاركوا في الحياة الاقتصادية والثقافية للمدن الكبرى، وتعرضوا في الوقت نفسه لعمليات اندماج ثقافي ولغوي متفاوتة.

 ولذلك نجد أن قسماً منهم فقد جزءاً من لغته الكردية أو تراجع استخدامها داخل الأسرة، بينما بقي الانتماء القومي حاضراً بوصفه مكوناً من مكونات الهوية الجماعية.

هذه الخصوصية جعلت أولوياتهم السياسية تختلف جزئياً عن أولويات المجتمعات الكردية الريفية أو الحدودية، إذ تبرز لديهم قضايا التمثيل في مؤسسات الدولة، والمساواة في الفرص، والمشاركة في الإدارة المحلية، والحضور في مراكز القرار الوطني.

وعانت القوى السياسية الكردية التقليدية تاريخياً من التركيز على المناطق الكردية الرئيسية، بينما بقيت التجمعات الكردية في المدن السورية الكبرى أقل حضوراً في البرامج التنظيمية والسياسية.

وقد أدى ذلك إلى شعور بعض النخب الكردية في الداخل بأن قضاياهم الخاصة لا تجد التمثيل الكافي، خصوصاً فيما يتعلق بالمشاركة في البرلمان، والوزارات، والإدارات المحلية، والنقابات المهنية، والجامعات، ومؤسسات الدولة المختلفة.

إن غياب قنوات تمثيلية متخصصة لا يعني غياب الانتماء القومي، بل يعكس فجوة بين البنية السياسية القائمة والواقع الاجتماعي المتغير للكرد السوريين.

وضمن هذا السياق تتطلب المرحلة القادمة ظهور قيادات سياسية واجتماعية منبثقة من البيئة الحضرية الكردية نفسها، والتي تمتلك فهماً عميقاً لاحتياجات هذه الشريحة ولطبيعة المجتمع السوري ككل.

فالقيادات الجديدة لا ينبغي أن تكون مجرد نخب رمزية، بل كوادر تمتلك خبرة في العمل البرلماني والإداري والقانوني والإعلامي، وقادرة على تحويل المطالب المجتمعية إلى مشاريع قوانين وسياسات عامة.

كما أن هذه القيادات مطالبة بالجمع بين ثلاثة أبعاد متكاملة:

– البعد القومي الذي يحافظ على الهوية الكردية.

والبعد الوطني الذي يرسخ الشراكة السورية.

والبعد المدني الذي يدافع عن حقوق المواطنة والديمقراطية.

ومن دون هذا التوازن قد تتحول المشاريع السياسية إلى أطر ضيقة تفقد قدرتها على التأثير في المجال العام.

إن تأسيس أحزاب أو تيارات سياسية تعبّر عن مصالح كرد الداخل لا يعني بالضرورة الانفصال عن الحركة السياسية الكردية العامة، بل يمكن النظر إليه بوصفه عملية تخصص وظيفي داخل المجال السياسي الكردي.

فكما تمتلك المجتمعات الحديثة أحزاباً تمثل العمال أو المزارعين أو سكان المدن أو المناطق المختلفة، يمكن أن تظهر أطر سياسية تعبر عن المصالح الخاصة للكرد المقيمين في المدن السورية الكبرى.

وتتمثل أبرز مهام هذه الأحزاب في

الدفاع عن التمثيل العادل في المؤسسات التشريعية.

وتعزيز الحضور الكردي في الوزارات والإدارات الحكومية.

وحماية الحقوق الثقافية واللغوية.

 دعم مشاركة الشباب والنساء في الحياة السياسية.

وبناء جسور التعاون مع القوى الديمقراطية السورية.

وتكشف تجارب الأقليات القومية في العديد من الدول أن الحفاظ على الهوية الثقافية وحده لا يكفي لضمان الحقوق السياسية.

فالهوية تحتاج إلى مؤسسات، والمؤسسات تحتاج إلى قيادات، والقيادات تحتاج إلى قواعد اجتماعية منظمة.

ومن هنا فإن التحدي الحقيقي أمام كرد الداخل السوري لا يكمن فقط في الحفاظ على شعورهم القومي، بل في تحويل هذا الشعور إلى قوة سياسية منظمة قادرة على التأثير في صناعة القرار.

إن الانتقال من الوجود الاجتماعي إلى الفعل السياسي يمثل المرحلة الأكثر أهمية في تطور أي جماعة قومية تسعى إلى حماية مصالحها داخل الدولة الحديثة.

ورغم أهمية هذا التوجه، فإنه يواجه جملة من التحديات، منها

خطر الانقسام والتشتت الحزبي.

وضعف الخبرة السياسية والتنظيمية لدى بعض النخب الجديدة.

 محدودية الموارد المالية والإعلامية.

وصعوبة بناء قواعد جماهيرية واسعة داخل المدن المختلطة.

غير أن هذه التحديات ليست استثنائية، بل تواجه معظم الحركات السياسية الناشئة في المراحل الانتقالية.

والحقيقة إن مستقبل الكرد في الداخل السوري لن يتحدد فقط من خلال التطورات الوطنية العامة، بل أيضاً من خلال قدرتهم على إنتاج نخبهم السياسية الخاصة وتنظيم مصالحهم ضمن أطر مؤسساتية فعالة.

فوجود قيادات وأحزاب تعبّر عن كرد المدن السورية يمكن أن يشكل خطوة مهمة نحو تعزيز المشاركة السياسية وتحقيق تمثيل أكثر توازناً داخل مؤسسات الدولة.

 كما أن نجاح هذه التجربة قد يسهم في بناء نموذج جديد من العمل السياسي الكردي يجمع بين الانتماء القومي والمواطنة السورية والمشاركة الديمقراطية.

وفي النهاية، فإن قوة أي جماعة اجتماعية لا تُقاس بعدد أفرادها فقط، بل بقدرتها على تنظيم نفسها وتحويل حضورها الاجتماعي إلى حضور سياسي مؤثر داخل مؤسسات الدولة والمجتمع.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عدنان بدرالدين حين سقط نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، بدا وكأن سوريا تقف أمام لحظة تأسيسية حقيقية. لم يكن السقوط مجرد حدث سياسي، بل نهاية شكل كامل من الحكم استمر أكثر من نصف قرن: دولة أمنية مركزية، تقوم على الخوف، وتختزل الوطن في السلطة، والسلطة في العائلة، والعائلة في شخص الحاكم. كان من الطبيعي أن يفتح…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* «إن جمهورية الإعدام الإسلامية الإيرانية قد هرمت جداً، لكن معنوياتنا لا تزال متقدة.. جمهورية الإعدام الإسلامية تتجه نحو نهايتها، أما نحن، فعلى قمة الجبل منشغلون بإنزال الشمس وجلبها إلى الأرض». هذه ترجمة لجزء من قصيدة للشاعر الكردي الشهير، شيركو بيكس، وكأنها نُظمت ليومنا هذا. النظام الإيراني في أضعف حالاته، والشعب الإيراني على عتبة الانتصار. بعبارة أخرى، الشعب…

عبد الرحمن كلو المشكلة ليست في المعارضة، بل في المنطلق المفاهيمي الذي يَختزل الوطنَ التاريخي في سلطةٍ عابرة. أطلق رئيسُ حركة الجيل الجديد، شاسوار عبد الواحد، عبارةً مفادُها أنه «إمّا أن تَسقط حكومةُ إقليم كوردستان، أو لن يبقى هناك إقليم»، وكرّرها في مؤتمره الصحفي بصيغٍ متقاربة. وقد لقيت العبارةُ موجةَ نقدٍ واسعة، تراوحت بين الاستنكار السياسي والاتهام الصريح. غير أن…

حسن قاسم ما تشهده المناطق الكوردية في سوريا اليوم من حراك شعبي واحتجاجات متصاعدة ليس حدثاً عابراً أو تفصيلاً هامشياً في المشهد السياسي، بل هو تعبير حيّ عن تراكم طويل من المعاناة والخذلان، وعن وعي جماهيري متنامٍ بحجم الحقوق المسلوبة والفرص المهدورة. إن هذا الحراك يستحق التقدير، لأنه يعيد الاعتبار لدور الشعب بوصفه المصدر الحقيقي لأي شرعية، ويؤكد أن الجماهير…