لا عاصم بعد اليوم… الجماهير تسدّ الأفق

حسن قاسم
ما تشهده المناطق الكوردية في سوريا اليوم من حراك شعبي واحتجاجات متصاعدة ليس حدثاً عابراً أو تفصيلاً هامشياً في المشهد السياسي، بل هو تعبير حيّ عن تراكم طويل من المعاناة والخذلان، وعن وعي جماهيري متنامٍ بحجم الحقوق المسلوبة والفرص المهدورة. إن هذا الحراك يستحق التقدير، لأنه يعيد الاعتبار لدور الشعب بوصفه المصدر الحقيقي لأي شرعية، ويؤكد أن الجماهير حين تتحرك تصبح قوة لا يمكن تجاوزها.
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن الشعوب لا تنهض دفعة واحدة، بل تبدأ بخطوات صغيرة تتسع تدريجياً حتى تصبح تياراً جارفاً. ومن هنا، فإن تطوير هذا الحراك يحتاج إلى قدر أعلى من التنظيم والانضباط. إن وجود مكان ثابت وواضح للتجمع، كأن يكون ساحة مركزية معروفة في المدينة، يمنح الاحتجاجات رمزية وثباتاً، ويحوّلها إلى مركز جذب شعبي وإعلامي، كما حصل في تجارب كثيرة غيّرت مسارات التاريخ.
الشعارات أيضاً بحاجة إلى التطور بما يعكس سقف المطالب الحقيقي. لم يعد مقبولاً الاكتفاء بالمطالب الخدمية أو الجزئية، في وقت تتراكم فيه الأسئلة الكبرى حول مصير الموارد والثروات العامة، وحول غياب الشفافية والمحاسبة. إن المطالبة بمحاسبة الفاسدين وتقديمهم إلى العدالة ليست مطلباً سياسياً فحسب، بل ضرورة أخلاقية ووطنية لحماية المجتمع من الانهيار.
في الوقت نفسه، فإن استمرار الاحتجاجات يتطلب حماية سلميتها وصمودها أمام أي محاولة للترهيب أو الاحتواء أو التشويه. من حق المواطنين، وفق المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، أن يعبّروا عن رفضهم للظلم والفساد، وأن يطالبوا بحياة كريمة وآمنة. هذا الحق لا يمكن مصادرته أو الالتفاف عليه.
الملاحظة اللافتة في هذا الحراك هي المشاركة المحدودة لبعض القوى السياسية الرئيسية، رغم أن اللحظة الراهنة تستوجب انخراطاً أوسع وأكثر وضوحاً. حين تكون مطالب الناس عادلة، يصبح التردد نوعاً من الانفصال عن نبض الشارع. كان يفترض أن تتحول هذه الساحات إلى مشهد جماهيري بعشرات الآلاف، لا أن تبقى ضمن أعداد محدودة.
التاريخ لا ينسى. كما خلّد اضرابات العمال في شيكاغو، وثورات الربيع العربي، وغيرها من المحطات المضيئة في تاريخ الشعوب ، فإنه سيسجل أيضاً هذه اللحظات التي قررت فيها الجماهير أن تقول كلمتها. وفي المقابل، سيسجل مواقف الذين اختاروا الصمت أو التردد أو الوقوف على الهامش.
إن الرسالة اليوم واضحة: لا عاصم بعد اليوم من إرادة الشعوب، ولا قوة تستطيع أن تحجب صوت الجماهير حين تقرر الدفاع عن حقوقها. الجماهير تسدّ الأفق، والتاريخ بدأ يكتب صفحة جديدة. ومن لا يكون جزءاً من هذه الصفحة، قد يجد نفسه خارجها تماماً.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبد الرحمن كلو المشكلة ليست في المعارضة، بل في المنطلق المفاهيمي الذي يَختزل الوطنَ التاريخي في سلطةٍ عابرة. أطلق رئيسُ حركة الجيل الجديد، شاسوار عبد الواحد، عبارةً مفادُها أنه «إمّا أن تَسقط حكومةُ إقليم كوردستان، أو لن يبقى هناك إقليم»، وكرّرها في مؤتمره الصحفي بصيغٍ متقاربة. وقد لقيت العبارةُ موجةَ نقدٍ واسعة، تراوحت بين الاستنكار السياسي والاتهام الصريح. غير أن…

إبراهيم اليوسف تشهد قامشلي منذ أربعة أيام وقفات احتجاجية وتظاهرات شعبية متواصلة أعادت المواطنين إلى الساحات العامة بعد سنوات طويلة من الضيق المعيشي، بل الاستبداد، وممارسة كل أدوات وضغوطات التهجير. إذ يشارك في هذه الوقفات وجوه يعرفها أبناء المدينة منذ انتفاضة آذار 2004 الكردية ومروراً بالمظاهرات التي انطلقت في نيسان 2011، وكان أوائل الداعين إليها: الشباب الكردي، إلى جانب وجوه…

عبدالجابر حبيب من حق الناس أن تتظاهر حين تجوع، ومن حقها أن ترفع صوتها حين تصبح الحياة أثقل من قدرتها على الاحتمال. فالأسعار ترتفع باستمرار، والرواتب تتآكل، والخدمات تتراجع، والكهرباء تتحول إلى طيف عابر، فيما أصبح الوقود، الذي يفترض أنه أحد أهم موارد المنطقة وهماً لا وجوداً حقيقياً له في حياة المواطنين، وكان من الواجب أن يكون وسيلة أساسية لتخفيف…

المهندس عباس حمدوش هذا المقال لا يهدف إلى الدفاع عن أي حزب أو جهة أو شخصية بعينها، ولا إلى تبرئة أحد من الأخطاء. فكل حزب، أو منظمة، أو شخصية عامة، معرضة للنقد والمساءلة عندما تخطئ. والمقصود عند الحديث عن الأحزاب السياسية الكردية ليس جميع الأحزاب دون استثناء، وإنما بعض الأحزاب والقوى السياسية، إلى جانب منظمات المجتمع المدني، والشخصيات الوطنية، والإعلاميين،…