حين يُحاسَب المواطن على الهواء: شمال شرق سوريا.. الانهيار الصامت.

هجار أمين

من المفارقات التاريخية القاسية أن التجارب السياسية التي يُراد لها أن تكون حلاً، قد تتحول بفعل الإهمال وسوء التقدير إلى مشكلة أشد وطأة من سابقتها، هذا تماماً ما حدث في مناطق شمال شرق سوريا، بعد اتفاق 29 كانون الثاني بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والحكومة السورية. فما كان يُؤمَّل أن يكون “اندماجاً” يعيد اللحمة الوطنية ويحسن ظروف المعيشة، تحول إلى نموذج صارخ لكيفية إغراق منطقة بأكملها في دوامة العوز واللايقين.

لنكن صريحين، لم يكن الوضع قبل الاتفاق جنة، كان هناك انقسام سياسي وإداري حاد، لكن الديناميكية على الأرض خلقت حالة من التوازن الهش الذي وفر، ولو بالحد الأدنى، مقومات الحياة اليومية لملايين السوريين في الحسكة والرقة ودير الزور. آنذاك، كانت هناك رواتب، موظفو الإدارة الذاتية المدنيون والعسكريون يتقاضون رواتبهم، وموظفو الحكومة السورية يتقاضون رواتبهم، هذا الازدواج الإداري، رغم غرابته السياسية، خلق سيولة مالية في الأسواق وحافظ على دورة اقتصادية بسيطة، كان عامل النظافة، والمعلم، والمقاتل، جميعهم يملكون ما يسدون به رمق أسرهم.

أضف إلى ذلك، شبكة واسعة من منظمات المجتمع المدني المحلية والدولية كانت تعمل بحرية نسبية، تضخ مساعدات، تشغل موظفين محليين، وتقدم خدمات طارئة، هذه المنظمات لم تكن مجرد جهات مانحة، بل كانت جزءاً من نسيج اقتصادي هش، حيث كان المواطن في دير الزور، كما في الرقة والحسكة، يمتلك خيارات، مهما كانت ضيقة، للعيش بكرامة، كان هناك أمان نسبي، وكانت الحياة تسير على قدم وساق، رغم كل الجراح.

اليوم، وبعد أشهر من التوقيع، يمكن القول بثقة أن “الاندماج” تحول إلى عملية تفكيك ممنهجة لمقومات الحياة، لقد انتقلنا من حالة الازدواجية التي كانت توفر الحد الأدنى، إلى حالة من الفراغ القاتل، المأساة ليست فقط في غياب الخدمات، بل في الصمت المطبق الذي يقابل معاناة الناس.

لنأخذ تسعيرة القمح كمثال صارخ. الفلاح الذي كان يشكل العمود الفقري لاقتصاد الجزيرة، وجد نفسه أمام تسعيرة لا تغطي كلفة البذار والحراثة، ناهيك عن قوت عائلته، هذه السياسة ليست مجرد خطأ اقتصادي، بل هي قرار بتجويع مئات الآلاف ودفعهم نحو هاوية الدين والعوز، إنها رسالة واضحة بأن الدولة، بأي شكل من أشكالها، إما غائبة أو غير مكترثة.

ولكن المأساة لا تقف عند أبواب الفلاحين، هناك انهيار موازٍ لا يقل فداحة، وهو الانهيار المنظم لقطاع العمل الإنساني والمجتمع المدني، الذي تحول من شبكة أمان لملايين البشر إلى هيكل فارغ يلفظ أنفاسه الأخيرة. قبل اتفاق الاندماج المشؤوم، كانت مناطق الجزيرة السورية تعج بمئات المنظمات الدولية والمحلية، لم تكن هذه المنظمات مجرد مكاتر تقدم مساعدات عابرة، بل كانت شريان الحياة الفعلي، كانت تشغل عشرات الآلاف من الموظفين المحليين من مهندسين وأطباء وإداريين وعمال إغاثة وحتى المياومة، كل واحد منهم خلفه عائلة، والتزامات، وكرامة، كانت هذه المنظمات تضخ ملايين الدولارات شهرياً في شرايين الاقتصاد المحلي عبر الرواتب والإيجارات والعقود والخدمات اللوجستية، لتشكل بذلك ركيزة أساسية من ركائز الصمود المجتمعي.

اليوم، وبتوجيه سياسي واضح وممنهج، انهار هذا القطاع الحيوي بأكمله، القرار السياسي بإفراغ المخيمات ونقل الثقل الإنساني إلى مناطق أخرى، تلاه انتقال شبه كامل للمنظمات الدولية إلى العاصمة دمشق، حيث أعيد تمركز العمليات الإنسانية وفق حسابات بيروقراطية وسياسية لا علاقة لها بحجم الاحتياج على الأرض، النتيجة كانت كارثية، مئات المنظمات المحلية التي بنيت بخبرات محلية وبجهود جبارة طوال سنوات الثورة والحرب، وجدت نفسها فجأة دون تمويل، أُغلقت الأبواب واحداً تلو الآخر، وسُرّح آلاف الموظفين في مشهد جماعي مأساوي.

هؤلاء الموظفون المسرحون ليسوا مجرد أرقام في تقارير البطالة، كل واحد منهم هو قصة معاناة، رب أسرة كان يقتات من راتبه، شاب كان يبني مستقبله، امرأة كانت تعيل أيتاماً، لقد أُلقوا جميعاً في الشارع بلا رحمة ولا خطة بديلة ولا شبكة أمان، هم اليوم بلا عمل، بلا دخل، بلا أمل، هذه ليست مجرد أزمة قطاعية، بل هي انتحار اقتصادي واجتماعي جماعي، إنه تدمير ممنهج لكل ما تبقى من بنى قادرة على الصمود، وقرار غير مكتوب بدفع مئات الآلاف نحو هاوية الفقر المدقع والعوز الأبدي، والرسالة هنا أشد قسوة من رسالة تسعيرة القمح، الدولة، بكل تجلياتها، لا ترى في مواطني هذه المنطقة إلا أوراقاً للمساومة، تُحرق متى ما انتهت الحاجة إليها.

أما “اندماج المؤسسات المدنية والعسكرية”، فكان الضربة القاضية، تحول إلى بطالة مقنعة ومأساوية، آلاف الموظفين المدنيين والعسكريين السابقين في الإدارة الذاتية، الذين بنوا خبراتهم طيلة سنوات الحرب، جلسوا في بيوتهم بلا رواتب، بلا أفق، ينتظرون القدر، الجريمة الكبرى هنا هي تجميد طاقات بشرية هائلة ودفعها إلى مستنقع اليأس، في الوقت ذاته، موظفو الحكومة السورية أيضاً يعانون من انهيار القدرة الشرائية لرواتبهم المتدنية أصلاً، الكل خاسر.

والنتيجة؟ انقطاع شبه كامل للخدمات الأساسية، المياه مقطوعة لسنوات طويلة، الكهرباء أضحت حلماً، الغاز، الامازوت، البنزين، مفقودين، وحتى المولدات والرواتب شبه منعدمة، قيل لنا مازحين بمرارة: “فقط بقي الهواء لم ينقطع بعد، ولكن سيأتي يوم وحتى الهواء سيحاسب عليه المواطن ويدفع الثمن” هذه النكتة السوداء تلخص شعوراً عاماً بالخذلان المطلق من قبل كل الأطراف، الحكومة السورية التي تمسك بالملف من بعيد دون قدرة أو رغبة حقيقية في الحل، وقسد التي أظهرت فشلاً ذريعاً في إدارة هذا الملف، وكأنها تقول لشعبها “بعد كل هذه التجربة، لم نعد نبالي”.

في غياب الدولة، أو حتى في ظل وجودها الهش، لا يسود الفراغ، بل تسوده الفوضى. واليوم، نحن نعيش في غابة حقيقية، القانون غائب أو مطبق على الضعفاء فقط، اتسعت دائرة الفقر بشكل مرعب، وابتلعت الطبقة الوسطى التي كانت تشكل صمام أمان المجتمع، ومع اتساع الفقر، اتسعت معه دائرة البطالة، ومعها جاءت الجريمة المنظمة والانفلات الأمني، لم يعد المواطن يخاف من عقاب القانون، بل أصبح همه الوحيد كيف يؤمن لقمة عيش أطفاله.

لقد نشأت طبقية مقيتة: هناك من هو “مرفه” بفضل المحسوبيات والفساد وطرق ملتوية، وهناك الغالبية العظمى التي تعيش تحت خط الفقر المدقع، هذه الفجوة ليست مجرد أرقام اقتصادية، بل هي قنبلة اجتماعية موقوتة، إن خلق هذا النوع من الظلم الاجتماعي في منطقة أنهكتها الحرب، هو وصفة أكيدة لكوارث مستقبلية لا تُحمد عقباها، من ثورات جياع، إلى تفكك أسري، إلى تجنيد اليائسين في صفوف التطرف والجريمة.

أيها السادة في الحكومة السورية، في قيادة قسد، في قيادة المجلس، وفي كل القوى السياسية الفاعلة، إن ما يحدث في شمال شرق سوريا ليس مجرد أزمة معيشية، إنه انهيار لدولة، وتفكيك لمجتمع، وإعلان إفلاس أخلاقي وسياسيء إنكم تتقاسمون الإثم معاً، كل طرف بتقصيره، بفساده، أو بتخليه عن مسؤوليته، المجتمع الدولي ومنظمات المجتمع المدني، التي كانت يوماً شريان حياة، تقف اليوم عاجزة أو غائبة أمام حجم الكارثة.

المجتمع المحلي، بأفراده، عشائره، قياداته ونخبه، ليس مجرد ضحية، يجب أن يتحرك ويتكاتف، أن يعيد بناء جسور التضامن والتماسك الاجتماعي التي هدمتها الحرب والسياسات الفاشلة، أن يضغط بكل الوسائل السلمية الممكنة لاستعادة الحق في الحياة.

التحذير الأخير واضح كالشمس، إذا استمر هذا الوضع، إذا بقي المواطن يُحاسب حتى على الهواء الذي يتنفسه، إذا اتسعت الهوة بين المرفهين والفقراء، وإذا ظل القانون غائباً، فإننا نسير بخطى ثابتة نحو انفجار شامل، لن يكون انفجاراً سياسياً منظماً، بل فوضى عارمة تأكل الأخضر واليابس، وستبتلع الجميع دون استثناء.

لقد فشل “الاندماج” في تحقيق أي أمان، فهل سننتظر حتى يفشل “الاندماج” الإنساني ويدفع الجميع ثمن هذا الفشل من دمائهم وأشلائهم؟ الوقت ينفد، وكل يوم يمر دون حل حقيقي هو خطوة أخرى نحو الهاوية، على الجميع أن يتحرك الآن، قبل فوات الأوان.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

تحل في الرابع والعشرين من حزيران الذكرى الثانية والخمسون لتطبيق مشروع الحزام العربي العنصري، الذي بدأ نظام البعث بتنفيذه عام 1974 بموجب القرار رقم (521)، استنادا إلى المخطط الشوفيني الذي وضعه محمد طلب هلال عام 1962، والذي استهدف الوجود القومي للشعب الكوردي في كوردستان سوريا، وسعى إلى فرض واقع ديموغرافي جديد يخدم السياسات القومية العنصرية للنظام على حساب الحقوق التاريخية…

في الرابع والعشرين من حزيران من كل عام، يستحضر شعبنا في كردستان سوريا ذكرى تنفيذ أحد أخطر المشاريع القمعية والتمييزية التي تبنّاها النظام البعثي البائد، والمتمثّل بـ”مشروع الحزام العربي” في محافظة الحسكة. فبعد مرور 52 عاماً على انطلاق هذا المشروع الاستيطاني، الذي استهدف تغيير البنية السكانية والديموغرافية للمنطقة الكردية ، عبر إقامة شريط استيطاني بعمق 15 كيلومتراً على طول الحدود…

عبد الرحمن كلو قراءةٌ تحليلية في مفارقةٍ استراتيجية: لماذا يشتدّ الضغطُ على إقليم كوردستان في ذروة ضعف خصومه؟ تَفترض القراءاتُ السياسية التقليدية أن تراجعَ قوّة المحور الإيراني — لا سيّما بعد الحرب الأخيرة، والضغطِ المتصاعد على أذرعه في العراق ولبنان واليمن، وتجفيفِ السيولة المالية لميليشياته — يُفضي تلقائيًّا إلى صعود حلفاء الغرب في المنطقة. ووفقًا لهذه المعادلة، كان المتوقَّع أن…

شادي حاجي في كل موسم حصاد تقريباً، يتكرر المشهد نفسه في محافظة الحسكة: حقول تحترق، ومزارعون يركضون خلف النيران بوسائل بدائية، وخسائر تتراكم في واحدة من أهم المناطق الزراعية في سوريا. الجديد ليس وقوع الحرائق، بل استمرار عجز الجهات المسؤولة عن منعها أو التعامل معها بالسرعة والكفاءة المطلوبتين. ما يحدث لم يعد مجرد حوادث موسمية متفرقة يمكن تبريرها بالظروف الجوية…