سعيد يوسف
قَدَرُ الشعب الكوردي، أنّ جغرافيته الأزلية تتوسط عدّة جغرافيات تنفّذ سلطاتها الشوفينية المتحالفة أشرس أساليب العدوان والتآمر ضده فمن مجازر العثمانيين والكماليين، ومجازر حكومة أردوغان المعاصرة، وإلى فتوى الجهاد المقدس الخمينية وما قبله وما بعده، و وصولًا إلى جريمة حلبچة وجرائم الأنفال، وجريمة الحزام العنصري التي حاكها البعث الشوفيني ونفّذها الدكتاتور الأسد. كلّها تستهدف السطو على جغرافية كوردستان ومحو هويّة الكورد وإبادته إثنياً وثقافياً.
ما هو مشروع الحزام العربي :
هو مشروع سياسي عنصري بامتياز ولا يستند لأي شرعية قانونية. هدفه الأساسي تعريب منطقة الجزيرة ذات الغالبية الكوردية ، عبر آلية تغيير ديمغرافية، وسطو واستيلاء على أراضي زراعية مملوكة لسكانها الكورد الأصليين، وجرى توزيعها على عائلات عربية تمّ استقدامهم من محافظات الرقة وحلب ومنطقة الطبقة، أولئك الذين غمرت مياه سدّ الفرات أراضيهم، ولهذا يعرفون في المنطقة بعرب الغمر. بينما سوّقت السلطة البائدة المشروع باسم الحزام الأخضر.
مواصفات المشروع :
يمتد المشروع من شرق مدينة ديريك، وحتى غرب مدينة سرى كانية (رأس العين) وبمحاذاة الشريط الحدودي مع تركيا شمالًا، بطول (٢٧٥-٣٥٠) كم. (حسب المصدر) وعمق يتراوح بين (١٠-١٥) كم. وبمساحة اجمالية قدّرت بحوالي /٣/ ملايين دونم من الأراضي المطرية الخصبة التي تعرف بخط العشرة. تمّ بناء (٣٩) مستوطنة/ قرية نموذجية فيها مجهزة بكافة الخدمات من ماء وكهرباء ومدارس ومستوصفات. تكفّلت الدولة بكل نفقات التجهيز بما فيها تكاليف نقل العائلات التي قُدّرت بحوالي (٤٠٠٠) عائلة، وكتلة بشرية قُدّرت بحوالي (٤٠٠٠٠) ألف نسمة. ساهمت بزيادة النسبة المئوية للمكوّن العربي، بحوالي ستة بالمائة على مستوى محافظة الحسكة.
بدايات التعريب تاريخيًا والإعداد المعاصر للمشروع :
فكرة التعريب ليست جديدة، فقد بدأها عمر بن الخطاب الذي عمل على توطين القبائل العربية في المناطق التي تم احتلالها منذ موجة الغزو العربي الإسلامي للمناطق والبلدان المجاورة، كما قسم عياض بن غنم مناطق مابين النهرين التي احتلها تحت ثلاث مسميات : ديار بكر وديار ربيعة وديار مضر(راجع البلاذري ، فتوح الجزيرة والخابور..) وظهرت العنصرية جلية خلال فترة حكم بني أمية وخاصة زمن خلافة عبدالملك بن مروان، وحاكم بغداد والعراق الحجاج بن يوسف الثقفي، ولم تنقطع حتى يومنا هذا.
أما معاصراً، ولكي تشرعن الحكومة السورية حملات التعريب وتضعها في إطار قانوني فقد بدأت بإصدار مجموعة من القرارات والمراسيم منها قانون الإصلاح الزراعي رقم/١٦١/ لعام ١٩٥٨، والمرسوم التشريعي رقم ١١٠٩ تاريخ ١٩٦٣. وإجراءات أخرى كثيرة يطول ذكرها.
استكملتها بتنفيذ الإحصاء الجائر بتاريخ ٥/١٠/١٩٦٢/ وكان من نتائجه تجرّيد أكثر من /١٥٠/ ألفًا من كورد الجزيرة من الجنسية وحقوق التملك والسفر والعمل والتوظيف، وعراقيل قاسية جداً للراغبين من أبنائها بالدراسة. وجاءت هذه الإجراءات متكاملة مع التوصيات الإثنتي عشرة العنصرية المتطرفة لضابط الأمن السياسي في محافظة الحسكة محمد طلب هلال، التي صاغها في كراسه الموسوم باسم : “دراسة عن محافظة الجزيرة من النواحى القومية والاجتماعية والسياسية”. وأكثر ما أثار دهشتي واستغرابي في كرّاس هذا المجرم ومؤازريه هو حجم الكراهية والحقد الدفين في كل كلمة من كتيّبه المسموم، إلى جانب رفع كلمة الشعب عن الكورد، و وصفهم بقطاع الطرق ومثيري الفتن، وأن لا تاريخ لهم، ولا وطن، ولا لغة. أراهن لو سنح له المجال أكثر لنفّذ أكير المجازر بحق الكورد.
مراحل تنفيذ المشروع معاصراً :
بدأت المرحلة الأولى في أعوام (١٩٥٩-١٩٦٠).حيث تمّ جلب مستوطنين من محافظات درعا والسويداء وحماة وإدلب، جرى توطينهم في عشر قرى من حوض الخابور منها : العريشة والمناجير والأربعين وغيرها .
أمّا المرحلة الثانية فقد بدأت في أعوام (١٩٧٤-١٩٧٥). بمجب القرار (٥٢١). الصادر عن القيادة القطريه لحزب البعث. بعد أن جرى بناء /٣٩/ مستوطنة اختير لها أسماء عربية صرفة، لا وجود لها في تاريخ المنطقة مثل : قرية المتنبي والمناذرة …على طول الشريط الحدودي مع تركيا، لاسكان عناصر عربية تم نقلهم كما ذكرت سابقاً من محافظة حلب والرقة والطبقة وبإشراف مباشر من عضوي القيادة القطرية محمد جابر بجبوج، وعبدالله الأحمد، مع حراسة أمنية مشددة. ومن أشهر هذه المستوطنات :
- في منطقة القامشلى وعددها /١٢/ مستوطنة منها الحرمون، قحطانية، أم الفرسان..الخ
- في منطقة ديريك/١٢/ مستوطنة منها عين الخضرة، المصطفاوية، الجوادية، تل علو..الخ
- في منطقة سرى كانية/١٥/ مستوطنة، منها تل تشرين ، القنيطرة ، قيروان ، الأسدية، الدهماء…الخ
وقفت بعض الأحزاب الكوردية وقتها ضد المشروع العنصري الجائر، ودفع بعض قادتها ومسؤوليها سنواتٍ طويلة من عمرهم خلف قضبان سجون الفاشية العربية وصلت أقصاها إلى ثماني سنوات.
منهم : دهام ميرو، كنعان عكيد، محمد نذير مصطفى، أمين كولين، خالد مشايخ، عبدالله ملا علي، محمد فخري، وحميد سينو لأكثر من سنتين. رحم الله الراحلين منهم، وأمدّ الأحياء بالصحة والعافية.
والسؤال الذي يفرض حضوره الآن. ها قد ولّى حكم البعث الشوفيني العنصري، وسقط حكم عائلة الأسد الديكتاتور والمجرم. وبعد مرور اثنين وخمسين عاماً على تنفيذ المشروع الذي يصنف ضمن خانة الجرائم ضد الإنسانية. وبينما سوريا على عتبة مرحلة جديدة، فهل السلطة الجديدة قادرة أو راغبة في إنصاف المظلومين وإعادة حقوقهم المسلوبة إليهم.
لا شك أنّ القضية معقدة، ومن السابق لأوانه البت في إعطاء جواب، ورغم أني لست متفائلًا، لكن هذا لا يعني الاستسلام للأمر الواقع، بل المطلوب هو بذل جهود جبارة وحثيثة، ذلك أنّ الحقوق لا تموت بالتقادم بل تموت بالتقاعس والجبن، من هنا لابدّ من تكثيف الجهود على كل المستويات : أصحاب الحقّوق، والأحزاب السياسية، المثقفون، المنظمات الحقوقية الدولية والإقليمية والمحلية.
حسكة/٢٤/٦/٢٠٢٦/.