أين هو المثقف الكردي الحر؟

صبحي دقوري
الجواب :
نعم، يمكن أن يكون هناك مثقف كردي شريف وحرّ، ولكن بشرط ألا نخلط بين ثلاثة أشخاص مختلفين: المتعلّم، والكاتب، والمثقف. ليس كل من يحمل شهادة مثقفًا، وليس كل من يكتب مقالًا مثقفًا، وليس كل من يدافع عن قضيته مثقفًا حرًّا. المثقف، بالمعنى الفرنسي العميق، هو الذي يجعل من المعرفة مسؤولية عمومية، ومن الكلمة موقفًا أخلاقيًا، ومن الحقيقة قضية شخصية يدفع ثمنها إن لزم الأمر.
في فرنسا، لم يولد معنى “المثقف” من الجامعة وحدها، بل من لحظة المواجهة: من قضية دريفوس، ومن خروج إميل زولا إلى الفضاء العام برسالته الشهيرة «J’accuse…!» في 13 كانون الثاني/يناير 1898 دفاعًا عن رجل ظُلم باسم الدولة والجيش والقضاء والرأي العام. هنا صار الكاتب أكثر من أديب: صار ضميرًا يتكلم ضد المؤسسة حين تخون العدالة.
أما عند جوليان بندا، في كتابه خيانة المثقفين الصادر سنة 1927، فالمثقف الحقيقي هو الذي لا يبيع الحقيقة للعصبية، ولا يجعل الفكر خادمًا للقبيلة أو الحزب أو الدولة أو الشهوة القومية العمياء. بندا كان يرى أن خيانة “الكليرك” أو صاحب الضمير العقلي تبدأ حين يتخلى عن قيم الحق والعدل والعقل لصالح الانفعال السياسي والمصلحة الجماعية الضيقة.
وباسكال بونيفاس، في Les intellectuels intègres، يضع المسألة في قلب النزاهة الفكرية: المشكلة ليست في اختلاف الرأي، بل في وجود “مثقفين” يتلاعبون بالحقائق، ويتحولون إلى نجوم إعلام، ويتكلمون باسم الأخلاق وهم يمارسون الانحياز والانتقاء والاحتيال الرمزي. الكتاب صدر سنة 2013، وتصفه دار البيع بأنه يتمحور حول النزاهة في الحياة العامة، خصوصًا في فضاء الأفكار حيث يُتسامح أحيانًا مع المزيفين أكثر مما يُتسامح مع السياسيين الفاسدين.
من هنا يمكن القول: المثقف الكردي الشريف الحر هو ذلك الذي لا يكتفي بأن يكون كرديًا، بل يجعل من كرديته امتحانًا أخلاقيًا للمعرفة.
ليس المثقف الكردي الحر هو من يصرخ أكثر، ولا من يسبّ الأعداء أكثر، ولا من يرفع العلم أكثر، ولا من يكتب مرثية طويلة عن الجبل والمنفى والدم. هذه أشياء قد تكون صادقة، لكنها لا تكفي. المثقف الكردي الحقيقي هو من يحوّل الوجع إلى معرفة، والذاكرة إلى أرشيف، والقضية إلى لغة مفهومة للعالم، والظلم إلى ملف قانوني، والهوية إلى مشروع حضاري، لا إلى نشيد مغلق على ذاته.
السؤال :أين هو؟
هو موجود، لكنه غالبًا مشتّت، محاصر، غير مؤسّسي. يوجد في المترجم الذي ينقل كردستان إلى لغات العالم، وفي الباحث الذي يوثّق المجازر والإنكار، وفي الروائي الذي يجعل الإنسان الكردي شخصية كونية لا فولكلورًا محليًا، وفي المؤرخ الذي ينقذ الذاكرة من الشفاهية، وفي القانوني الذي يحوّل المظلومية إلى حجة، وفي الفنان الذي يجعل اللون شهادة، وفي الناشر الذي يبني مكتبة بدل أن يكتفي بالشكوى.
لكنه غائب أيضًا. غائب حين يتحول إلى تابع للزعيم. غائب حين يخاف من نقد “جماعته”. غائب حين يخلط بين الدفاع عن القضية وتبرير أخطاء أهل القضية. غائب حين يصبح مثقف حزب، أو مثقف عشيرة، أو مثقف صورة، أو مثقف مناسبة، أو مثقف منشور عابر. المثقف الكردي الحر لا يستطيع أن يكون بوقًا. قد يكون منحازًا إلى شعبه، نعم، بل يجب أن يكون منحازًا إلى حق شعبه، لكنه لا يملك حق تزوير الحقيقة باسم هذا الانحياز.
موقعه الحقيقي ليس في الهامش، بل على الحدود.
على الحدود بين الشعب والعالم، بين الذاكرة والوثيقة، بين اللغة الأم واللغات الكبرى، بين الجبل والجامعة، بين الجرح والقانون، بين الشعر والسياسة، بين الرواية والأرشيف. المثقف الكردي لا يكفي أن يخاطب الكرد عن الكرد؛ مهمته الأعمق أن يخاطب العالم عن الكرد بلغة يفهمها العالم، وأن يخاطب الكرد عن أنفسهم بلغة توقظهم لا تخدّرهم.
أما ماذا عمل؟ فالجواب مؤلم ومزدوج. لقد عمل كثيرًا على مستوى الأفراد، وقليلًا على مستوى المؤسسة. لدينا شعراء، روائيون، باحثون، مترجمون، موسيقيون، فنانون، مؤرخون، صحفيون، سجناء رأي، منفيون، شهداء كلمة. لكن هل لدينا مؤسسة فكرية كردية كبرى؟ هل لدينا أكاديمية كردية عالمية؟ هل لدينا أرشيف وطني جامع؟ هل لدينا مراكز ترجمة محترفة؟ هل لدينا مجلات فكرية بلغات العالم؟ هل لدينا “بانتيون” رمزي للمثقفين الكرد؟ هل لدينا نقد داخلي لا يُعدّ خيانة؟ هنا تبدأ الفضيحة.
المثقف الكردي، في معناه الأعلى، لم يُعطَ بعدُ مكانته. السياسة سبقت الثقافة، والحزب سبق الكتاب، والسلاح سبق الأرشيف، والخطابة سبقت النظرية. لذلك بقيت القضية الكردية، في كثير من الأحيان، قضية عادلة بلغة غير كافية. والحق إذا لم يجد لغته القوية قد يبدو، أمام العالم، كأنه مجرد شكوى.
كيف يعيش المثقف الكردي الحر؟
يعيش غالبًا بين ثلاث عزلات: عزلة عن السلطة التي لا تحب الأسئلة، عزلة عن الجماعة التي تريد منه التصفيق لا النقد، وعزلة عن العالم الذي لا يصغي إلا لمن يحسن لغته ومصطلحاته. يعيش بين الخوف والكرامة، بين الحاجة والاستقلال، بين الذاكرة والمنفى. وقد يعيش فقيرًا، مهمّشًا، متعبًا، لكنه لا يعيش بلا بوصلة. بوصلة المثقف الحر هي: لا أكذب، لا أصفق للباطل، لا أبيع قلمي، لا أختصر شعبي في حزب، ولا أختصر الحقيقة في شعار.
صفاته؟ أراها في سبع خصال:
أولًا، النزاهة: أن يقول عن أخطاء قومه ما يقوله عن أخطاء خصومهم، ولكن بلغة لا تخدم العدو ولا تبرئ الذات.
ثانيًا، الشجاعة: لا شجاعة الشتيمة، بل شجاعة الموقف المكلِف.
ثالثًا، المعرفة: أن يقرأ التاريخ والقانون والفلسفة واللغات، لا أن يكتفي بالحماسة.
رابعًا، الاستقلال: ألا يكون موظفًا عند السلطة الرمزية أو السياسية.
خامسًا، القدرة على الترجمة الحضارية: أن يشرح الكرد للعالم، ويشرح العالم للكرد.
سادسًا، النقد الذاتي: لأن الأمة التي لا تنتج نقدها الداخلي تبقى سجينة أساطيرها.
سابعًا، الوفاء للإنسان قبل الشعار: لأن القضية الكردية لا تنتصر حين تصبح قومية مغلقة، بل حين تظهر بوصفها قضية حرية وعدالة وكرامة إنسانية.
أما السؤال الأخطر: هل هناك مثقف كردي بالمعنى الحقيقي، كما هناك مثقف فرنسي؟
أقول: هناك أفراد يقتربون من هذا المعنى، لكن لم تتشكل بعدُ “طبقة مثقفة كردية” بالمعنى الفرنسي الكامل. في فرنسا، المثقف جزء من تاريخ طويل: صحافة، جامعات، دور نشر، صالونات، معارك فكرية، محاكمات، بيانات، مدارس فلسفية، تقاليد نقدية. أما الكردي فقد عاش غالبًا تحت المنع، التهجير، الإنكار، قمع اللغة، انقسام الجغرافيا، ومطاردة الذاكرة. لذلك لا يجوز أن نقيسه بالمعيار الفرنسي من غير أن نرى اختلاف الشروط. لكن لا يجوز أيضًا أن نجعل القمع عذرًا أبديًا للضعف.
المثقف الفرنسي وُلد من الدولة الحديثة، حتى وهو يعارضها. المثقف الكردي وُلد غالبًا من غياب الدولة، ومن شظايا الجغرافيا. الأول يواجه سلطة قائمة، والثاني يواجه سلطة الغير وفراغ الذات في آن واحد. لذلك مهمته أعقد: عليه أن يكون زولا وبندا وبونيفاس ومؤرخًا ومترجمًا وناشرًا ومؤسسًا في الوقت نفسه.
لكن كيف نعرفه؟
نعرفه من أثره لا من لقبه.
نعرفه من كتبه لا من صوره.
نعرفه من قدرته على قول “لا” حين يقول الجميع “نعم”.
نعرفه من لغته: هل توسّع الوعي أم تؤجج الغريزة؟
نعرفه من علاقته بالحقيقة: هل يستخدمها أم يخدمها؟
نعرفه من موقفه من الضعيف: هل يدافع عن الحرية فقط حين تخصه، أم يدافع عنها حتى لخصمه؟
نعرفه من إنتاجه: هل ترك نصًا، أرشيفًا، ترجمة، مؤسسة، مدرسة، ذاكرة، أم ترك ضجيجًا؟
المثقف الكردي الشريف ليس ملاكًا، ولا قديسًا، ولا نبيًا سياسيًا. إنه إنسان يعرف أن شعبه مظلوم، ولكنه يعرف أيضًا أن المظلومية لا تمنح صاحبها عصمة. يعرف أن للكرد حقًا تاريخيًا وجغرافيًا وثقافيًا، لكنه يعرف أن الحق يحتاج إلى عقل، وإلى لغة، وإلى وثيقة، وإلى مؤسسة، وإلى أخلاق.
وأخشى ما أخشاه أن يتحول المثقف الكردي إلى واحد من ثلاثة:
إما شاعر رثاء أبدي، لا يخرج من البكاء؛
أو موظف دعاية، لا يخرج من التصفيق؛
أو غاضب عدمي، لا يرى في العالم إلا خيانة.
أما المثقف الكردي الذي نحتاجه فهو رابع هؤلاء: المثقف البنّاء. الذي يحزن ولا ينهار، يغضب ولا يكذب، ينتمي ولا يستعبد عقله، يحب شعبه ولا يحوّله إلى صنم، ينتقد خصومه ولا يتعلم منهم القسوة، وينتقد أهله لا ليهدمهم بل ليمنعهم من تكرار أخطاء التاريخ.
لهذا، حين نسأل: أين المثقف الكردي الشريف الحر؟
فالجواب ليس: إنه فلان أو فلان فقط.
الجواب الأعمق: إنه مشروع لم يكتمل بعد.
إنه ينتظر جامعة كردية كونية، وموسوعة كردية كبرى، ومركز ترجمة، ودار نشر عابرة للغات، وأرشيفًا للذاكرة، ونقدًا لا يخاف، وكتّابًا لا يخلطون بين الكرامة والغرور، ولا بين القضية والزعيم، ولا بين الشعب والحزب.
المثقف الكردي الحقيقي هو من يستطيع أن يقول للعالم:
نحن لسنا حكاية جبل فقط، نحن فكرة عدالة.
ولأهله:
لسنا ضحايا فقط، نحن مسؤولون أيضًا عن صورة أنفسنا.
وللسلطة:
لا طاعة حيث تُهان الحقيقة.
وللتاريخ:
لن أتركك في يد المنتصرين وحدهم.
هذا هو المثقف الكردي الشريف الحر:
ضمير لا يُستأجر، عقل لا يُصادر، قلم لا يتحول إلى بوق، وذاكرة لا تقبل أن تُدفن مرتين: مرة بيد العدو، ومرة بيد الصمت.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سعيد يوسف   قَدَرُ الشعب الكوردي، أنّ جغرافيته الأزلية تتوسط عدّة جغرافيات تنفّذ سلطاتها الشوفينية المتحالفة أشرس أساليب العدوان والتآمر ضده فمن مجازر العثمانيين والكماليين، ومجازر حكومة أردوغان المعاصرة، وإلى فتوى الجهاد المقدس الخمينية وما قبله وما بعده، و وصولًا إلى جريمة حلبچة وجرائم الأنفال، وجريمة الحزام العنصري التي حاكها البعث الشوفيني ونفّذها الدكتاتور الأسد. كلّها تستهدف السطو على جغرافية…

د. محمود عباس تحريف قصيدة عدي بن زيد وتعويم الذاكرة الساسانية لم يكن تحريف تاريخ الشعب الكوردي حادثة عابرة، ولا خطأً منفردًا في رواية هنا أو نسخة هناك، بل يبدو، كلما تعمقنا في النصوص القديمة، وكأنه مسار طويل من الإزاحة والمحو والتذويب. والغريب في هذه الظاهرة أنها لا تبدأ في الأزمنة الحديثة وحدها، ولا مع الدول…

أ. د. سربست نبي تبرز التحديات المجتمعية والتنموية والسياسية أمام كل ديمقراطية ناشئة طبقاً لخصوصيتها الثقافية والمجتمعية وسياقها التاريخي المعيوش، ولهذا لايمكن تقديم انموذج أمثلي عام لمجمل تلك التحديات، يعدّ صالحاً بصورة مطلقة للتطبيق على جميع الديمقراطيات الناشئة في العالم، دون الأخذ بالحسبان ديالكتيك العام والخاص، المطلق والنسبي في قراءتها. يمكن إجمالاً يمكن اختصار أهم تحديات الديمقراطية في الشرق الأوسط…

الكاتب و الحقوقي : محمد عبدي ما نراه اليوم على مستوى سوريا عموماً و الحسكة خصوصاً. من فقرٍ مقصود و تضيق الخناق على الرقاب المستضعفة ، و القرارات الإرتجالية التي تصدر بدون أي دراسة حقيقية للقدرة التحملية لإقتصاد الفرد المتوسط حتى، ما هي إلا سياسة جديدة ينتهجها سلطة دمشق و السلطة المحلية الحاكمة في محافظة الحسكة لا يعرف اي أحد…