المنطقة الشرقية على مفترق طرق: الاحتقان السياسي والأزمة المعيشية ومخاطر عودة التطرف

فيصل اسماعيل

تشهد المنطقة الشرقية وشمال شرق سوريا حالة متزايدة من القلق الشعبي نتيجة تراكم الأزمات السياسية والاقتصادية والخدمية، في وقت كان السكان يأملون أن تشكل مرحلة التحولات السياسية فرصة لمعالجة المشكلات المزمنة التي أثقلت كاهلهم خلال سنوات الحرب.
ومن بين القضايا التي أثارت جدلاً واسعاً، شعور شريحة من السكان بأن بعض الشخصيات والكوادر التي يجري الاعتماد عليها في إدارة الملفات السياسية والإدارية لا تحظى بقبول شعبي كافٍ داخل المنطقة، الأمر الذي ساهم في تعميق فجوة الثقة بين المواطنين والسلطات القائمة. فنجاح أي إدارة لا يعتمد فقط على امتلاكها للسلطة أو النفوذ، بل على مدى قدرتها على كسب ثقة المجتمع المحلي وإشراكه في صنع القرار.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن فصل الأزمة السياسية عن الواقع المعيشي المتدهور. فالمزارعون يشتكون من تدني أسعار المحاصيل الزراعية مقارنة بارتفاع تكاليف الإنتاج، بينما يعاني المواطنون من ارتفاع أسعار المحروقات والمواد الغذائية والأدوية وزيادة الرسوم الجمركية في المعابر ، الأمر الذي انعكس سلباً على مستوى المعيشة وأضعف قدرة الأسر على مواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة.
إن استمرار هذه الأوضاع دون معالجات حقيقية قد يؤدي إلى زيادة الاحتقان الشعبي، ويمنح التنظيمات المتطرفة فرصة لاستغلال حالة الإحباط وفقدان الأمل لدى المواطنين، كما قد يفتح الباب أمام عودة الفوضى وعدم الاستقرار. فالتجارب السابقة أثبتت أن الفراغ السياسي والأزمات الاقتصادية غالباً ما تشكل بيئة خصبة لانتشار التطرف والعنف.(عودة داعش)
ولذلك فإن المطلوب اليوم من الحكومة المؤقتة هو انتهاج سياسة أكثر انفتاحاً على مختلف مكونات المنطقة، وإشراك القوى المحلية المقبولة شعبياً في إدارة الشؤون العامة، والعمل على معالجة الملفات المعيشية الملحة وفي مقدمتها الزراعة والمحروقات والدواء والخدمات الأساسية.
كما أن القوى والتنظيمات الكوردية مطالبة بتعزيز وحدة الموقف الكوردي بعيدا عن البككه وتوابعها، وتغليب المصالح العامة على الخلافات الحزبية، والعمل على بلورة رؤية سياسية مشتركة تدافع عن الحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردي ضمن إطار وطني ديمقراطي. ويرى كثيرون أن أي حل مستدام يتطلب تجاوز حالة الانقسام والجدل القائم حول بعض التجارب الإدارية والسياسية، والبحث عن صيغ أكثر توافقاً وقبولاً لدى مختلف مكونات المنطقة.
ولا تقتصر أسباب الأزمة على الخلافات المحلية فقط، بل تتأثر أيضاً بتعقيدات المشهد السوري وتداخل المصالح الإقليمية والدولية، الأمر الذي جعل المنطقة ساحة لتجاذبات متعددة انعكست سلباً على الاستقرار والتنمية ومستوى معيشة السكان.
كما أن تحقيق الاستقرار الدائم يتطلب تعزيز الشراكة الحقيقية بين الكورد والعرب والسريان وبقية مكونات المنطقة، وإطلاق حوار جاد حول إدارة محلية منتخبة، وتوزيع عادل للموارد الزراعية والنفطية، وضمان الحقوق الدستورية لجميع المكونات ضمن إطار سوريا موحدة.
إن استعادة الثقة لن تتحقق بالشعارات أو الإجراءات الشكلية، بل عبر شراكة حقيقية بين جميع المكونات، وسياسات اقتصادية عادلة، وإدارة تستمد شرعيتها من رضا المواطنين وقدرتها على تحسين حياتهم اليومية. فاستقرار المنطقة وأمنها يرتبطان أولاً وأخيراً بمدى شعور سكانها بأنهم شركاء في القرار ومستفيدون من ثمار السلام والاستقرار.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

نظام مير محمدي كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني   على امتداد أكثر من أربعة عقود، جرب المجتمع الدولي مختلف السبل في التعامل مع النظام الإيراني، من الحوار إلى المفاوضات، ومن العقوبات إلى الضغوط السياسية، ولكنه لم ينجح في الوصول إلى حل جذري يضع حداً للأزمة التي باتت تلقي بظلالها على أمن المنطقة واستقرارها. والأسوأ من ذلك أن…

م. أحمد زيبار بعد الحرب العالمية الأولى، وما رافقها من تقسيم للمنطقة وتجزئة كردستان، أصبح جزء من الشعب الكردي ضمن الدولة السورية الحديثة، التي مضى على قيامها أكثر من قرن. ومع مرور السنوات، وبفعل سياسات التهميش والتمييز وغياب الإنصاف تجاه الكرد، تبلورت لديهم قضية قومية وحقوقية، وبدأت معها محاولات تنظيم الصفوف والدفاع عن حقوقهم المشروعة. وفي عام 1957،…

صلاح بدرالدين صدر عن دار نشر – نينوى – بدمشق الأجزاء الاحدى عشرة من مذكراتي تحت عنوان ” الحركة الوطنية الكردية السورية ” إضافة الى كتاب ” الكرد في الثورة السورية ” . وبهذا الإصدار الجديد ستبلغ مؤلفاتي – ٢٩ – كتابا منذ عام ١٩٧٤ وحتى الان أي في غضون خمسين عاما ، بمعدل كتاب كل عامين ، وفي مايلي…

نجاح هيفو لم يعد أخطر ما فعلته التكنولوجيا أنها قرّبت المسافات بين البشر، بل أنها جعلت حياة الإنسان نفسها قابلة للتحول إلى سلعة. قبل أيام، وجدت نفسي أمام مشهد من المشاهد التي تبدو في ظاهرها عابرة: اهتمام جماهيري واسع بقصة طلاق شوق، وما رافقها من تداول وتفاعل ومتابعة وتفاصيل شخصية. ليس المقصود هنا محاكمة شوق، ولا الدفاع عن طرف ضد…