الخيط الرابط بين  تجاهل الوجود وانكار الحقوق

صلاح بدرالدين

تعريف  المصطلحات ذات الصلة بالموضوع

   ” تجاهل الآخر القومي ” : اقصاء أو غض الطرف عن وجود أقوام متجذرة في نفس الوطن ، مثل الكرد  تتوفر فيها العلائم القومية من ثقافة ، ولغة ، وخصوصية تاريخية ، وإرادة مشتركة ، والتجاهل يتم بالمستويات الدستورية ، والقانونية ، والسياسية ، وعدم الاشراك في مراكز صنع القرار ، وادارات الدولة ، وكذلك المستوى الثقافي والإعلامي ، وهي كلها متكاملة غير قابلة للتجزئة .

   ” انكار وجود قضية قومية كردية سورية ” ، ذات طابع سياسي ، حقوقي ، انساني ، تاريخي ، ولدواعي الاستهلاك السياسي وارضاء الرأي العام ، الاكتفاء ببعض الحقوق الثقافية التي لن تكون بديلا لايجاد الحل السياسي التوافقي العادل المستدام ،  وفي الحالة هذه فان الانكار نتيجة طبيعية للتجاهل .

مفاهيم خاطئة بشأن الحالة الكردية السورية

    هناك جملة من المفاهيم الخاطئة الدارجة ، والمتداولة على امتداد أعوام العقود الأخيرة لدى النخب الوطنية الثقافية والسياسية السورية خصوصًا حول الكرد وجودًا وحقوقًا، وكذلك المكونات الأخرى، ومن شأن تكثيف الحوار حولها تذليل الفروقات العميقة بشأنها في المستقبل، ومن أبرزها:
أولًا: المفهوم الأحادي في تناول المجتمع السوري وعدّه وحدة بسيطة غير مركبة، تأثرًا بالخطاب الرسمي وبرامج التربية والتعليم ومواد تاريخ سورية التي وضعها مثقفو الحكومات السابقة وخاصة نظام البعث ،  وتحديدا  الدائرة الثقافية في القيادة القومية ثم القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي، الحاكم منذ بداية ستينيات القرن الماضي، والاستمرار في النظر إلى سورية أنها تضمّ العنصر العربي فحسب، مع تجاهل المكونات الأخرى، قومية كانت أم إثنية. ومن أجل تمرير هذه الخطيئة ، وضعت المنظومات الأمنية الحاكمة منذ تسلط حزب البعث مخططات ومشاريع التعريب والتهجير ضدّ الكرد بمختلف مناطقهم، ابتداء من الجزيرة، التي تحولت إلى قانون معمول به قيد التنفيذ تحت ظلّ حكومة يوسف زعين عام ١٩٦٦. وما ساعد في انتشار هذا المفهوم الإقصائي المتجاهل للآخر، كون الدساتير السورية منذ الاستقلال وضعت على المبدأ نفسه، الذي ينفي التعددية الوطنية السورية.
ثانيًا: المفهوم الذرائعي الذي قد يتقبل أمام ضغط الواقع وجود الكرد وأحقية مطالبهم المشروعة، ولكنه يتحجج بأنه لو تم التجاوب مع مطالب الكرد، فيجب الاستجابة لمطالب المكونات الأخرى أيضًا، ما قد يؤدي للوقوع في مسلسل يطول ولانهاية له، لذلك من الأفضل عدم إثارة الموضوع الكردي، بل إخفاؤه وتجاوزه. هذه الذريعة كنا نسمعها من أحزاب (الجبهة الوطنية التقدمية) وحتى من بعض المسؤولين البعثيين “المنفتحين!؟” وعندما يتم الردّ على الذرائعيين هؤلاء بالتساؤل لمَ لا يحصل الجميع على حقوقهم المشروعة في إطار الوطن الواحد؟ تراوح الأجوبة بين السكوت والرفض وعدم قبول تقسيم سورية، علمًا أن إنجاز الحقوق وطمأنة الآخر هما الضمانة لوحدة البلاد، وليس الإنكار والسكوت والتردد وإخفاء الحقائق.
ثالثًا: مفهوم “الحل المواطني للمسألة القومية” وهو من أسوأ المفاهيم وأكثرها جهلًا بتاريخ حركات الشعوب التحررية والمسألة القومية في جميع القارات، فلم يظهر طوال تاريخ القضية القومية في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية منذ القرن التاسع عشر، تجربة تمّ فيها حلّ المسألة القومية بـ “الحل المواطني”. ففي عهد الانتداب الفرنسي لبلادنا كانت حكومات الانتداب تطرح دومًا أمام المطالبين بالاستقلال توفير حقوق المواطن بالحرية والعمل والصحة والسفر والتملك والتجارة، لكن كلّ ذلك لم يمنع رواد الاستقلال من المطالبة بالحرية. بمعنى آخر، حقوق المواطن ليست بديلًا لإرادة التحرر وتقرير المصير، وفي الحالة الكردية السورية لن تكون حلًا للقضية القومية والحقوق السياسية والثقافية والاجتماعية والديمقراطية، والتاريخ يوضح لنا، في الشرق والغرب، وجود تجارب اعتمدت صيغ الاستقلال والكونفدرالية والفدرالية والحكم الذاتي واللامركزية والمناطق القومية والإدارة المحلية، سبيلًا لحل القضايا القومية للشعوب والقوميات، ومن المؤكد أن التوافق الكردي العربي كفيل باختيار الحل الملائم للحالة الكردية السورية عبر الحوار السلمي، ضمن إطار سورية الواحدة. حقوق المواطن والمواطنة تتعلق بحرية الفرد، لا بحقّ الشعوب والمكونات القومية.
رابعًا: المفهوم الشرطي، أي لماذا حلّ القضية الكردية في سورية أولًا؟ ولننتظر حلها بتركيا وإيران والعراق ثم يأتي دور سورية! هشاشة هذا الفهم تظهر أولًا من أن هناك نوعًا من الحلّ الديمقراطي للقضية الكردية في العراق على أساس الفدرالية، وسورية ليست الأولى، وإذا تصورنا مثلًا أن التركي والإيراني والعراقي وكلّ من جهته يطالب بالأمر ذاته، فذلك يعني أن تبقى القضية الكردية من دون حلّ إلى الأبد، وقد يكون ذلك هو الهدف من أصحاب هذا الشرط التعجيزي غير العادل وغير الواقعي.
خامسًا: مفهوم “فوبيا الانفصال الكردي”، وهو مفهوم بني على مواقف مسبقة من دون تمعن وتفكير واطلاع على الواقع، فمجرد مطالبة الكردي السوري بأدنى حقّ يُتهم بالانفصالية، ويُحكم عليه أنه يسعى لتقسيم البلاد واقتطاع جزء منه، ويعود الفضل الأكبر لهذه التهمة الجاهزة للبعثيين والشوفينيين من التيارات السياسية الأخرى، وفي حقيقة الأمر فإن أيّ شعب على كوكبنا، وبحسب مواثيق حقوق الإنسان وشرعة الأمم المتحدة والمبادئ السامية، من حقّه تقرير مصيره بالصيغة التي يرتئيها بحرية، بما في ذلك الاستقلال، ولكن كما يظهر، فإنّ معظم الكرد السوريين لا يرون من مصلحة شعبهم ووطنهم الانفصال أو إعلان الاستقلال، لأسباب وجيهة ذاتية وموضوعية.
سادسًا: المفهوم الشكلي للمساواة، أي مطالبة الكردي السوري بالتوقف عن طرح الحقوق القومية، لأنّ زمن القوميات انتهى، وبعبارة أخرى قبول الواقع الراهن، بالعيش في ظل الدولة العربية السورية، وعدم السماح بالمرور بشكل طبيعي في المراحل التي تؤسس الشخصية القومية وتعزز هويتها وترسخ ثقافتها، كما حصل مع الشريك العربي السوري منذ نحو مئة عام وحتى الآن، وفرض مساواة قسرية غير متكافئة.
سابعًا: المفهوم الاعتباطي لقراءة التاريخ، واعتبار أن للكرد كامل الحقوق، والدليل أن سورية شهدت رؤساء جمهورية وحكومات ووزراء من أصول كردية، وتناسي أن هؤلاء لم يكونوا ممثلين عن الكرد، ولم يكونوا مخولين بالتحدث باسم الكرد، ولو كانوا كذلك لطالبوا بإعادة كتابة الدستور ليتضمن اعترافًا بالوجود الكردي وبالحقوق والمشاركة الفعلية بالسلطة والقرار، ولا شكّ في أن هؤلاء خدموا سورية بصورة فردية، وهناك آخرون تبوؤوا مناصب عالية من مختلف المكونات التركمانية والمسيحية، وقدموا الخدمات بحسب اختصاصاتهم، ولكن من دون تمثيل مكوناتي.
ثامنًا: مفهوم القراءة الناقصة المؤدلجة للجيوسياسية الكردية السورية، في محاولة لتجيير مصادر منحازة أو مشكوك في أمرها، ولتجاهل كلّ المخططات العنصرية ونتائج تغيير التركيب الديموغرافي، التي نفذتها الأنظمة والحكومات منذ قرن وحتى الآن. والوثائق الدامغة متوافرة في هذا المجال، طبعًا لا ننسى هنا أن تاريخ بلادنا سطّره الحكام من منطلقات شوفينية معادية للكرد ووجودهم.
تاسعًا: المفهوم اللاموضوعي اللاعلمي لتفسير مصطلحات الشعب والقوم والأمة، كالادعاء بعدم جواز وجود شعب آخر في سورية غير الشعب العربي السوري، والمقصود الشعب الكردي، وهذا نفي للتعددية القومية، فلا شكّ في أن هناك التباسًا بين معاني الأمة والشعب والقومية، وتختلط الأمور على بعضهم بهذا الصدد، فمثلًا أحد بنود مشروع دستور كردستان العراق ينص على الآتي: (شعب كردستان العراق عبارة عن الكرد والتركمان والكلدو آشور والأرمن والعرب) والمعنى أن كردستان لا تتشكل من شعب واحد. ومثال آخر، تتكون تركيا أيضًا من شعوب وأقوام، وإيران كذلك متعددة الشعوب والقوميات، وبلجيكا وسويسرا المتقدمتان تتكونان من عدة شعوب، وكذلك الهند.
عاشرًا: مفهوم تعريف الكرد بالأحزاب. لم يحدث في التاريخ أن عُرّف شعب بأحد أحزابه، فلو فرضنا أن حزبًا ما سار في النهج الفاشي، فهل سنأخذ كلّ الشعب بجريرته؟ هل يجوز محاسبة العربي السوري بخطايا حزب البعث؟ أو عدّ هذا الحزب معادلًا للعرب؟ وبخاصةٍ أن الساحة الكردية السورية معروفة بعد تسعة أعوام من نشوب الثورة، بأنها لا تقتصر على الأحزاب وسلطة الأمر الواقع، بل هناك الأغلبية الوطنية المستقلة الباحثة عن سورية تعددية تشاركية جديدة.
تشخيص وتحديد وتعريف الهوية الوطنية الجامعة، والهويات والانتماءات الفرعية، وحقيقة تعدادها ونسبها لسكان سورية ولو بصورة تقريبية، إلى حين إجراء الإحصاء الوطني المستقلّ العام، فكلنا نعلم أن تناول هذا الموضوع كان من المحرمات في منطق نظام الاستبداد المقبور وسياسته المتبعة منذ عقود، بل من الأمور التي تحسب على (الأمن القومي وأمن الدولة) والحقيقة تمسّ أمن النظام، فالتعددية الديمقراطية ومبادئ العيش المشترك بين المكونات، ستسحب أوراق الفتنة القومية والدينية والمذهبية من أيدي الشوفينيين المتعصبين .
إن الاعتراف بوجود وحقوق الآخر أمر حضاري وديمقراطي، وأحد مبادئ الثورة السورية ، ويوفر الطمأنينة للهويات كافة، ولكلّ المكونات، ويدفع الجميع للتصالح والتضامن من أجل وطن حرّ يضمن أمن وسلامة وحقوق ومستقبل الجميع .

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أ. د. سربست نبي تبرز التحديات المجتمعية والتنموية والسياسية أمام كل ديمقراطية ناشئة طبقاً لخصوصيتها الثقافية والمجتمعية وسياقها التاريخي المعيوش، ولهذا لايمكن تقديم انموذج أمثلي عام لمجمل تلك التحديات، يعدّ صالحاً بصورة مطلقة للتطبيق على جميع الديمقراطيات الناشئة في العالم، دون الأخذ بالحسبان ديالكتيك العام والخاص، المطلق والنسبي في قراءتها. يمكن إجمالاً يمكن اختصار أهم تحديات الديمقراطية في الشرق الأوسط…

الكاتب و الحقوقي : محمد عبدي ما نراه اليوم على مستوى سوريا عموماً و الحسكة خصوصاً. من فقرٍ مقصود و تضيق الخناق على الرقاب المستضعفة ، و القرارات الإرتجالية التي تصدر بدون أي دراسة حقيقية للقدرة التحملية لإقتصاد الفرد المتوسط حتى، ما هي إلا سياسة جديدة ينتهجها سلطة دمشق و السلطة المحلية الحاكمة في محافظة الحسكة لا يعرف اي أحد…

مهند محمود شوقي / كاتب وباحث سياسي منذ ما يقرب من عشرين عاماً، وأنا أتنقل بين أروقة السياسة في العراق وإقليم كوردستان، أراقب عن قرب صعود القادة وسقوطهم، وأستمع إلى الوعود الكبيرة التي كثيراً ما كانت تتبخر عند أول اختبار حقيقي. حضرت اجتماعات مصيرية، وغطيت أزمات كبرى، وشهدت لحظات توافق وأخرى كانت البلاد فيها تقف على حافة الانقسام. وخلال هذه…

لاوين ابراهيم لم تكن المظاهرات الأخيرة التي شهدتها مدن محافظة الحسكة سوى تعبير طبيعي عن حالة الاحتقان التي تراكمت خلال سنوات طويلة من الأزمات والوعود المؤجلة. فالأصوات التي ارتفعت في الشوارع لم تكن وليدة لحظة عابرة، بل نتيجة مسار طويل من التراجع المعيشي وفقدان الثقة بقدرة الجهات القائمة على إدارة شؤون المنطقة على إحداث تغيير حقيقي في حياة الناس. لسنوات…