ضائعون بين تجربة استنزفت الفرص ومرحلة يلفها الغموض

لاوين ابراهيم

لم تكن المظاهرات الأخيرة التي شهدتها مدن محافظة الحسكة سوى تعبير طبيعي عن حالة الاحتقان التي تراكمت خلال سنوات طويلة من الأزمات والوعود المؤجلة. فالأصوات التي ارتفعت في الشوارع لم تكن وليدة لحظة عابرة، بل نتيجة مسار طويل من التراجع المعيشي وفقدان الثقة بقدرة الجهات القائمة على إدارة شؤون المنطقة على إحداث تغيير حقيقي في حياة الناس.

لسنوات مضت، قبل أبناء المنطقة تحمل الأعباء القاسية التي فرضتها الحرب على الإرهاب. كان الاعتقاد السائد أن تلك المرحلة الاستثنائية تفرض تضحيات استثنائية، وأن نهاية المعارك ستفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية وتحسين الخدمات. وقدّم الناس ما يفوق قدرتهم على الاحتمال، وخسروا أبناءهم ومصادر رزقهم واستقرارهم الاجتماعي على أمل الوصول إلى واقع أكثر أمناً وكرامة.

إلا أن السنوات اللاحقة لم تحمل النتائج التي انتظرها المواطنون. فالإدارة الذاتية التي امتلكت مساحات واسعة من النفوذ، وسيطرت على منطقة تُعد من أغنى مناطق سوريا بالثروات الزراعية والنفطية والمائية، لم تتمكن من تحويل تلك الإمكانات إلى واقع اقتصادي وخدمي ينسجم مع حجم الموارد المتاحة. وبقي المواطن يواجه الأزمات ذاتها المتعلقة بالكهرباء والمياه والمحروقات وفرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة، بينما استمرت موجات الهجرة باستنزاف طاقات المنطقة البشرية.

ومع الانتقال إلى مرحلة جديدة تتحدث عن الاندماج والتفاهمات السياسية وإعادة ترتيب الهياكل الإدارية والعسكرية، يجد المواطن نفسه أمام حالة من الضبابية وعدم اليقين. فالمشكلات التي تراكمت خلال السنوات الماضية لم تجد طريقها إلى الحل، في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار نحو ترتيبات سياسية جديدة لم تتضح نتائجها بعد على المستوى المعيشي والخدمي.

لقد تحولت الأولويات لدى كثير من القوى السياسية إلى ملفات النفوذ والتمثيل والتوازنات، بينما تراجعت قضايا الناس اليومية إلى الصفوف الخلفية. وفي ظل هذا الواقع، بات الشارع يشعر بأنه الطرف الوحيد الذي يتحمل نتائج الإخفاقات المتراكمة، سواء تلك المرتبطة بإدارة المرحلة السابقة أو المتعلقة بالغموض الذي يحيط بالمرحلة المقبلة.

المشكلة الأساسية لم تعد في نقص الشعارات أو غياب البيانات السياسية، بل في غياب مشروع إداري واقتصادي قادر على استثمار الموارد المتاحة وتحويلها إلى خدمات وفرص وحياة كريمة. فالمواطن الذي ينتظر المياه والكهرباء وفرصة العمل لا تعنيه كثرة التحالفات ولا تعدد الأحزاب بقدر ما تعنيه النتائج الملموسة في حياته اليومية.

إن المشهد الراهن يعكس حالة ضياع حقيقية بين تجربة امتلكت الكثير من عناصر النجاح ولم تستثمرها بالشكل المطلوب، وبين مرحلة جديدة لم تقدم بعد رؤية واضحة تطمئن الناس إلى مستقبلهم. وبين هاتين المرحلتين يقف المواطن مثقلاً بالأعباء، فاقداً للثقة، ومتعباً من الانتظار.

ولذلك فإن أي حديث عن المستقبل لن يكون ذا قيمة ما لم يبدأ من إعادة الاعتبار للإنسان باعتباره الغاية الأساسية لأي مشروع سياسي أو إداري. فاستقرار المجتمعات لا يُبنى على الشعارات، ولا على الصراعات الحزبية، بل على العدالة والكفاءة والشفافية وتحسين حياة الناس. وما لم تتحول هذه المبادئ إلى سياسات عملية، فإن مشاهد الغضب الشعبي التي ظهرت في الشوارع ستبقى مرشحة للتكرار، لأن الأسباب التي أخرجت الناس للاحتجاج ما تزال قائمة، بل تزداد عمقاً مع مرور الوقت .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أ. د. سربست نبي تبرز التحديات المجتمعية والتنموية والسياسية أمام كل ديمقراطية ناشئة طبقاً لخصوصيتها الثقافية والمجتمعية وسياقها التاريخي المعيوش، ولهذا لايمكن تقديم انموذج أمثلي عام لمجمل تلك التحديات، يعدّ صالحاً بصورة مطلقة للتطبيق على جميع الديمقراطيات الناشئة في العالم، دون الأخذ بالحسبان ديالكتيك العام والخاص، المطلق والنسبي في قراءتها. يمكن إجمالاً يمكن اختصار أهم تحديات الديمقراطية في الشرق الأوسط…

الكاتب و الحقوقي : محمد عبدي ما نراه اليوم على مستوى سوريا عموماً و الحسكة خصوصاً. من فقرٍ مقصود و تضيق الخناق على الرقاب المستضعفة ، و القرارات الإرتجالية التي تصدر بدون أي دراسة حقيقية للقدرة التحملية لإقتصاد الفرد المتوسط حتى، ما هي إلا سياسة جديدة ينتهجها سلطة دمشق و السلطة المحلية الحاكمة في محافظة الحسكة لا يعرف اي أحد…

مهند محمود شوقي / كاتب وباحث سياسي منذ ما يقرب من عشرين عاماً، وأنا أتنقل بين أروقة السياسة في العراق وإقليم كوردستان، أراقب عن قرب صعود القادة وسقوطهم، وأستمع إلى الوعود الكبيرة التي كثيراً ما كانت تتبخر عند أول اختبار حقيقي. حضرت اجتماعات مصيرية، وغطيت أزمات كبرى، وشهدت لحظات توافق وأخرى كانت البلاد فيها تقف على حافة الانقسام. وخلال هذه…

شكري بكر تطرق الأستاذ صديق في بداية مقالته عن نضال الحزب الديمقراطي التقدمي الكوردي في سوريا ، حيث يعتبر أن الحزب الديمقراطي التقدمي الكوردي في سوريا كأحد أقدم الأحزاب السياسية الكوردية في كوردستان سوريا الذي تأسس على يد المناضلين الأوائل ، الذي كان الهدف منه تنظيم الحركة السياسية الكوردية في كوردستان سوريا والدفاع عن مصالحه وضمان حقوقه القومية والديمقراطية…