نظام مير محمدي *
في 20 يونيو 2026، شهدت العاصمة الفرنسية باريس أحد أكثر الأحداث السياسية حساسية وتاريخية للمقاومة الإيرانية. وعلى الرغم من أن الشرطة الفرنسية، رضوخاً للضغوط الدبلوماسية وسياسة الاسترضاء المخزية، ألغت تصريح المظاهرة المركزية الحاشدة التي كانت مقررة بمشاركة مئة ألف من الإيرانيين الأحرار، إلا أن المقاومة الإيرانية، عبر مبادرة استثنائية ونشر مئة ألف إيراني في عشرات النقاط المختلفة في باريس، تمكنت من تحقيق هدفها الاستراتيجي. وقد أوصل هذا الحضور الواسع والمهيب صوت الشعب الإيراني المضطهد والسجناء السياسيين مدوياً إلى العالم تحت الشعار المحوري “لا للإعدام”، مؤكداً أن أي عقبة إدارية أو دبلوماسية لا يمكنها الوقوف بوجه إرادة شعب يتوق إلى الخلاص. وبالتزامن مع ذلك، عُقد مؤتمر مهيب في المقر المركزي للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية برئاسة السيدة مريم رجوي، وبحضور نخبة من أبرز الشخصيات السياسية وصناع القرار الدوليين.
وانعقد هذا المؤتمر في وقت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط حرباً إقليمية واسعة النطاق؛ وهي حرب مدمرة أدت إلى إضعاف الآلة العسكرية لنظام ولاية الفقيه بشكل كبير، وأسفرت عن مقتل علي خامنئي، الدكتاتور الدموي للنظام. وبات نظام الملالي اليوم في مرحلته الأخيرة، فاقداً للقيادة ومتداعياً في بنيته الهيكلية. ومع ذلك، فإن موقف المقاومة الإيرانية تجاه هذه التطورات يظل واضحاً ومبدئياً وتاريخياً: إن المقاومة لا ترحب أبداً بالحرب الخارجية أو التدخل العسكري الأجنبي، ولا ترى فيه حلاً للأزمة الإيرانية، إذ إن شرعية هذه المقاومة وقوتها تنبعان حصرياً من إرادة الشعب الإيراني نفسه. وفي ظل الظروف الراهنة حيث تخيم الحرب الخارجية بظلالها على الوضع العام وتمنع حدوث مواجهات شوارع أو مظاهرات جماهيرية واسعة، تركز “وحدات المقاومة” عبر تنظيم دقيق وذكي على جمع المعلومات الاستخباراتية، وتنفيذ العمليات الاستراتيجية الموجهة، والتحضير للانهيار الحتمي للنظام.
وأكدت السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة من قبل المقاومة الإيرانية، في خطابها التاريخي الذي أحييت فيه الذكرى الخامسة والأربعين لانطلاق المقاومة وذكرى تأسيس جيش التحرير الوطني، أن نظام الملالي هو سلطة مؤقتة وآيلة للسقوط ولا مفر له من الإطاحة. وأوضحت صراحة أن إشعال الحروب والسعي لامتلاك القنبلة الذرية كانا بمثابة درع واقٍ لبقاء النظام، بينما يمثل السلام ووقف إطلاق النار “السم الزعاف” له. وفي هذا المنعطف التاريخي، أعلنت السيدة رجوي تشكيل حكومة مؤقتة بناءً على مخطط النقاط العشر لنقل السيادة إلى الشعب الإيراني. وتظهر هذه الرؤية الواضحة أن المسار الاستراتيجي الذي بدأه “الشباب الثوار” قد تطور وتكامل ليتجسد اليوم في إطار “وحدات المقاومة” المنظمة، ووصل إلى نضجه الاستراتيجي الكامل كجزء من “جيش التحرير الوطني الإيراني”؛ القوة التي تمثل الضامن الوحيد لإسقاط الاستبداد الديني وإرساء الديمقراطية.
كما أبدت الشخصيات البارزة المشاركة في المؤتمر دعماً مطلقاً للمقاومة، منددة بشدة بسياسة الاسترضاء والمهادنة. ووصف السيدة كريستين أريغي، عضو الجمعية الوطنية الفرنسية، إلغاء المظاهرة بأنه قرار لا يليق ببلد يُعد مهد حقوق الإنسان، مشيرة إلى أن الرسالة الواضحة القادمة من داخل الإيراني هي: “لا للحرب، لا للاسترضاء، ونعم للانتفاضة”. وفي السياق ذاته، أكد السيد شارل ميشيل، الرئيس السابق للمجلس الأوروبي ورئيس الوزراء البلجيكي الأسبق، أن سياسة استرضاء الدكتاتوريات—سواء كانت النازية، أو نظام الملالي—محكومة بالفشل دائماً، لافتاً إلى أن الحرب أيضاً ليست الحل الجذري للأزمة. واعتبر برنامج السيدة مريم رجوي ذي النقاط العشر البديل الموثوق الوحيد لبناء إيران ديمقراطية وحرة وخالية من السلاح النووي.
من جانبه، عبر السيد بوريس جونسون، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، عن دهشته من قرار السلطات الفرنسية، مؤكداً أن القصف والصواريخ وحدها لا يمكنها جلب الحرية للشعب الإيراني، وأن التغيير لن يأتي مطلقاً من البنتاغون، بل يجب أن ينبع من داخل إيران نفسها. كما انتقد السيد جون بيركو، رئيس مجلس العموم البريطاني الأسبق، بشدة إلغاء المظاهرة الذي صب عملياً في مصلحة الملالي، مشدداً على أن المقاومة الإيرانية لا تطالب بالتدخل العسكري الأجنبي. ورفض بيركو قاطعاً البدائل الزائفة، مؤكداً أن رضا بهلوي يفتقر لأي شرعية ديمقراطية بسبب تفاخره بجرائم والده الدكتاتور وجهاز السافاك الدموي، مؤكداً أن المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية ووحدات المقاومة هما البديل الحديث والتعددي الوحيد المتاح.
وفي الختام، فإن عشرات الآلاف من الإيرانيين الذين توافدوا إلى باريس من مختلف أنحاء العالم وبشتى الطرق، خرجوا فور علمهم بقرار حظر التظاهرة إلى الشوارع والميادين الرئيسية في العاصمة الفرنسية؛ حيث صدحت حناجرهم بشعارات الموت للديكتاتور، و”لا للشاه ولا للملا”، ورفض الإعدام، تأكيداً على خيار الجمهورية الديمقراطية، مما حقق للمقاومة نصراً سياسياً واستراتيجياً كبيراً. وقد أظهر هذا الاستعراض للقوة أنه في مرحلة ما بعد موت خامنئي، وفي خضم الأزمات التي دمرت ركائز النظام، فإن صوت الشعب المقموع لا يمكن إسكاته. لقد كانت رسالة مؤتمر “إيران الحرة 2026” إلى العالم موحدة وحازمة: لا للإعدامات، لا للحروب الخارجية، لا للعودة إلى الدكتاتورية الملكية البائدة، وإلى الأمام نحو إرساء جمهورية ديمقراطية على يد جيش التحرير الوطني والشعب الإيراني.
* كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني