الحقوق الكُردية ومقولة: لقد ولّى عصر الشعارات

لوند حسين*

منذُ أن تعرضت كُردستان للتقسيم بين الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية، ثم أُلحقت أجزاؤها بالدول التي نشأت لاحقاً في المنطقة وفقَ اتفاقيات سايكس-بيكو، دخل الشعب الكُردي مرحلة طويلة من الحرمان من حقوقِهِ القومية والسياسية والثقافية؛ وعلى امتداد أكثر من قرن، واجه الكُرد في مختلف أجزاء كُردستان سياسات مُتباينة في أدواتها، لكنها تشابهت في كثير من الأحيان في إنكار الهوية الكُردية، أو تقييد حقوقها، أو الحد من حضورها السياسي والثقافي، وتعرضوا في محطات عديدة لانتهاكات ومآسٍ تركت آثاراً عميقة في الذاكرة الوطنية للشعب الكُردي.

وفي الآونة الأخيرة، أخذ يتردد على ألسنة البعض، ولا سيما في الجزء الكُردستاني الملحق بالدولة السورية، خطابٌ يزعم أن «عصر الشعارات القومية قد ولّى»، في محاولة لتصوير المُطالبة بالحقوق القومية وكأنها مُجرد خطاب عاطفي تجاوزه الزمن؛ غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة جوهرية، وهي أن هناك فرقاً بين الشعارات التي تُرفع للاستهلاك السياسي والإعلامي، وبين المطالبة بحقوق تاريخية ودستورية وقانونية لشعبٍ ما زال محروماً من مُعظم حقوقهٍ الأساسية.

فالحقوق القومية ليست شعارات تُرفع في المناسبات، ولا خطابات عاطفية تُستحضر عند الحاجة، وإنما هي حقوق أصيلة تقرها المبادئ العامة لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها حق الشعوب تقرير مصيرِها وفي الحفاظ على هويتها ولغتها وثقافتها، والمُشاركة العادلة في إدارة شؤونها بنفسِها، والتمتع بالمساواة الكاملة أمام القانون؛ لذلك، فإن مطالبة الشعب الكُردي وفي كافة أجزاء كُردستان بالاعتراف الدستوري بهويتهِ القومية، وضمان حقوقه السياسية والثقافية واللغوية، وإقامة نظام فدرالي يقوم على العدالة والشراكة الحقيقية، ليست تعبيراً عن نزعة متطرفة أو شعارات ساذجة، بل هي مطالب مشروعة تنسجم مع مبادئ العدالة والقانون الدولي، وتمثل حقاً طبيعياً لأي شعب يسعى إلى صون وجودهِ وهويتهِ.

ولو كان الشعب الكُردي قد نال حقوقهِ القومية كاملة، وأصبحت هويته مُعترفاً بها دستورياً، ولغتهُ مصانة، وشراكتهُ السياسية مكفولة، لكان من المنطقي الحديث عن تجاوز مرحلة الشعارات؛ أما مُطالبة شعب لا يزال يناضل من أجل تثبيت أبسط حقوقِهِ بالتخلي عن قضيتِهِ بحجة أن «زمن الشعارات قد انتهى»، فهي في حقيقتها دعوة إلى القبول باستمرار الظلم القائم، ولا يُكن اعتبارِها دعوة إلى الواقعية السياسية.

لقد أثبتت تجارب التاريخ أن تجاهل الحقوق المشروعة للشعوب لا يؤدي إلى بناء دول مُستقرة، بل يُراكم أسباب الاحتقان والصراع والحروب؛ أما الاعتراف المتبادل، والعدالة الدستورية، والشراكة الحقيقية بين مكونات الدول، هي الأساس الذي تُبنى عليه المجتمعات المستقرة والدول القادرة على تحقيق التنمية والسلام.

ومن هذا المنطلق، فإن ضمان الحقوق الدستورية للشعب الكُردي في البلدان التي يعيش فيها ليس مطلباً موجهاً ضد أي شعب أو دولة، بل هو ضرورة سياسية وأخلاقية لبناء دولة المواطنة الحَقّة القائمة على المساواة وسيادة القانون واحترام التعددية القومية والثقافية.

إنَّ الشرق الأوسط لن يشهد استقراراً حقيقياً ودائماً ما لم تُعالج القضايا القومية العالقة معالجة عادلة، وفي مُقدمتها القضية الكُردية؛ فالسلام لا يُبنى على إنكار الحقوق أو تأجيلها، وإنما على الاعتراف بها وترسيخها في الدساتير وتحويلها إلى ضمانات قانونية ومؤسساتية تكفل لجميع الشعوب العيش بحُرية وكرامة، ضمن شراكة تقوم على العدالة والاحترام المتبادل.

نعم أنَّ عصر الشعارات الجوفاء قد ولّى، أما عصر المطالبة بالحقوق المشروعة فلن ينتهي ما دامت هناك حقوق مغتصبة وشعوب محرومة من العدالة؛ فالحقوق ليست شعاراً، بل هي أساس الاستقرار، والعدالة هي الطريق الوحيد نحو سلامٍ دائم في المنطقة.

 

ألمانيا: 21 حزيران 2026

* صحفي وكاتب كُردي

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

اكرم حسين يظلّ الطرح الهام للدكتور عبدالحكيم بشار في مقاله “نحو مراجعة جذرية للوضع الكردي في سوريا”، بحاجة إلى آليات تنفيذية واضحة، وإلا تحوّل إلى نخبوية فكرية لا تتجاوز صفحات التواصل الاجتماعي . فالسؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ليس “هل نحتاج إلى مراجعة؟” لأن ذلك قد بات بديهياً، بل “كيف ؟ ومن سيقوم بهذه المراجعة؟”. إن تجارب المراجعات في الحركة الكردية،…

د. عبدالحكيم بشار تمر الحركة السياسية الكردية في سوريا اليوم بواحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيدًا. ولم يعد من الممكن تجاهل حقيقة أن هذا الواقع هو نتاج تراكمات طويلة من الأخطاء والإخفاقات، الأمر الذي يستدعي وقفة مراجعة صريحة وشجاعة، بعيدًا عن المجاملات أو محاولات تبرير الفشل. لا يتعلق الأمر بالتشكيك في تاريخ الحركة أو إنكار ما قدمته من تضحيات وإنجازات،…

أمين كلين ياسادة الافاضل : هناك افراد منا لابل قوى كردية تعمل ليل نهار عن فتح معركة جانبية لاشغالنا بها !!!!! اما انهم عاطفيون لا يدركون مغذى تصرفهم ، او انهم يعملون لصالح جهات معادية للاكراد وقضيتهم ، او انهم أنانيون يدركون ماذا يفعلون … في القضية القومية والوطنية يجب ان لا نشغل انفسنا بامور جانبية مطلقا مهما كانت المبررات…

جان كورد أقول هذا لأن الهجمات على كل ما له علاقة بالكورد وكوردستان مستمر ويزداد وقاحة مع الأيام وتعلمون جيداً ما أعنيه، فثمة هجوم حاقد على الوجود القومي لأمتنا التي يزيد تعدادها عن تعداد عدة شعوب لها مقاعد في هيئة الأمم المتحدة، بل وإن أرض كوردستان المغدورة أوسع مساحةً من مساحة عدة دول أوروبية مجتمعةً، والهجوم كبير وكثيف ومغرض…