د : عبدالحكيم بشار
يدخل النضال الكردي في سوريا مرحلة جديدة ومهمة مع انتهاء انتخابات أعضاء مجلس الشعب في محافظة الحسكة، وهي مرحلة تختلف في طبيعتها وأدواتها عن المراحل السابقة، وتستدعي رؤية سياسية جديدة تتناسب مع التحولات التي شهدتها البلاد بعد سقوط النظام.
ومن دون الخوض في استعراض كامل لمسيرة الحركة الكردية وتراكم نضالاتها عبر العقود، يمكن القول إن مرحلة الثورة السورية شكلت محطة مفصلية في تاريخ الحركة الوطنية الكردية. فقد اختارت غالبية القوى السياسية الكردية، ومعها شرائح واسعة من الشباب والفعاليات الوطنية، الانخراط في الحراك الوطني السوري من خلال المجلس الوطني الكردي، الذي أصبح جزءاً من الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، ثم الهيئة العليا للمفاوضات واللجنة الدستورية.
وخلال هذه المرحلة لم يقتصر دور ممثلي المجلس على الدفاع عن القضية الكردية فحسب، بل شاركوا السوريين بمختلف انتماءاتهم همومهم وتطلعاتهم وآمالهم في بناء دولة الحرية والعدالة والمواطنة. وبذلك أصبحت القضية الكردية جزءاً من النقاش الوطني السوري العام، كما أصبحت قضايا السوريين جميعاً جزءاً من أولويات الحركة الوطنية الكردية.
ورغم اختلاف الرؤى والمقاربات بين القوى السياسية السورية تجاه القضية الكردية، إلا أن هناك حقيقة أساسية باتت تحظى بقبول واسع، وهي أن الكرد مكون أصيل من مكونات الشعب السوري، تعرضوا خلال عقود لسياسات التمييز والإقصاء، ومن حقهم التمتع بكامل حقوقهم القومية ضمن إطار الدولة السورية الديمقراطية.
لقد سعى النظام السابق منذ بداية الثورة إلى تحييد الكرد وحركتهم السياسية عن مسار التغيير الوطني، إلا أن هذه المحاولات لم تنجح. وفي المقابل، اختارت قوى أخرى، وفي مقدمتها حزب العمال الكردستاني واستطالاته التنظيمية في سوريا، مساراً مختلفاً، حيث وضعت نفسها في موقع متعارض مع تطلعات غالبية القوى الوطنية الكردية ومع أهداف الثورة السورية. وليس الهدف هنا إعادة فتح سجالات الماضي أو استعراض الوقائع التي أصبحت معروفة للجميع، بقدر ما هو التأكيد على أن تلك المرحلة أصبحت جزءاً من التاريخ السياسي السوري.
واليوم، ومع انطلاق مرحلة سياسية جديدة عنوانها العمل البرلماني وصناعة التشريعات والمشاركة في رسم مستقبل البلاد، تتجه الأنظار إلى النواب الكرد الذين يمثلون أبناء مناطقهم في أول برلمان بعد سقوط النظام. فنجاحهم لن يكون نجاحاً شخصياً أو حزبياً فحسب، بل نجاحاً للحركة الكردية وللمشروع الوطني الديمقراطي الذي ناضل السوريون من أجله.
وانطلاقاً من التجربة السياسية التي راكمتها الحركة الوطنية الكردية ضمن مؤسسات المعارضة السورية، يمكن التأكيد على مجموعة من المبادئ التي ينبغي أن تشكل أساس العمل في المرحلة المقبلة:
* اعتبار معالجة آثار الحرب ومعاناة السوريين أولوية وطنية مشتركة يتحمل الجميع مسؤولية الإسهام فيها.
* التعامل مع القضايا الوطنية العامة في جميع المحافظات السورية بوصفها مسؤولية مشتركة لا تقتصر على منطقة أو مكون بعينه.
* الدفاع عن حقوق أسر الشهداء والمعتقلين والمهجرين والنازحين، وتعزيز حقوق المرأة وحقوق الإنسان وسيادة القانون.
* مواجهة جميع أشكال التمييز والإقصاء على أسس قومية أو دينية أو سياسية أو اجتماعية.
* ترسيخ مبادئ المحاسبة والعدالة الانتقالية وضمان عدم الإفلات من العقاب لأي جهة ارتكبت انتهاكات بحق السوريين.
* تعزيز الشفافية والنزاهة في إدارة الشأن العام ومؤسسات الدولة.
* اعتبار المصالحة الوطنية الشاملة مدخلاً أساسياً للاستقرار وإعادة بناء الثقة بين السوريين.
* الدفاع عن الحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي ضمن إطار وطني جامع، والعمل على تثبيت ذلك دستوريا وكذلك تثبيت المرسوم الرئاسي رقم 13 في الدستور السوري وحقوق جميع المكونات السورية دستورياً وقانونياً.
* بناء علاقات تعاون وتنسيق مع أعضاء البرلمان من مختلف المحافظات والانتماءات، بما يخدم المصالح الوطنية العليا والقضايا المحلية العادلة.
إن البرلمان اليوم ليس مجرد مؤسسة تشريعية، بل هو الساحة السياسية الأهم التي ستتبلور فيها ملامح سوريا الجديدة، ومن خلاله سيتم إعداد التشريعات، ومناقشة القضايا الوطنية الكبرى، والمساهمة في إنجاز العملية الدستورية.
ومن هنا فإن المرحلة القادمة تتطلب خطاباً وطنياً مسؤولاً، ورؤية سياسية متوازنة، وقدرة على بناء الشراكات والتوافقات. فبقدر ما ينجح ممثلو الكرد في أداء هذا الدور، بقدر ما يساهمون في تعزيز مكانة القضية الكردية ضمن المشروع الوطني السوري، وفي بناء دولة ديمقراطية عادلة يتساوى فيها جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، وتكون قادرة على احتضان جميع أبنائها دون تمييز أو إقصاء