دكاكين السياسة… حين تتحول القضية إلى تجارة

حسن قاسم
ليست المشكلة في كثرة الأحزاب بحد ذاتها، فالتعددية السياسية قد تكون علامة صحة في المجتمعات الديمقراطية، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأحزاب إلى مجرد دكاكين سياسية، لا همّ لها سوى اقتناص حصتها من المال السياسي، والاتجار بمعاناة الناس، واستثمار القضية الكوردية لتحقيق مكاسب ضيقة لا تمت إلى المصلحة العامة بصلة.
في روجافاي كوردستان، تجاوز عدد الأحزاب المئة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: ماذا قدمت هذه الأحزاب للشعب الكوردي في سوريا؟ هل نجحت في توحيد الصف؟ هل صنعت مشروعاً وطنياً جامعاً؟ هل استطاعت أن تنتزع اعترافاً دستورياً بالحقوق القومية للكورد؟ أم أنها استهلكت سنوات طويلة في الخصومات والانشقاقات والبيانات المتبادلة؟
في الوقت الذي تنشغل فيه القوى الدولية بإعادة رسم خرائط النفوذ، وتأمين خطوط الطاقة، وصياغة توازنات إقليمية جديدة، ما زالت غالبية القوى السياسية الكوردية أسيرة خلافات داخلية لا تنتهي. وكأن الزمن توقف عندها، بينما العالم يتحرك بسرعة مذهلة.
الشارع الكوردي يئن تحت وطأة الغلاء، وضعف الخدمات، وتراجع فرص العمل، والهجرة المتزايدة، فيما ينشغل بعض السياسيين بإدارة معارك جانبية لا تعود على المواطن بأي منفعة. والأسوأ من ذلك هو الاستثمار في العواطف القومية، وتحويل مشاعر الناس إلى وسيلة للحشد والتعبئة، من دون تقديم حلول واقعية أو برامج سياسية قابلة للتنفيذ.
القضية الكوردية أكبر من أن تكون وسيلة للارتزاق السياسي، وأقدس من أن تتحول إلى سلعة في سوق المصالح. والشعب الذي قدّم التضحيات لا يستحق أن يبقى رهينة حسابات شخصية وصراعات على النفوذ والمواقع.
لقد آن الأوان لمراجعة شجاعة وصريحة. فالمسؤولية الوطنية تقتضي الاعتراف بأن استمرار هذا الواقع يعني مزيداً من إهدار الفرص، وإضعاف الموقف الكوردي، ومنح الخصوم مساحة أوسع لاستغلال الانقسام.
لا يحتاج الكورد إلى مئة حزب، بل إلى رؤية واحدة، ومشروع سياسي واضح، ومؤسسات فاعلة، وخطاب عقلاني يجمع ولا يفرق. فالتاريخ لا يرحم من يضيّع الفرص، والشعوب لا تغفر لمن يتاجر بقضاياها.
إن الخطر لا ينتظر أحداً، والتحديات تتزايد من كل اتجاه. وإذا بقيت الخلافات الحزبية تتقدم على المصلحة الوطنية، فإن الخاسر الأكبر سيكون الشعب الكوردي نفسه.
قليل من المسؤولية، وقليل من احترام تضحيات الناس، كفيل بأن يعيد السياسة إلى معناها الحقيقي: خدمة المجتمع، لا استثماره. أما من يصر على تحويل القضية إلى تجارة، فسيكتشف عاجلاً أم آجلاً أن الشعوب قد تصبر طويلاً، لكنها لا تنسى من خذلها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…