مقالات

حين تنتصر المؤسسة على الانقسام… ماذا تعلمنا تجربة توحيد البيشمركة؟

كمال بكر
حين يأتي خبر عن توحيد قوات البيشمركة، يصعب أن نمر عليه كخبر عسكري عابر. فالمسألة، في جوهرها، ليست مجرد إعادة ترتيب ألوية وفرق وقيادات، ولا مجرد انتقال قوات 70 و80 إلى مظلة وزارة واحدة؛ إنها تفتح سؤالاً أوسع عن العلاقة بين الحزب والمؤسسة، وبين تعدد مراكز القوة وإمكان بناء قرار مشترك.
بيان وزير البيشمركة شورش إسماعيل، الذي أعلن اكتمال عملية التوحيد وإعادة التنظيم، يحمل في ظاهره نهاية لمسار طويل من العمل والتفاهمات. لكن ربما تكون أهميته الحقيقية في السؤال الذي يبدأ بعد الإعلان لا قبله: هل تستطيع المؤسسة، حين تتوحد هياكلها، أن تتجاوز أيضاً الرواسب السياسية التي رافقت نشأتها؟ وقد أعلن الوزير في 10 سبتمبر/أيلول اكتمال توحيد قوات 70 و80 وإعادة تنظيمها ضمن هيكل قيادة وسيطرة موحد، مع بدء قيادتي المنطقتين العسكريتين مهامهما.
فالحركة الكوردستانية في العراق عرفت، مثل كثير من الحركات السياسية، مراحل تداخل فيها الحزب والمؤسسة والقوة العسكرية إلى حد يصعب معه الفصل بينها. ومع مرور الزمن، لم يعد الأمر مجرد اختلاف سياسي بين قطبين، بل أصبح شبكة من المصالح ومراكز النفوذ والعلاقات الداخلية والخارجية. ومن هنا يلامس توحيد البيشمركة واحدة من أكثر المسائل حساسية: كيف يمكن أن يبقى الاختلاف السياسي مشروعاً، من دون أن يتحول إلى انقسام داخل المؤسسة؟
إذا نظرنا إلى إعلان توحيد قوات البيشمركة من زاوية أوسع، سنجد أن أهم ما فيه ليس لحظة الإعلان بحد ذاتها، وإنما المسار الذي أوصل إليها. فقد تحدث وزير شؤون البيشمركة شورش إسماعيل عن سنوات من العمل والتنسيق داخل الوزارة، وعن إعادة هيكلة القوات ضمن منظومة قيادة وسيطرة موحدة على مستوى الألوية والفرق وقيادات المناطق. وهذا يعني أن المسألة لم تكن مجرد تغيير في أسماء التشكيلات، بل محاولة لنقل واقع عسكري كان موزعاً تاريخياً إلى ترتيب أكثر توحيداً.
لكن الانتقال من القرار إلى الواقع يظل هو الجزء الأصعب. فالتجارب السياسية تعرف أحياناً قرارات للتوحيد لا تلبث أن تصطدم بالتفاصيل اليومية: من يملك صلاحية التعيين؟ كيف توزع الموارد؟ من يضع الخطط؟ وكيف تنتقل الأوامر من القيادة إلى الوحدات؟ لذلك يمكن أن يكون إعلان التوحيد نهاية مرحلة طويلة من التفاوض، وبداية مرحلة أخرى يصبح فيها المطلوب إثبات أن الترتيب الجديد قادر على العمل بصورة مستقرة.
وخلف هذا المسار تاريخ طويل من وجود قوتين عسكريتين ارتبطتا، بصورة أو بأخرى، بالتوازن السياسي بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني. لكن اختزال المسألة في مجرد صراع بين حزبين قد لا يفسر المشهد كله. فالتعدد السياسي في حد ذاته ليس مشكلة، بل هو جزء طبيعي من الحياة السياسية. المشكلة تبدأ عندما تمتد التعددية من مجال التنافس السياسي إلى تعدد مراكز القرار في أدوات القوة.
ومن هنا يبرز سؤال آخر: هل يستطيع الحزبان الاحتفاظ كل منهما بهويته السياسية ومواقفه المختلفة، في الوقت الذي تصبح فيه القوة العسكرية مجالاً مشتركاً لا يخضع لتوازنات حزبية موازية؟ ليس المطلوب أن تتطابق الرؤى السياسية حتى تعمل قوة واحدة، بل أن يكون هناك حد واضح بين حق الحزب في الاختلاف، وحق القوات الرسمية في العمل وفق سلسلة قيادة واحدة.
وقد تكون هذه إحدى أهم الأفكار التي تستحق التوقف عندها في التجربة: التوافق لا يعني بالضرورة إلغاء الاختلاف، وإنما إيجاد قواعد تمنع الاختلاف من تفكيك المشترك.
وهذا يقودنا إلى مسألة العلاقات الخارجية، وهي أكثر تعقيداً من أن تختزل في معادلة بسيطة من نوع: هذا الحزب أقرب إلى هذه الدولة، وذاك الحزب أقرب إلى تلك الدولة. فالعلاقات التي نسجها الحزبان مع دول الجوار لها جذور تاريخية ومصالح متبادلة، كما أن إقليم كوردستان يعيش في محيط إقليمي شديد الحساسية. لذلك فإن تعدد العلاقات مع الخارج ليس مشكلة بحد ذاته؛ السؤال هو أين تلتقي هذه العلاقات، وأين تتوقف حدودها عندما يتعلق الأمر بالمصلحة العامة للإقليم وقراره.
وفي هذا السياق، جاءت زيارة رئيس الاتحاد الوطني الكوردستاني بافل طالباني إلى طهران في 15 سبتمبر/أيلول 2026، ولقاءاته مع عدد من المسؤولين الإيرانيين. ولا ينبغي أن تُقرأ الزيارة وحدها باعتبارها دليلاً على تحول في السياسة الكوردستانية، كما لا يصح تجاهل دلالتها السياسية. فهي تذكّر بأن العلاقات الخارجية للحزبين ليست متطابقة، وأن لكل منهما قنوات واتصالات وتقديرات مختلفة. لكن السؤال الأهم ليس فقط: مع من يتحدث هذا الحزب أو ذاك؟ بل: كيف يمكن أن تتعدد العلاقات الخارجية من دون أن تتعدد معها مراكز القرار في القضايا التي تخص الإقليم كله؟
وهنا تدخل بغداد وكركوك في المشهد بصورة طبيعية. فالعلاقة بين إقليم كوردستان والحكومة الاتحادية ليست ملفاً خارجياً بالمعنى التقليدي، كما أن كركوك ليست قضية حزبية خالصة؛ إنها مساحة تتقاطع فيها مصالح كوردستانية وعراقية ومحلية وإقليمية. وقد تختلف أولويات القوى السياسية في بغداد أو في ملفات أخرى، لكن كلما ازدادت الملفات تشابكاً يصبح وجود مرجعية واضحة للمصلحة العامة أكثر أهمية.
وتأتي عملية توحيد قوات البيشمركة في وقت يشهد فيه العراق نقاشاً متجدداً حول موقع السلاح ودور المؤسسات الأمنية وحدود مراكز القوة. ومن هذه الزاوية، تبدو التجربة الكوردستانية جزءاً من سياق عراقي أوسع، من دون أن تكون نسخة عنه أو موضوعاً موازياً له. فالسؤال في الحالتين يلامس، بدرجات مختلفة، العلاقة بين القوة والمرجعية، وبين تعدد المصالح وإمكان بناء قرار واضح. ولعل أهمية توحيد البيشمركة تكمن أيضاً في أنه يجري داخل هذا السياق المتغير، حيث تصبح الحاجة إلى مؤسسة قادرة على تنظيم القوة وإدارة الاختلاف أكثر حضوراً. وفي الوقت نفسه، ما زال النقاش العراقي حول حصر السلاح بيد الدولة متحركاً، مع تأكيد المسؤول الأمني قاسم الأعرجي في 18 سبتمبر/أيلول عدم وجود مهلة زمنية محددة لجمع السلاح، واستمرار العمل لإعادته إلى مظلة المؤسسات العسكرية الرسمية.
ومن زاوية أخرى، يفتح النقاش العراقي حول «حصر السلاح» و«تنظيمه» نافذة مختلفة على السؤال نفسه. فالفارق بين المصطلحين يعكس تصوراً مختلفاً لموقع القوة وحدودها داخل الدولة. وفي المقابل، تأتي تجربة توحيد قوات البيشمركة بوصفها مساراً نحو جمع قوة كانت تاريخياً مرتبطة بمراكز سياسية مختلفة ضمن قيادة عسكرية واحدة.
ولا تكمن أهمية هذا التقاطع في إجراء مقارنة مباشرة بين الحالتين، وإنما في السؤال الذي تثيرانه معاً: أين يستقر مركز القرار عندما تتعدد مصادر النفوذ؟ فجمع القوات تحت مظلة واحدة لا يكفي وحده، كما أن تنظيم السلاح لا يحسم المسألة ما لم تتحدد المسؤولية، وتصبح آليات القرار والمساءلة جزءاً مستقراً من الممارسة اليومية.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل النقاش حول البيشمركة عن التحولات في العلاقة مع الولايات المتحدة. فقد ربط وزير البيشمركة إعلان التوحيد بالدعم الذي قدمه التحالف الدولي، فيما تتزامن المرحلة الحالية مع تحولات في الوجود العسكري الأميركي في العراق. وفي قراءة نشرها جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأميركي السابق، حذّر من أن وقف الدعم الأميركي للبيشمركة قد يخدم إيران ويزيد الضغوط على الإقليم. وهذه قراءة سياسية لبولتون، وليست إعلاناً رسمياً للسياسة الأميركية، لكنها تضع مسألة الدعم الخارجي أمام سؤال أوسع: ماذا يحدث عندما تتغير حسابات الحليف أو تتبدل أولوياته؟
ربما تكمن إحدى فوائد التوحيد هنا في أنه لا يجعل الإقليم أقل حاجة إلى العلاقات الخارجية، بل قد يجعله أكثر قدرة على إدارتها من موقع مؤسسي أوضح. فالعلاقات مع واشنطن أو أنقرة أو طهران أو بغداد ستبقى محكومة بالمصالح والجغرافيا والتوازنات، لكن وجود قوة عسكرية موحدة يمكن أن يخفف من احتمال أن تصبح هذه العلاقات امتداداً للانقسام الداخلي. ليست المشكلة في تعدد العلاقات، وإنما في أن تتحول هذه العلاقات إلى مراكز قوة متنافسة داخل البيت الواحد.
وعند هذه النقطة يعود السؤال إلى الداخل مرة أخرى. كيف نعرف أن عملية التوحيد انتقلت من الخطة إلى الواقع؟ ربما لا يكون الجواب في عدد الوحدات التي أعيد تنظيمها فقط، ولا في عدد القيادات التي تغيرت مواقعها. المؤشرات الأهم ستكون في التفاصيل التي لا تظهر كثيراً في البيانات: هل أصبحت سلسلة القيادة واضحة للجميع؟ هل تطبق قواعد التعيين والترقية بصورة موحدة؟ هل توزّع الموارد وفق معايير مشتركة؟ وهل توجد آليات واضحة للمساءلة؟ وهل يشعر المنتسب إلى البيشمركة بأنه ينتمي أولاً إلى قوة واحدة، بصرف النظر عن خلفيته السياسية؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من أهمية ما تحقق، بل تساعد على فهمه بصورة أكثر واقعية. فالتوحيد الذي يستمر يحتاج إلى أكثر من اتفاق سياسي في لحظة معينة؛ يحتاج إلى تراكم يومي يجعل القواعد الجديدة أمراً طبيعياً، ويجعل العودة إلى الصيغ القديمة أكثر صعوبة من الاستمرار في الصيغة المشتركة.
وربما هنا تكمن قيمة التجربة بعيداً عن تفاصيلها العسكرية. فالحياة السياسية لا تحتاج إلى أن تتخلص من الأحزاب كي تبني دولة أو إقليماً أكثر تماسكاً، كما أن الأحزاب لا تحتاج إلى امتلاك أدوات الدولة كي تثبت حضورها السياسي. ما تحتاجه هو أن تعرف كل جهة حدود دورها، وأن توجد مساحة مشتركة تستطيع أن تستوعب الاختلاف بدلاً من أن تعكسه في كل مؤسسة وفي كل قرار.
ليس ضرورياً أن يبدأ توحيد المجال السياسي من توحيد المواقف، فقد يبدأ أحياناً من توحيد القواعد التي تسمح للمواقف المختلفة بأن تتعايش داخل إطار واحد. وعندما تنجح هذه القواعد في حماية القرار المشترك، يصبح الاختلاف السياسي أقل خطراً على البناء العام، وأكثر قدرة على البقاء ضمن مجاله الطبيعي: الحوار والتنافس وتبادل الرؤى.
ربما يكون من المبكر القول إن المؤسسة قد انتصرت على الانقسام لمجرد أن القوات توحدت في هيكل واحد. فالمؤسسة لا تُقاس بشكلها التنظيمي وحده، وإنما بما تفعله حين تواجه الاختلاف، وكيف تمارس صلاحياتها، وكيف تحمي القرار المشترك من أن يعود إلى منطق مراكز النفوذ.
لذلك، فإن تجربة توحيد البيشمركة تستحق أن تُراقب في تفاصيلها أكثر مما تستحق أن يُحتفل بها في لحظتها الأولى. فنجاحها الحقيقي سيظهر عندما يصبح العسكري جزءاً من مؤسسة واحدة، لا ممثلاً لتوازنات حزبية داخلها؛ وعندما تصبح العلاقات مع الخارج أدوات تخدم مصالح الإقليم ومؤسساته، لا قنوات تعيد إنتاج الانقسام الداخلي.
وربما يكون هذا هو الدرس الأوسع: لسنا بحاجة دائماً إلى أن نتفق في كل شيء كي نبني مؤسسة واحدة. قد يكون المطلوب، على العكس، أن نبني مؤسسات قادرة على إدارة اختلافنا من دون أن يتحول الاختلاف إلى انقسام.
فالحزب سيبقى حزباً، والسياسة ستبقى مجالاً للتنافس، والعلاقات الإقليمية والدولية ستبقى جزءاً من ضرورات المرحلة. لكن السؤال الأهم يبقى: هل نستطيع أن نجعل المؤسسة هي المساحة التي يلتقي فيها كل ذلك، بدلاً من أن تتحول المؤسسة نفسها إلى ساحة جديدة للصراع؟
ربما هنا، تحديداً، يبدأ الاختبار الحقيقي.
وحين تمر فترة كافية على تجربة التوحيد، يمكن عندها أن نعود إلى السؤال الأول بصورة أكثر هدوءاً: هل انتصرت المؤسسة فعلاً على الانقسام، أم أننا نجحنا فقط في نقل الانقسام من شكل إلى آخر؟
Bonn: 18.09.2026

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب