مجلس شعب بلا تمثيل حقيقي

شادي حاجي 
يفترض بأي مجلس شعب في دولة تحترم دستورها وإرادة مواطنيها أن يكون مرآةً حقيقيةً للتنوع القومي والديني والطائفي والثقافي، وأن يستمد شرعيته من انتخابات حرة ومباشرة تعبّر عن إرادة السوريين جميعاً. إلا أن الآلية المطروحة حالياً لتشكيل مجلس الشعب في سوريا تثير تساؤلات جدية حول شرعية المجلس وقدرته على تمثيل المجتمع السوري بكل مكوناته، خاصةً في ظل منح الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، حق اختيار سبعين عضواً بشكل مباشر، مقابل انتخاب مئة وأربعين عضواً عبر “هيئات ناخبة” غير منتخبة شعبياً، في عملية تفتقر إلى الاقتراع الحر والمباشر لجميع السوريين.
فالشرعية الدستورية لأي سلطة تشريعية لا تقوم فقط على وجود مجلس يحمل صفة “البرلمان” أو “مجلس الشعب”، بل على تمثيل شعبي حقيقي يضمن المشاركة المتكافئة والشفافة. وعندما تتحول العملية السياسية إلى آلية لإعادة إنتاج السلطة ذاتها عبر التعيين أو الانتقاء غير المباشر، يفقد المجلس دوره السياسي والقانوني والأخلاقي بوصفه مؤسسة تعبّر عن الإرادة العامة، ويتحول إلى إطار شكلي يفتقر إلى الثقة الشعبية والاستقلالية.
وفي هذا السياق، تتجلى أزمة التمثيل بصورة أوضح عند تناول قضايا المكونات القومية والدينية والطائفية والسياسية في سوريا، وفي مقدمتها القضية الكردية، باعتبارها إحدى أبرز القضايا المرتبطة بالهوية الوطنية والشراكة الدستورية والحقوق القومية والسياسية والثقافية والإدارية. فهذه القضايا لا يمكن معالجتها داخل مؤسسات تفتقر إلى التمثيل الحقيقي أو تعمل ضمن توازنات سياسية غير متكافئة، ولا ضمن آليات تقوم على الغلبة العددية أو الإقصاء السياسي.
وتبرز خطورة هذا الواقع بشكل أكبر عند الحديث عن تمثيل الشعب الكردي داخل مجلس الشعب، إذ إن هذا التمثيل لا يبدو متناسباً مع وجوده التاريخي والسكاني والديموغرافي، ولا مع دوره الوطني والسياسي في سوريا. كما أنه لا يستند إلى نظام قانوني واضح يضمن تمثيلاً عادلاً لجميع المكونات. وحتى اليوم، لا يوجد أي اتفاق أو إطار دستوري يضمن تمثيلاً منصفاً يعكس الحجم السكاني والدور الوطني للكرد، رغم أن نسبتهم تُقدَّر بين 15% و20% من سكان البلاد.
وهنا يطرح السؤال نفسه:
هل يعكس التمثيل الحالي للشعب الكردي في مجلس الشعب شراكة وطنية حقيقية قائمة على المساواة الدستورية، أم أنه ما يزال خاضعاً لاعتبارات سياسية وإدارية تحد من فاعليته في القرار الوطني؟
كما يبرز سؤال آخر أكثر شمولاً:
هل بات من الضروري تكريس تمثيل عادل وواضح لكافة المكونات السورية دون استثناء، ضمن إطار دستوري يضمن المساواة والشراكة الفعلية؟ وكيف يمكن تحقيق ذلك بطريقة مستدامة وعادلة؟
إن القضية الكردية في سوريا ترتبط أساساً بضرورة الاعتراف الدستوري بالشعب الكردي وحقوقه القومية والسياسية والثقافية، وبناء شراكة وطنية حقيقية بعيدة عن سياسات الإقصاء والتهميش التي تعرّض لها الكرد لعقود طويلة. كما أن مطالب بقية المكونات السورية، من دروز وعلويين ومسيحيين وغيرهم، لا يمكن اختزالها في تمثيل رمزي أو محدود، بل تتطلب عقداً وطنياً جديداً قائماً على المواطنة المتساوية والاعتراف المتبادل والشراكة الدستورية.
ولا خلاف على أهمية التعاطي الإيجابي مع الاستحقاقات السياسية والإدارية ضمن إطار الدولة السورية، إذا كان ذلك جزءاً من مسار مرحلي يهدف إلى تثبيت الحقوق القومية للكرد دستورياً ضمن شراكة وطنية حقيقية. لكن الإشكالية القانونية تكمن في أن مفاهيم مثل “الشراكة القومية” و“تجاوز منطق الأقلية والأكثرية” ما تزال غير محددة دستورياً، ولم تُترجم إلى آليات قانونية واضحة تضمن الحقوق وتحميها.
كما أن ربط الحقوق القومية بفكرة “الشراكة في تأسيس الدولة” يبقى توصيفاً سياسياً أكثر منه قاعدة دستورية متفقاً عليها، ما لم يُكرَّس ضمن عقد وطني ودستور واضح. لذلك، فإن الخطر لا يكمن في المشاركة المرحلية بحد ذاتها، بل في تحولها إلى بديل دائم عن الحل الدستوري الحقيقي الذي يعترف بالتعدد القومي ويضمن الحقوق بعيداً عن تقلبات السياسة وموازين القوى.
وفي ظل غياب انتخابات حرة وتعددية سياسية حقيقية، يصبح من الصعب اعتبار أي مجلس قائم ممثلاً فعلياً لجميع السوريين، أو قادراً على اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بشكل الدولة، واللامركزية، والهوية الوطنية، والضمانات الدستورية للمكونات المختلفة. فهذه القضايا لا تُحسم بمنطق الغلبة السياسية أو التصويت العددي داخل مجلس ناقص الشرعية، بل عبر الحوار الوطني الشامل والتوافق الدستوري بين جميع القوى والمكونات السورية.
كما أن أي عملية سياسية لا تستند إلى التمثيل الحقيقي والإرادة الشعبية الحرة، ولا تضمن مشاركة عادلة لجميع المكونات السورية، لن تكون قادرة على إخراج البلاد من أزمتها العميقة أو بناء مؤسسات شرعية ومستقرة تحظى بثقة السوريين. فالدولة الديمقراطية لا تُبنى عبر التعيين أو المحاصصة الشكلية، وإنما عبر المشاركة الشعبية الحقيقية والاعتراف المتبادل بين جميع مكونات المجتمع.
إن استمرار تغييب الإرادة الشعبية يعمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع، ويزيد من فقدان الثقة بالمؤسسات العامة، لأن المواطن السوري يدرك أن صوته لا يملك تأثيراً حقيقياً في تشكيل السلطة أو محاسبتها. ولذلك، فإن أي عملية سياسية جادة في سوريا يجب أن تبدأ بإعادة الاعتبار لمفهوم التمثيل الشعبي الحقيقي، وبناء نظام انتخابي عادل يضمن مشاركة جميع المكونات وفق أسس واضحة وشفافة، ويؤسس لدولة القانون والمواطنة المتساوية والمؤسسات، دون إقصاء أو تمييز.
فسوريا لا يمكن أن تستعيد عافيتها السياسية والدستورية إلا عندما يصبح الشعب المصدر الحقيقي للسلطات، وتقوم الدولة على العدالة والشراكة الوطنية والمساواة بين جميع أبنائها، بعيداً عن الهيمنة والانغلاق واحتكار القرار السياسي.
فمجلس الشعب لا يكتسب شرعيته من اسمه، بل من قدرته على تمثيل السوريين جميعاً بعدالة ومساواة، ضمن دولة تقوم على الدستور الذي يعترف بسوريا تعددية والشراكة الحقيقية لا على الإقصاء والهيمنة.
وإلى مستقبل أكثر عدالةً ونضجاً.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبد الحميد زيباري   ما إن تفتّحت أعيننا على هذه الدنيا، ونحن في العراق نتنفس غبار الحروب؛ معركة تولد من رحم أخرى، في دوامة عبثية لا ناقة لنا فيها ولا جمل. كأنّ قدرنا، نحن أبناء هذه الرقعة الجغرافية المثقلة بالتاريخ، أن نكون حطبًا لصراعات لا تنتهي، وتدفع شعوبنا ضريبة فادحة من أرواحها وأمنها، واهنةً تحت وطأة الأقدار التي جعلت…

روني علي وقفة .. أعتقد .. فيما لو حاولنا أن نعيد النظر في تجربتنا السياسية / الحزبية، فإن الخطوة الأولى تكمن في أن على الجيل الذي يتربع على عرش القرار الحزبي وكذلك المشيخات -جيل الستينات فما فوق – إدراك حقيقة أن أدوات وآليات العمل السياسي قد تخطت المرحلة الزمنية التي تشكلت في أحشائها الآليات التي لم تزل تعتمدها أحزابنا بل…

د. فريد سعدون قسد والإدارة الذاتية، بعد استكمال انضمامها للحكومة، ستكون قد أغلقت صفحة من التاريخ أسست فيها دويلة مساحتها ٩٠ ألف كيلومتر مربع لمدة عشر سنوات بكل ثرواتها ومواردها الاقتصادية والمالية … أسدلت الستار على صفحة مدججة بالطلاسم والشعارات والأحلام ، صفحة كتبت اسرارها الاقتصادية والمالية بحبر سري … وسيبقى المواطن العادي يتساءل عن البنية التحتية والخدمية من الكهرباء…

حسن قاسم ليست المشكلة في كثرة الأحزاب بحد ذاتها، فالتعددية السياسية قد تكون علامة صحة في المجتمعات الديمقراطية، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأحزاب إلى مجرد دكاكين سياسية، لا همّ لها سوى اقتناص حصتها من المال السياسي، والاتجار بمعاناة الناس، واستثمار القضية الكوردية لتحقيق مكاسب ضيقة لا تمت إلى المصلحة العامة بصلة. في روجافاي كوردستان، تجاوز عدد الأحزاب المئة، لكن…