صقيع دمشق وسخونة الهوية: حوار المكاشفة مع المرحوم حسن عبد العظيم عام 2004

عبدالباقي اليوسف

مدخل

هذا الفصل مقتطع من جسد مذكراتي المكتوبة بلغة الروح والمنشأ—الكردية—والتي ما زلتُ أخطّ صفحاتها. غير أنني وجدتُ لزاماً عليّ اليوم أن أترجمه إلى العربية، لأضعه بين أيدي شبابنا وقوانا السياسية؛ كاشفاً عن كواليس مرحلةٍ كان وعي المعارضة التقليدية فيها مشوهاً بالعصبية القومية العمياء، وتُنظر فيه إلى قضيتنا وزعمائنا بعيونٍ قاصرة.

في هذا الفصل، أستعيد تفاصيل لقائي العاصف والمشحون مع المرحوم السيد حسن عبد العظيم عام 2004 في صالونه الدمشقي. كان يُفترض أن يحمل اللقاء هَمّ الشأن السوري الراهن، لكنه تحول إلى جبهة عتاب ومحاكمة؛ إذ انشغل عبد العظيم بمساءلتنا بمرارة: “لماذا لا تساندون القضية الفلسطينية؟”، مندفعاً في هجومٍ حاد وصادم ضد القيادات الكردستانية في العراق، متغافلاً تماماً عن مآسي الداخل السوري.

قد يحتجّ البعض باتفاق عام 2005 بين “التجمع” والأحزاب الكردية كدليل على الانفتاح، لكن الحقيقة التاريخية تظل عنيدة؛ فهم الذين عارضوا لافتة خجولة تطالب بـ “حل ديمقراطي للقضية الكوردية” أواخر 2003. ولم يتبدل خطابهم إلا تحت وطأة أمواج الشارع: مظاهرات دمشق، تضحيات أحزابنا، اعتقال الآلاف من شبابنا، والزلزال المدوي لانتفاضة آذار 2004.

اليوم، نواجه فئة جديدة ذات خطاب منمق، لكنها لا تختلف بجمود عقليتها عن الماضي سوى بضعف هيمنتها ونوع تحالفاتها الإقليمية. ومع ذلك، على القوى الفاعلة أن تحاورها من موقع الندية الكاملة، لا التبعية. فالقضية الكردية ستبقى صلبة رغم الانكسارات العابرة في مسار النضال؛ والمنطقة اليوم تقف على أعتاب تحولات كبرى، سيكون لقضيتنا العادلة فيها نصيب وافر وحتمي.

رسالة البني ومعتوق

مع إطلالة شهر شباط من عام 2004، كنتُ في دمشق حيث تزدحم الكواليس بالنقاشات حول مآلات الوضع المحتقن. وفي لقاء خاص، جمعني بالمحاميين والناشطين البارزين في مجال حقوق الانسان أنور البني ورياض معتوق، واللذين يمثلان طليعة المحامين الأحرار المدافعين عن المعتقلين الكرد أمام محاكم أمن الدولة؛ حملا إليّ أصداء حراكٍ دبلوماسي وسياسي يُطبخ على نار هادئة في أروقة المعارضة.

أبلغاني البني ومعتوق بلقاء هام ومطول جمعهما مؤخراً بالسيد حسن عبد العظيم، رئيس “التجمع الوطني الديمقراطي” الذي ضم آنذاك ستة أحزاب معارضة. نقلا عن المحاميين، وخلال اللقاء، ناقشوا برؤية واضحة طبيعة المرحلة، موضحين له أن العلاقات التقليدية للتجمع مع أحزاب “التحالف” أو “الجبهة” الكردية تحتاج إلى مراجعة وتطوير لتواكب الواقع الجديد، نظراً لظهور قوى وحركات شبابية ثورية جديدة في الشارع الكردي تتطلب صياغة تفاهمات أوسع تشمل كافة الأطراف الفاعلة..

ما زال صدى ما نقله لي أنور البني يتردد في مسامعي حين أخبرني بما قاله لحسن عبد العظيم حرفياً: “إذا كنتم تودون كسب الشارع الكردي إلى جانبكم في معركة الديمقراطية، فما عليكم إلا الالتقاء بحزب يكيتي، فهو المعبّر الحقيقي والنبض الفعلي لهذا الشارع”.

بناءً على هذا الطرح، كان عبد العظيم قد ابدى قبولاً مبدئياً، واقترح علينا المحامون المبادرة باللقاء لكسر الجليد التاريخي بين الحركة الكردية والمعارضة العربية. حينها، وبصفتي سكرتير حزب “يكيتي”، وبثقة المستند إلى شرعية الشارع، أكدتُ لهم أن أيادينا ممدودة دائماً لكل قوى المعارضة الوطنية.

أوضحتُ لهم أننا نريد النضال معاً لأجل ديمقراطية البلاد وحرية الشعب السوري بكافة مكوناته، فضلاً عن غايتنا الأساسية في انتزاع الاعتراف الدستوري والسياسي بحقوق الشعب الكردي على أساس المواطنة الكاملة والعدالة، ورفض التعامل مع الكرد كمواطنين من درجات أدنى. وبناءً على هذه الأرضية الصلبة، اتفقنا عملياً على تلبية المقترح وتحديد موعد اللقاء العتيد.

 صقيع قاسيون وبشارات الحرية

كنا في ذلك الوقت نقترب بخطى متسارعة من موعد جلسة محاكمة الرفيقين القياديين “حسن صالح” و”مروان عثمان”، المقررة في الثالث والعشرين من شباط عام 2004 أمام محكمة أمن الدولة العليا. ولأن ثقل قيادة الحزب والعديد من الكوادر والمحامين سيكونون متواجدين حتماً في دمشق، ارتأينا أن نضرب عصفورين بحجر واحد؛ فاتفقنا على أن يكون اللقاء مع السيد حسن عبد العظيم في اليوم نفسه، مباشرة بعد انتهاء جلسة المحاكمة وتبيان مصير رفاقنا خلف القضبان.

وفي الثالث والعشرين من شباط، استيقظت دمشق على وجهٍ مغاير؛ كان يوماً بارداً غائراً في ذاكرة كل من سكن العاصمة حينها، فقد تساقطت الثلوج بكثافة، وتكلل جبل قاسيون بثوب أبيض ناصع، وكأنه كفن يلف ليل الاستبداد الطويل.

توجهنا نحو مبنى محكمة أمن الدولة العليا القريب من ساحة “السبع بحرات”. كان الجو هناك قارساً لا يطاق، والرياح العاتية تهب بقوة حاملة غبار الشوارع ونثار الثلج المتطاير من قمة الجبل، لتضرب وجوهنا بقسوة. أتذكر وسط تلك الجموع المحتشدة من ذوي المعتقلين والناشطين، اخترقت الصفوف مراسلة إذاعة “مونت كارلو” الدولية، واقتربت مني والارتجاف يملأ صوتها، لتحصل على تصريح إذاعي سريع حول توقعاتنا ورسالتنا السياسية، ثم غادرت الساحة مسرعة وهي تعتذر لعدم قدرتها على الصمود في هذا الطقس المؤلم.

لكن الصقيع سرعان ما بددته حرارة الفرح؛ إذ جاء قرار المحكمة الاستثنائية عكسا لتوقعاتنا قياساً بظروف البلاد الملبدة؛ حيث تقرر إخلاء سبيل الرفيقين “حسن صالح” و”مروان عثمان” فوراً، بالاكتفاء بمدة توقيفهما التي بلغت سنة وثلاثة أشهر.

عقب صدور القرار غمرتنا فرحة عارمة، واعتبرنا الحدث انتصاراً لصلابة رفاقنا وصمود شعبنا. ودعوتُ على الفور المحامين المتطوعين الذين تولوا معركة الدفاع الشرسة –وكان من بينهم أنور البني، خليل معتوق، صبري ميرزا و عبدالعزيز شيخو، ولفيف من الشخصيات الوطنية وسكرتير الحزب اليساري الكردي السيد خيرالدين مراد، وعدد من الرفاق وتوجهنا معاً لتناول الغداء في أحد مطاعم دمشق الدافئة، احتفاءً بالأخبار السارة.

في ضيافة الميدان ومراوغة الهوية

في الوقت المحدد تماماً من عصر ذلك اليوم المشهود، وبعد أن تنفسنا الصعداء بنيل الرفاق حريتهم، توجهتُ برفقة الرفيق حينها فؤاد عليكو نحو حي “الميدان” الدمشقي العريق، وتحديداً بالقرب من كراج الحجاز القديم، حيث يقع مكتب المحامي والسياسي البارز حسن عبد العظيم. كان اللقاء يمثل مواجهة بين رؤيتين؛ رؤية كردية صلبة انبثقت من صميم الشارع المحبط، ورؤية معارضة عربية تقليدية لا تزال تتحسس خطاها في فهم الخصوصية القومية للكرد.

استقبلنا الرجل بحفاوة بالغة وترحيب دافئ يفرضه بروتوكول السياسة والضيافة الدمشقية. وبعد أن أخذنا مجالسنا في مكتبه الذي تفوح منه رائحة الكتب القديمة، بادر بنفسه وحمل “دلة” القهوة المرة ليضيفنا بيده. وقبل أن يصب القهوة، أراد عبد العظيم بذكائه المعهود أن يفتتح الجلسة بحديث يحمل صبغة الدعابة ليخفف التشنج ويمهد لطروحاته، فقال ضاحكاً وهو يداعبنا بملاطفة ذات مغزى عميق:

“أنا في الأساس أتكلم اللغة العربية، لكن ما هو أصلي الحقيقي؟ الله وحده يعلم من أي قومية أو عرق أنا! لكننا نتحدث العربية اليوم فنحن عرب، وبما أنكم تتحدثون العربية بطلاقة مثلنا، فنحن إذاً كلنا عرب!”.

أطلقتُ ابتسامة هادئة، لكنني أدركتُ خلف قناع الدعابة الباسمة عمق المأزق الفكري الذي كان يعيشه عقل المعارضة التقليدية. كان واضحاً أن الرجل يحاول استخدام هذا الأسلوب المرح ليغطي على جوهر الخلاف الهوياتي والسياسي العميق. كانت محاولة سلسة لإعادة إنتاج مفهوم “الصهر الثقافي” وتذويب الخصوصية الكردية بنكهة “المعارضة الديمقراطية”؛ وهو ذات الجدار الصلب الذي سنقضي سنوات نحاول تفكيكه لإقناع شركاء الوطن بأن الاعتراف بالآخر يبدأ من الاعتراف باختلافه، لا بمحاولة إلحاقه بالمركز.

يا لإحباطنا ..

بعد أن انتصف مجلسنا وارتشفنا القهوة، اتكأ السيد حسن عبد العظيم على مسند كرسيه، وفجأة تبدلت ملامحه وغابت تلك الابتسامة، وحلّت مكانها نبرة مغايرة مشحونة بلوم وعتاب للأحزاب الحركة الكردية، مخصّصاً بالذكر حزبنا آنذاك “حزب يكيتي الكردي”.

اندفع الرجل يلقي بأحكامه، مدعياً أن موقف “يكيتي” يشوبه الغموض تجاه القضايا القومية العربية المصيرية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية التي أفاض في وصفها معتبراً إياها بوصلة النضال. التفت إلينا متسائلاً بنبرة لا تخلو من التقريع: “كيف لا تسانِدون الحركة الوطنية الفلسطينية في معركتها المصيرية وتتخاذلون عن نصرتها؟!”. ثم تجاوز الحدود الجغرافية ليعرج بصوته الغاضب نحو كردستان العراق، موجهاً هجوماً حاداً لاذعاً لزعامات الحركة التحررية هناك، وذكر بالاسم الرئيس الراحل “جلال طالباني” والسيد “مسعود البارزاني”، كالاً لهما اتهامات ثقيلة بالاستقواء بالتدخل الأجنبي لتفتيت العراق، بل ومضى إلى حد تخوينهم الصريح ورميهم بالعمالة لدول الاستعمار.

كان الاستماع إلى هذا السيل من الخطاب الإقصائي أمراً مزعجاً ومحبطا للغاية بالنسبة إلينا كقادة كرد قادمين من أتون الشارع المثقل بالآلام والآمال، معتقدين ان المعارضة السورية كانت في صدد مراجعة الكثير من آرائها. لكن يا خيبتاه. ومع ذلك، آثرنا الصبر إذ قررنا أن نستمع إليه بإنصات شديد حتى يفرغ تماماً من كل ما جادت به جعبته الأيديولوجية الكلاسيكية.

عندما سكن صوته، التفتُّ إليه بهدوء شديد وسألته: “هل انتهيت تماماً من حديثك، أم أن في جعبتك شيئاً آخر تود إضافته؟”. كنت قد لاحظت بأسف أنه على مدار قراءته الطويلة لم يتطرق ببنت شفة للوضع الداخلي المتردي في سوريا، ولا لآفاق العمل الوطني المشترك، وتجاهل، لا ادري عن عمد او لا، معاناة الشعب الكردي، وتغافل عن وجع الشعب السوري الرازح تحت وطأة الديكتاتورية بشكل عام.

تنحنحتُ، وبدأتُ حديثي بمواجهة كلمات صلبة صاغتها عقود من الألم: ” سيد حسن، كنا قادمين إليك اليوم ويحدونا أمل كبير بأن نتحدث عن الشأن السوري الراهن، وعن تراجيديا شعبنا الكردي في سوريا خصوصاً، لعلنا نلتقي عند مساحات لرؤية مشتركة تجمع شتاتنا في نضالنا لبناء وطن حر يتنفس مواطنوه حرية تعيد لهم كرامتهم المهدورة. لم نكن نتصور أبداً أن تبادرنا في أول لقاء رسمي بهذا الهجوم العنيف والتشكيك في انتمائنا الوطني”.

تابعت وعيني شاخصتان في عينيه: “بالنسبة للشعب الفلسطيني وقضيته، فنحن الكرد لم نقف يوماً في رماد الحياد، بل كنا دائماً إلى جانب حقوقه المشروعة. وإن كنت لا تعلم بهذه الحقائق، فتستطيع مراجعة صفحات التاريخ القريب؛ سل التاريخ في أواخر الستينيات والسبعينيات وحتى الثمانينيات كيف كان الشعب الكردي يدعم الفلسطينيين، وكيف كانت القرى والأحزاب الكردية تستضيف كوادرهم وتنظم لهم الندوات السياسية، بل إن الكرد البسطاء كانوا يتبرعون بأموالهم وقوت عيالهم لدعم الشعب الفلسطيني”

أتذكر قوة الحجة واحباطي أمليا ان ارفع نبرة صوتي: “لكن في المقابل، وبكل أسف ومرارة، ما الذي وجدناه من قادة ومثقفي الشعب الفلسطيني تجاه قضيتنا؟ لقد عشنا مواقف مخزية تدمي القلوب عندما اقترف النظام العراقي المجرم مجازر (الأنفال) الرهيبة، وقضى على أكثر من 182,000 إنسان كردي أعزل دُفنوا أحياءً في مقابر جماعية. ثم أتبع تلك الوحشية بقصف مدينة (حلبجة) بالسلاح الكيماوي، لتزهق أرواح أكثر من 5,000 شهيد. ومع كل هذه البشاعة، وقف الفلسطينيون قيادة ونخباً إلى جانب القاتل يبررون جرائمه! بل إن صحفهم كتبت حينها بسخرية سوداء: (ماذا يتوقع الأكراد من قيادتهم؟ هل يريدون من النظام العراقي أن يلقي عليهم الورود؟!). هذا الموقف الصادم هو الذي دفع الحركة الكوردية لإعادة النظر جذرياً في تقييم مواقف قادة فلسطين. وحتى أحزابكم السورية هنا، لم يصدر عن أي منها موقف خجول يدين جرائم نظام البعث الصدامي”.

التفتُّ إليه مباشرة بحسم: “أما أن تأتي اليوم لتعاتبنا بأننا لا نمد يد العون للشعب الفلسطيني.. فدعني أسألك بوضوح المكتوي بنار المظلمة: متى وقفت أنت وأحزابك الستة إلى جانب الشعب الكوردي السوري في محنه؟ في عام 1962، وفي ليلة واحدة، جُرد أكثر من 120,000 إنسان كوردي سوري من جنسيتهم بجرة قلم شوفينية، واليوم في عام 2004 لا يزال أبناؤهم محرومين من حقوقهم المدنية كغرباء في وطنهم! لم نلمس منكم يوماً واحداً موقفاً يندد بسياسات الحزام العربي والمشاريع العنصرية التي تُمارس لتغيير ديمغرافية مناطقنا في سوريا. لم نشهد يوماً تجمعاً سياسياً سورياً يملك الشجاعة لإصدار بيان تضامني يساند معاناتنا، باستثناء رفاق حزب العمل الشيوعي الذين أقروا بحل القضية الكردية ودفعوا ثمن ذلك. وتأمل معي هذه المفارقة: رغم العداء المستعر بين الفلسطينيين وإسرائيل، نرى منظمات إسرائيلية تخرج في تل أبيب لتندد ببعض ممارسات حكومتها حيال الفلسطينيين، بينما أنتم، ما الذي قدمتموه لنا؟ ألسنا جزءاً من هذا الشعب السوري ومن تراب هذا الوطن؟ والآن، تأتي لتجلس في مكتبك الوثير وتكيل لنا العتاب وكأننا نحن المقصرون!”.  

استرسلت في كشف تلك التناقضات: “أنت الذي تطالبني بمواقف أخلاقية، أين كان ضميركم الجمعي تجاه شعب كردستان العراق في محنته الكبرى عام 1991 إبان الهجرة المليونية؟ حين شُرد ملايين الأبرياء بفعل صواريخ ودبابات صدام والتحفوا جبال كوردستان الوعرة في ذلك البرد القارس، هل قام أي منكم بإرسال مساعدات لسد جوع أطفالنا؟ هل تحرك حزب واحد من أحزابكم القومية ليجمع التبرعات لهم؟”.

في تلك اللحظة، وأمام هذا السيل الهادر من الحقائق، بدا الارتباك والوجوم واضحين على تقاسيم وجه السيد حسن عبد العظيم. مدركا تداعيات حديثه، وحاول مقاطعتي مراراً لتلطيف كلامه تراجعاً بالقول: “يا أخي، أنا لم أكن أقصد توجيه الأمر بهذا الشكل الحاد…”. لكنني لم استطع التوقف هنا بعد الاستماع لسيل الاحكام والمفارقات في حديثه، وتابعت: “في ذلك الشتاء المأساوي من عام 1991، هل تذكر ماذا كان موقف رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات؟ لقد خرج في تصريح متلفز وموثق يعتب فيه بمرارة على الإدارة الأمريكية، لا لأنها تضرب الحصار، بل لأنها برأيه تغدق المساعدات على الكرد وترمي لهم (الفراريج الساخنة) عبر الطائرات في أعالي الجبال وتترك الفلسطينيين! هذا هو التضامن الفلسطيني الذي تلومنا بسببه اليوم”.

ثم انتقلت إلى رد الاعتبار الرمزي والسياسي لرموز الحركة الكردية الذين نال منهم، فقلت له بنبرة حاسمة لا تقبل المساومة: “أما بخصوص تهجمك وتطاولك على القيادات التاريخية في كوردستان العراق، فهذا أمر مرفوض جملة وتفصيلاً. هؤلاء هم رموز ومناضلون وطنييون شرفاء بكل ما تحمله الكلمة من معاني التضحية. إن النظام العراقي الديكتاتوري هو الذي جلب الجيوش والقوى الدولية برعونته وغطرسته السياسية، وكما أثبت التاريخ فإن (الطغاة هم من يجلبون الغزاة)، وليس للكرد يد في تلك المغامرات. أم أنك كنت تتوقع من الكرد، بعد كل المقابر الجماعية التي اقترفها ذلك النظام، أن يقفوا في خندقه ليحموا طغيانه؟! هذا النظام هو الذي غزا دولة الكويت واحتلها، واليوم يدفع صاغراً فواتير ما جنته يداه، وتريد الآن أن ترمي بتبعات خطاياه الكارثية على كاهل الضحية الكردية؟! كلا، هؤلاء قادة كبار ناضلوا من أجل حرية شعبهم، وليسوا كما تحاول مخيلتكم الأيديولوجية تصويرهم كعملاء”.

بعد أن أفرغتُ ما في جعبتي من حقائق التاريخ والتي أظهرت حدة التناقضات في حديثه، ساد صمتٌ ثقيل أربك هدوء المكتب. في تلك اللحظة، التقط الرفيق فؤاد عليكو خيط الحديث؛ ليوجه إلى عبد العظيم لوماً وعتاباً مكملاً لما طرحتُه من مكاشفة، وإن صاغه بنبرة اتسمت بالهدوء، بعيداً عن حدة كلماتي المشتعلة.

وعندما أنهى فؤاد كلامه، حسمنا اللقاء ونهضنا معاً لمغادرة المكان، لكن المفاجأة تجلت في سلوك عبد العظيم وهو يقف بيننا متمسكاً بوجودنا بشكل لافت؛ إذ انبرى يقدم الاعتذارات المتلاحقة عما بدر منه من توصيفات جائرة، مدعياً أنها لم تكن مقصودة. حاول جاهداً اصلاح الموقف. ولم يكتفِ بتوديعنا عند عتبة المكتب، بل رافقنا إلى الشارع ومشى معنا مسافة غير قصيرة تحت وطأة صقيع دمشق وهو لا يتوقف عن تلطيف الأجواء.

في جوهر الأمر، لم يكن هذا اللقاء مجرد محطة عابرة، بل منحنا بصيرة أعمق حول عقلية القوى “المعارضة” السورية؛ إذ أدركنا أنها لا تملك مشروعاً جاداً للتعامل مع الكرد كشركاء حقيقيين في الوطن، بل يبحثون عن أحزاب تابعة تلتحق بركبهم وتكتفي بقول “سمعاً وطاعة”، ليستخدموها كواجهة سياسية أمام المجتمع الدولي، دون امتلاك أي ثقافة لقبول الآخر أو الاعتراف بالخصوصية القومية للكرد. وهذا العقم الفكري هو المسبب التاريخي لغياب الانسجام الفعلي بين حركتنا وشعبنا من جهة، وبين النخب السياسية العربية من جهة أخرى. وللأمانة ورغم سلبية اللقاء، ربما كان المرحوم حسن عبد العظيم من القلائل في صفوف المعارضة آنذاك اللذين ارتأوا ضرورة مد اليد للحركة الكردية وتياراتها الفاعلة في الشارع. فمثلا لا زلت لحد اليوم لا اعلم لماذا لم يحضر هذا اللقاء سوى السيد حسن عبد العظيم. اين كانوا ممثلي الأحزاب الستة المشكلين للتجمع؟ سؤال يصعب اجابته اليوم.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

كفاح محمود لم تعد القضية الكردية مجرد ملف قومي مؤجل في خرائط الشرق الأوسط، بل تحولت إلى عنصر مؤثر في معادلات الأمن والطاقة والحروب وإعادة تشكيل النفوذ الإقليمي، فبعد عقود من المواجهات المسلحة والقطيعة السياسية، تشهد المنطقة تحولات عميقة قد تفتح الباب أمام مقاربات مختلفة للقضية الكردية، خصوصًا مع التطورات الأخيرة في تركيا وسوريا، مقابل تعقّد المشهد في إيران والعراق،…

حسن قاسم المراقب لتطورات النزاع الأمريكي ـ الإسرائيلي مع إيران، يلاحظ أن مسار المفاوضات الجارية يبدو أقرب إلى لعبة شراء الوقت منه إلى البحث الجدي عن تسوية سياسية حقيقية. فطهران تدرك أن عامل الزمن يعمل لمصلحتها في كثير من الأحيان، بينما ترى واشنطن أن الضغوط الاقتصادية والعقوبات والتهديدات العسكرية قد تدفع النظام الإيراني في النهاية إلى تقديم تنازلات استراتيجية. لكن…

مهند محمود شوقي في العراق، لا تُقاس قوة المكونات بعدد المقاعد فقط، بل بقدرتها على صناعة التوازن ومنع انفراد طرف واحد بالسلطة. ولسنوات طويلة، نجح الكورد في لعب هذا الدور المعقد بمهارة سياسية جعلتهم رقما صعبا في بغداد، ليس بسبب حجمهم السكاني، بل بسبب قدرتهم على التحرك بين المحاور المتصارعة وصناعة التفاهمات في اللحظات الحرجة. بعد عام 2003،…

د. مرشد اليوسف منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، تبنّت إدارة ترامب الأولى استراتيجية الضغوط القصوى التي تهدف إلى شل اقتصاد إيران وإجبارها على تقديم تنازلات بشأن برنامجها النووي . ولكن هذه الاستراتيجية، رغم إلحاقها أضرارًا اقتصادية كبيرة بطهران، فشلت في تحقيق هدفها النهائي. إذ لم تقدم إيران تنازلات جوهرية، بل ضاعفت برنامج تخصيب اليورانيوم وصعدت…