مهند محمود شوقي
في العراق، لا تُقاس قوة المكونات بعدد المقاعد فقط، بل بقدرتها على صناعة التوازن ومنع انفراد طرف واحد بالسلطة. ولسنوات طويلة، نجح الكورد في لعب هذا الدور المعقد بمهارة سياسية جعلتهم رقما صعبا في بغداد، ليس بسبب حجمهم السكاني، بل بسبب قدرتهم على التحرك بين المحاور المتصارعة وصناعة التفاهمات في اللحظات الحرجة.
بعد عام 2003، دخل الكورد العملية السياسية العراقية وهم يمتلكون رؤية واضحة تقوم على الشراكة والتوازن والفيدرالية. وفي مرحلة كانت البلاد غارقة فيها بالصراع الطائفي والانقسامات الحادة، استطاعت القوى الكردية أن تقدم نفسها بوصفها قوة سياسية أكثر تماسكا واستقرارا مقارنة ببقية الأطراف العراقية. ولهذا، تحولت أربيل إلى محطة رئيسية للقادة العراقيين، ومكانا تُطبخ فيه كثير من التسويات السياسية التي كانت تنقذ العملية السياسية من الانهيار.
وخلال تلك السنوات، كان الصوت الكردي يمتلك ثقلا يتجاوز عدد مقاعده البرلمانية. فلم يكن تشكيل أي حكومة عراقية ممكنا بسهولة من دون موافقة القوى الكردية، كما أن الخلافات بين الأحزاب الشيعية والسنية كانت غالبا ما تمنح الكورد فرصة لعب دور الوسيط أو الطرف المرجح في معادلات الحكم.
لكن المشهد العراقي تغير تدريجيا.
فبعد سنوات من الصراعات الداخلية والحروب والأزمات الاقتصادية، بدأت بغداد تستعيد مركزيتها السياسية والمالية بشكل متزايد، بينما تراجع الدور الكردي داخل مؤسسات الدولة الاتحادية. ولم يعد الكورد يحتفظون بالموقع نفسه الذي كانوا يشغلونه في السنوات الأولى بعد سقوط النظام السابق.
أحد أهم أسباب هذا التحول يتمثل في فقدان “ورقة التوازن” التي كانت تمنح الإقليم ثقله السياسي. ففي السابق، كانت الانقسامات الحادة بين القوى العراقية تجعل من الكورد شريكا ضروريا لإكمال أي معادلة سياسية. أما اليوم، فقد أصبحت بعض القوى الكبرى داخل بغداد أكثر قدرة على تشكيل التحالفات من دون الحاجة إلى الدور الكردي التقليدي، خصوصا مع تغير طبيعة التحالفات الشيعية وتراجع الانقسام السني ـ الشيعي مقارنة بالمراحل السابقة.
وفي الوقت نفسه، واجه إقليم كردستان أزمات داخلية متراكمة أثرت على صورته السياسية والاقتصادية، بدءا من الخلافات الحزبية، مرورا بالأزمات المالية وتأخر الرواتب، وصولا إلى التعقيدات المرتبطة بملف النفط والعلاقة مع الحكومة الاتحادية. وتشير تقارير صادرة عن World Bank وInternational Monetary Fund إلى أن الخلافات المالية بين أربيل وبغداد، إضافة إلى الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية، خلقت ضغوطا اقتصادية مستمرة على الإقليم. لكن اختزال الأزمة في العوامل الخارجية وحدها سيكون قراءة ناقصة للواقع. فالمشكلة الحقيقية تكمن أيضا في غياب مشروع كردي موحد قادر على التعامل مع التحولات الجديدة في العراق والمنطقة. إذ إن الانقسام الداخلي أضعف الموقف التفاوضي للإقليم، وأتاح لبغداد هامشا أوسع لفرض شروطها السياسية والمالية.
العراق اليوم ليس عراق 2003، والمنطقة بأكملها تمر بتحولات عميقة أعادت ترتيب الأولويات الدولية والإقليمية. وفي خضم هذه التغيرات، لم يعد هناك مكان للسياسات التقليدية أو الاعتماد على التوازنات القديمة التي كانت تحكم العلاقة بين أربيل وبغداد.
ومع ذلك، فإن مستقبل الدور الكردي لم يُحسم بعد.
فالكورد لا يزالون يمتلكون عناصر قوة مهمة، من بينها التجربة السياسية الطويلة التي تخللتها حركات التحرر والنضال، إضافة إلى حجم المآسي والفواجع التي لحقت بهم نتيجة ما تعرضوا له عبر التاريخ من حملات التهجير والتعريب وعمليات الأنفال وقصف حلبجة، فضلاً عن موقعهم الجغرافي الحيوي، والاستقرار الأمني النسبي مقارنة ببقية العراق، إلى جانب شبكة العلاقات الدولية التي بناها الإقليم خلال العقود الماضية. لكن تحويل هذه العناصر إلى نفوذ سياسي حقيقي يتطلب مراجعة شاملة لطبيعة الخطاب السياسي الكردي، وإعادة بناء الثقة الداخلية، وتطوير علاقة أكثر واقعية مع بغداد تقوم على المصالح المتبادلة لا على الأزمات المؤقتة.
ولعل أخطر ما يمكن أن تواجهه أي قوة سياسية ليس خسارة معركة عابرة، بل خسارة موقعها في التوازنات الكبرى. وحين تفقد الأطراف قدرتها على التأثير، تتحول تدريجيا من شريك في صناعة القرار إلى مجرد متلقٍ لقرارات الآخرين.
وهذا بالتحديد ما يجب أن يتنبه له الكورد اليوم، قبل أن يصبح استعادة الدور أكثر صعوبة من فقدانه.