الكورد ومعادلات الصراع الإيراني الأمريكي: هل تقترب المنطقة من إعادة رسم الخرائط؟

حسن قاسم
المراقب لتطورات النزاع الأمريكي ـ الإسرائيلي مع إيران، يلاحظ أن مسار المفاوضات الجارية يبدو أقرب إلى لعبة شراء الوقت منه إلى البحث الجدي عن تسوية سياسية حقيقية. فطهران تدرك أن عامل الزمن يعمل لمصلحتها في كثير من الأحيان، بينما ترى واشنطن أن الضغوط الاقتصادية والعقوبات والتهديدات العسكرية قد تدفع النظام الإيراني في النهاية إلى تقديم تنازلات استراتيجية. لكن الوقائع على الأرض تشير إلى أن الأزمة أعمق بكثير من أن تُحسم عبر جولات تفاوض طويلة أو ضربات جوية محدودة.
لقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن إسقاط الأنظمة العقائدية أو تغيير سلوكها لا يتحقق بسهولة عبر القصف الجوي وحده، مهما بلغت دقته أو قوته التدميرية. الولايات المتحدة نفسها خاضت حروباً طويلة في العراق وأفغانستان، وأنفقت تريليونات الدولارات دون أن تحقق الاستقرار الذي وعدت به. كما أن الاتحاد السوفييتي، قبل ذلك، سقط في المستنقع الأفغاني بعدما اعتقد أن التفوق العسكري وحده كافٍ لحسم المعركة.
ومن هنا، فإن واشنطن ـ إذا قررت الذهاب نحو مواجهة مفتوحة مع إيران ـ ستكون أمام خيارين لا ثالث لهما:
إما الاكتفاء بسياسة الاستنزاف والضربات الجوية، وهو خيار قد يؤدي إلى إطالة أمد الحرب وتحويل المنطقة إلى بؤرة انفجار اقتصادي وأمني مفتوح،
وإما التفكير في تغيير جذري للمعادلة عبر تدخل بري واسع يهدف إلى إسقاط النظام الإيراني وإعادة تشكيل بنية السلطة في البلاد.
الخيار الأول يحمل مخاطر كارثية على الاقتصاد العالمي. فإيران تمتلك أوراق ضغط استراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية. أي تصعيد واسع قد يدفع طهران إلى فرض واقع جديد في هذا الممر الحيوي، سواء عبر التهديد المباشر أو عبر أدواتها العسكرية المنتشرة في المنطقة. عندها سترتفع أسعار الطاقة بصورة غير مسبوقة، وستدخل اقتصادات العالم في موجة اضطرابات عميقة تمتد آثارها إلى أوروبا وآسيا والأسواق الناشئة.
أما الخيار الثاني، أي إسقاط النظام الإيراني، فلن يكون ممكناً ـ وفق كثير من القراءات الاستراتيجية ـ من دون وجود قوة محلية منظمة تمتلك الحافز القومي والسياسي والعسكري للمشاركة في رسم مستقبل جديد للمنطقة. وهنا يبرز العامل الكوردي بوصفه أحد أهم العناصر التي لا يمكن تجاوزها في أي مشروع لإعادة التوازن الإقليمي.
فالشعب الكوردي، الممتد تاريخياً وجغرافياً عبر غرب وشمال إيران وصولاً إلى كوردستان العراق وشمال سوريا، يمتلك خبرة عسكرية وسياسية كبيرة تراكمت خلال عقود طويلة من الصراع. كما أن القوى الكوردية أثبتت قدرتها على مواجهة التنظيمات المتطرفة وحماية مناطقها عندما انهارت جيوش وأنظمة كاملة أمام الفوضى والإرهاب.
لكن المشكلة الأساسية تكمن في فقدان الثقة بين الكورد والولايات المتحدة. فالكثير من الكورد ما زالوا يعتبرون أن السياسات الأمريكية، خصوصاً في سوريا، لم تكن بمستوى التضحيات التي قدمها الشعب الكوردي في الحرب ضد الإرهاب. كما أن التحولات السياسية والصفقات الإقليمية جعلت قطاعات واسعة من الكورد تشعر بأنها تُستخدم كورقة مؤقتة ثم يتم التخلي عنها عند أول تفاهم دولي أو إقليمي.
ولهذا، فإن أي مشروع أمريكي جديد في المنطقة لن ينجح ما لم يتعامل بجدية مع القضية الكوردية باعتبارها قضية شعب وحقوق تاريخية، لا مجرد ملف أمني عابر. إن إرضاء الشعب الكوردي لا يعني فقط تقديم وعود سياسية، بل يتطلب رؤية استراتيجية واضحة تضمن حقوقه القومية والدستورية، وتمنحه شراكة حقيقية في رسم مستقبل المنطقة.
إن تجاهل هذه الحقيقة سيجعل أي مشروع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط ناقصاً وعرضة للفشل، لأن الكورد لم يعودوا مجرد قوة هامشية يمكن تجاوزها، بل أصبحوا رقماً صعباً في معادلات الأمن والطاقة والاستقرار الإقليمي.
لقد دخل الشرق الأوسط مرحلة إعادة رسم النفوذ والتوازنات، وربما إعادة رسم الخرائط أيضاً. وفي خضم هذا التحول الكبير، تبدو القضية الكوردية أكثر حضوراً من أي وقت مضى. فإما أن يتم التعامل معها بعقلية الشراكة والاعتراف المتبادل، وإما أن تبقى المنطقة تدور في حلقة مفتوحة من الصراعات والحروب وعدم الاستقرار.
إن السلام الحقيقي لا يمكن أن يُبنى على إنكار حقوق الشعوب، والاستقرار الدائم لا يتحقق عبر التحالفات المؤقتة أو الصفقات العابرة، بل عبر بناء نظام إقليمي جديد قائم على العدالة السياسية واحترام التعدد القومي والديني، وفي قلب ذلك تأتي القضية الكوردية بوصفها أحد المفاتيح الأساسية لمستقبل الشرق الأوسط.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالباقي اليوسف مدخل هذا الفصل مقتطع من جسد مذكراتي المكتوبة بلغة الروح والمنشأ—الكردية—والتي ما زلتُ أخطّ صفحاتها. غير أنني وجدتُ لزاماً عليّ اليوم أن أترجمه إلى العربية، لأضعه بين أيدي شبابنا وقوانا السياسية؛ كاشفاً عن كواليس مرحلةٍ كان وعي المعارضة التقليدية فيها مشوهاً بالعصبية القومية العمياء، وتُنظر فيه إلى قضيتنا وزعمائنا بعيونٍ قاصرة. في هذا الفصل، أستعيد تفاصيل لقائي العاصف…

كفاح محمود لم تعد القضية الكردية مجرد ملف قومي مؤجل في خرائط الشرق الأوسط، بل تحولت إلى عنصر مؤثر في معادلات الأمن والطاقة والحروب وإعادة تشكيل النفوذ الإقليمي، فبعد عقود من المواجهات المسلحة والقطيعة السياسية، تشهد المنطقة تحولات عميقة قد تفتح الباب أمام مقاربات مختلفة للقضية الكردية، خصوصًا مع التطورات الأخيرة في تركيا وسوريا، مقابل تعقّد المشهد في إيران والعراق،…

مهند محمود شوقي في العراق، لا تُقاس قوة المكونات بعدد المقاعد فقط، بل بقدرتها على صناعة التوازن ومنع انفراد طرف واحد بالسلطة. ولسنوات طويلة، نجح الكورد في لعب هذا الدور المعقد بمهارة سياسية جعلتهم رقما صعبا في بغداد، ليس بسبب حجمهم السكاني، بل بسبب قدرتهم على التحرك بين المحاور المتصارعة وصناعة التفاهمات في اللحظات الحرجة. بعد عام 2003،…

د. مرشد اليوسف منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، تبنّت إدارة ترامب الأولى استراتيجية الضغوط القصوى التي تهدف إلى شل اقتصاد إيران وإجبارها على تقديم تنازلات بشأن برنامجها النووي . ولكن هذه الاستراتيجية، رغم إلحاقها أضرارًا اقتصادية كبيرة بطهران، فشلت في تحقيق هدفها النهائي. إذ لم تقدم إيران تنازلات جوهرية، بل ضاعفت برنامج تخصيب اليورانيوم وصعدت…