د. مرشد اليوسف
منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، تبنّت إدارة ترامب الأولى استراتيجية الضغوط القصوى التي تهدف إلى شل اقتصاد إيران وإجبارها على تقديم تنازلات بشأن برنامجها النووي .
ولكن هذه الاستراتيجية، رغم إلحاقها أضرارًا اقتصادية كبيرة بطهران، فشلت في تحقيق هدفها النهائي.
إذ لم تقدم إيران تنازلات جوهرية، بل ضاعفت برنامج تخصيب اليورانيوم وصعدت من توتراتها الإقليمية عبر وكلائها.
وهذا البحث يعالج بأسلوب سردي تحليلي، أربعة محاور أساسية للتفاعل بين القوة الأمريكية والنظام الإيراني :
أولًا – طبيعة النظام الإيراني ككيان أيديولوجي الامر الذي يمنحه قدرة استثنائية على الصمود .
ثانيًا- قدرته البنيوية على التعافي وإعادة بناء برنامجه النووي رغم الضربات العسكرية.
ثالثًا – حدود الضربات الجوية المباشرة في إحداث تغيير جذري .
وأخيرًا احتمالات الخيار الكردي كبديل استراتيجي . ينطلق البحث من فرضية مركزية مفادها أن أي استراتيجية أمريكية لإضعاف إيران أو تغيير نظامها يجب أن تستند إلى فهم دقيق لمحددات بقاء النظام الأيديولوجية والبنائية، بعيدًا عن أوهام الحلول العسكرية السريعة.
لاشك أن الجذور العقائدية و نظرية ولاية الفقيه تشكل حجر الزاوية في البنية السياسية الإيرانية.
و هي ليست مجرد نظرية سياسية عابرة، بل هي المحاولة الأكثر تأثيرًا في الفكر الشيعي الاثني عشري المعاصر لإعادة تنظيم العلاقة بين الدين والسياسة، وبين العقيدة والسلطة. لقد طوّر آية الله الخميني هذه الفكرة من حدودها الفقهية التقليدية إلى مستوى النظرية العامة في الحكم والدولة. وصارت بعد ثورة 1979 الأساس النظري والدستوري للجمهورية الإسلامية.
إن هذه الخاصية الأيديولوجية تمنح النظام الإيراني خصوصية استثنائية تجعله منيعًا أمام التوقعات الغربية التقليدية. فالنظام لا ينظر إلى نفسه كدولة تسعى إلى تعظيم مصالحها الاستراتيجية، بل كأداة مؤسسية لنظام إسلامي عابر للحدود، مكلّف بإعادة تشكيل العالم من الداخل. وقد استغرق صناع السياسات الغربيون ثلاثة عقود في معاملة هذه العقيدة باعتبارها تزيينًا لاهوتيًا حول جوهر من المصالح الجيوسياسية التقليدية .
في حين أن العلاقة معكوسة فالأيديولوجيا
تحدد الهدف، والتطبيق العملي يضبط التوقيت، كما يوضح أحد المحللين.
ويرتبط استمرار النظام ارتباطًا وثيقًا بديموغرافية السلطة في إيران. حيث يُشكّل الفرس ما يقرب من ثلثي سكان إيران، وهم الفئة التي تتبنى المذهب الشيعي كأحد مكونات هويتها الوطنية الأبرز.
ولعبت ولاية الفقيه دور الصمغ الأيديولوجي الذي أمسك الدولة من المنتصف، ليس عبر الاعتراف بالتعدد العرقي، بل عبر إخضاعه لعقيدة واحدة.
وهذا الاندماج بين الهوية الفارسية والعقيدة الشيعية يجعل النظام أقرب إلى “قضية” منه إلى “دولة” بالمعنى الغربي.
وبالتالي، فإن أي محاولة لقلب النظام من الخارج تواجه تحديات مضاعفة ، ليس فقط مقاومة أجهزة الدولة، بل أيضًا تمسك قطاع واسع من السكان بهذه العقيدة التي يرون فيها حاميًا للهوية الفارسية الشيعية.
ولهذا السبب، بمجرد اغتيال المرشد الأعلى أو توجيه ضربات للقيادات، يتحول هؤلاء إلى شهداء تتعبّأ حولهم الجماهير، مما يعكس ديناميكية “استشهادية” بدلًا من انهيار شعبي.
كما ان القوة البنيوية والتعافي العسكري والنووي لا تشكل إشكالية استراتيجية في إيران .
لقد استغرقت إيران نحو عشرين عامًا كاملة لبناء وتطوير برنامجها النووي الأولي.
ولكن السؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كانت إيران تستطيع إعادة البناء، بل كيف ستفعل ذلك، وبأي وتيرة.
ورغم الادعاءات الأمريكية بأن البرنامج النووي الإيراني قد تم “تدميره بالكامل”، تبيّن لاحقًا أن التقييمات الأكثر دقة تشير إلى قدرة إيران على العودة إلى تخصيب اليورانيوم في غضون أشهر. بل إن الأرقام المتاحة تشير إلى أن إيران كانت قادرة نظريًا على إنتاج وقود يكفي لصنع ستة أسلحة نووية في شهر واحد، وثمانية في شهرين، وتسعة في ثلاثة أشهر، وعشرة في أربعة أشهر.
وهذا يعني أن حتى الضربات العسكرية الأكثر تدميرًا لا يمكنها القضاء على المعرفة العلمية المتراكمة والخبرات البشرية التي تمتلكها إيران، وهي أصول غير ملموسة تظل موجودة حتى بعد تدمير البنية التحتية المادية.
علاوة على ذلك، لا تزال طهران تمتلك كمية كبيرة من اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60%، وهي نسبة قريبة جدًا من عتبة 90% اللازمة لإنتاج قنبلة نووية. فحتى لو تم تدمير المنشآت،فإن بقاء المخزون النووي يعني أن إيران تحتفظ بقدرة تفجيرية محتملة يمكنها تفعيلها متى شاءت، مما يجعل أي “انتصار” عسكري أمريكي مؤقتًا بطبيعته.
وتُظهر إيران قدرة ملحوظة على التعافي من الضربات الجوية، وهو ما يعكس مرونة بنيتها التحتية العسكرية والصناعية. فالنظام الإيراني لم يبني قدراته على مراكز قيادة مركزية واحدة يمكن شلّها بضربة قاصمة، بل وزعها وأخفاها في شبكة من المواقع المتناثرة، بعضها تحت الأرض وبعضها الآخر داخل مناطق مدنية.
وترى بعض التقديرات أن الضربات الأمريكية خلال حرب الأيام الـ12 في يونيو 2025 ربما تكون قد أرجأت قدرة إيران على بناء قنبلة نووية بمقدار يتراوح بين سنتين إلى خمس سنوات. هذا يعني أن النافذة الزمنية التي كسبتها أمريكا قصيرة نسبيًا في المقياس الاستراتيجي.
وإذا لجأت إيران إلى حرب استنزاف طويلة، فإنها قد تستفيد من موقعها الجيوالسياسي، مثل قدرتها على إغلاق مضيق هرمز وحرمان السوق العالمي من نحو 20% من إمدادات النفط، مما يسبب صدمة تضخمية للاقتصاد الأمريكي قبل الانتخابات الحاسمة.
والسؤال الأهم هو :
هل يمكن للضربات الجوية أن تُسقط النظام؟
من المؤكد أن الحرب التي اندلعت في 28 فبراير 2026 تمثل نقطة تحول استراتيجية، حيث نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا واسعًا على إيران.
ومع أن ترامب زعم أن الهدف هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي، فإن دعوته الإيرانيين إلى استغلال “فرصة قد لا تتكرر لأجيال” لتولي زمام الأمور تشير إلى أن الهدف النهائي هو إسقاط النظام.
ولكن هذا التناقض بين الأهداف المعلنة وغير المعلنة يعكس إشكالية جوهرية، فالضربات الجوية وحدها لا تستطيع تغيير نظام قائم على الأيديولوجيا ولا على ذالحكم الفرد ي الواحد. فالنظام الإيراني لا ينهار باغتيال شخص واحد أو تدمير موقع واحد. لقد أظهرت التجارب التاريخية (العراق، ليبيا، سوريا) أن التدخل العسكري دون استراتيجية خروج واضحة يقود غالبًا إلى فراغات أمنية وعواقب أكثر خطورة.
وبينما يراهن ترامب على حرب قصيرة (أسبوعين أو ثلاثة)، تخطط إيران لحرب طويلة، لأنها تدرك أن ميزة القوة الأمريكية تذوب مع مرور الوقت. فكلما طالت الحرب، زادت التكاليف الاقتصادية والعسكرية على الولايات المتحدة، وتآكل الدعم الشعبي للحرب داخل أمريكا، واهتز صورة الردع الأمريكية عالميًا – خاصة أمام الصين.
وأظهرت حرب الـ39 يومًا استنزافًا هائلًا للمخزونات الأمريكية، فحوالي 14 ألف هدف قُصفت، بأكثر من ألف صاروخ توماهوك، وألفي صاروخ بعيد المدى، وكلفة قاربت 17 مليار دولار.
لو تحولت هذه الحرب إلى حالة جمود طويلة، لتعرضت المخزونات الأمريكية للنضوب في وقت تحتاج فيه القوات الأمريكية للاحتفاظ بقدرات ردع ضد الصين في المحيط الهادئ.
وهذا هو بالضبط ما تراهن عليه طهران وهو أن واشنطن لا تستطيع تحمل حرب طويلة في الشرق الأوسط وأخرى محتملة في آسيا في الوقت نفسه.
وأمام هذه التطورات والمصاعب
برزت برزت فكرة استغلال الورقة الكردية كوسيلة غير مباشرة للضغط على إيران وتقويضها من الداخل.
وتستند هذه الفكرة إلى عدة معطيات:
أولًا- أن التباين العرقي في إيران يمكن توظيفه في زعزعةً للاستقرار. وتشير التقديرات إلى أن أقل من 50 بالمئة من سكان إيران هم من الفرس، وهناك أقليات عديدة (أذربيجانية، عرب الأحواز، بلوش، كرد) تشكل كتلًا سكانية كبيرة وتحتفظ بعضها بفصائل مسلحة.
ثانيًا- أن إسرائيل وأمريكا ترغبان في إيجاد قوات على الأرض تنوب عنهما في حرب الاستنزاف داخل إيران.
ثالثًا – قدرة كرد إيران على فتح جبهة داخلية تشتت انتباه الحرس الثوري وتربك قدرته على الدفاع عن العمق الإيراني.
نظريا يمكن لهذه القوات، مدعومة بغطاء جوي أمريكي ومنطقة حظر طيران (No-Fly Zone) على غرار شمال العراق في تسعينيات القرن الماضي، أن تسيطر على مناطق كردية وتستنزف النظام من الداخل.
ولكن العوائق التي تجعل الخيار الكردي شبه مستحيل
لأن هذا الخيار يتصادم مع المصالح التركية . فأنقرة لن تقبل أبدًا بقيام كيان كردي موحد على حدودها الجنوبية الشرقية، وهي قادرة على تعطيل أي مشروع كهذا، خاصة أنها حليف في الناتو ولا يمكن لأمريكا تجاوزها بسهولة.
كما أن خيبة الأمل الكردية من أمريكا تشكل عامل سلبي في هذا الخيار .
فقد عبّرت القيادات الكردية بوضوح عن تحذيرها من تكرار سيناريو كرد سوريا وقسد. حيث استخدمت أمريكا الكرد في قتال تنظيم الدولة ثم تخلت عنهم. يقول أحد المسؤولين الكرد: “بدون أمريكا، بدون إسرائيل، لا يمكننا النجاح”، لكنه يضيف أن المطلوب ليس فقط عتادًا عسكريًا، بل “غطاء سياسيًا” ووعودًا ملموسة بدل الاستخدام المؤقت.
ومن جهة أخرى، يقول قادة كرد إن الإشارات المختلطة من واشنطن وانعدام التخطيط الواضح حال دون تنفيذ أي تدخل كردي جاد.
وتدرك إدارة ترامب جيدًا أن علاقاتها مع تركيا (عضو في الناتو) لا يمكن التضحية بها بسهولة لمصلحة أي مشروع كردي. لذلك، فإن الخطاب الأمريكي يظل متذبذبًا بين الإغراءات الكردية والتمسك بالحليف التركي، مما يرسل إشارات سلبية إلى الكرد ويجعلهم يترددون في الالتزام.
إضافة إلى ذلك إ يؤكد مراقبون أن أي انتفاضة كردية ناجحة تحتاج إلى اشتعال انتفاضة شعبية عامة داخل إيران أولاً، وهو أمر غير متوفر حاليًا.
ولكن رغم كل الصعوبات فإن “الخيار الكردي” يبقى خيارا اساسيا في إسقاط النظام الإيراني وانتصار أمريكا وإسرائيل على إيران.
وإذا قررت إدارة ترامب دعم الكرد بشكل علني وشامل، فإنها ستواجه غضبًا تركيًّا قد يصل إلى حد إغلاق قاعدة إنجرليك الجوية وطرد القوات الأمريكية من الأراضي التركية، مما يضر بقدرات الناتو في الجناح الجنوبي الشرقي. كما أن الدعم الكردي سيُغضب العراق (الذي يضم إقليم كردستان شبه المستقل) وقد يُسقط حكومة بغداد الهشة، مما يخلق فراغًا أمنيًا جديدًا تعبئه إيران أو الميليشيات الموالية لها بسهولة.
ولكن بالمقابل، إذا لم تفعل أمريكا شيئًا، فإن استراتيجيتها القائمة على الضغط العسكري المحض تظل غير قادرة على إحداث تغيير جوهري. وكما قال أحد المحللين، الضغط العسكري وحده لا يمكنه تحييد أيديولوجيا ولاية الفقيه.
وإسرائيل لديها مصلحة أكيدة في إضعاف إيران وأذرعها المسلحة. لكن إسرائيل تدرك أيضًا أن دعم الأكراد قد يُحرق علاقاتها مع تركيا (التي كانت تعيد تطبيع العلاقات معها)، وقد يُقحمها في مواجهة مباشرة مع إيران على الأرض. والمصادر تشير إلى أن إسرائيل تفضل دعمًاكبير ومُقنعًا للكرد بهدف زعزعة الحدود الغربية لإيران، والإطاحة الكاملة بالنظام ويطلبون موافقة أمريكا.
وإذا نجحت أمريكا وإسرائيل في تنظيم انتفاضة كردية واسعة، فإن إيران لن تستطيع القضاء على الانتفاضة .
واذا دخلنا في العمق ربما تكون الخلاصة الأكثر دقة هي أن الصراع الحالي بين أمريكا وإيران يتجه نحو “استنزاف متبادل”: أمريكا تُنهك مواردها العسكرية وصورتها الردعية، وإيران تُنهك اقتصادها وشعبها.
لكن الفارق أن إيران تمتلك صبرًا استراتيجيًا طويل الأمد – فهي تعمل على جدول زمني يمتد لأجيال، بينما تعمل أمريكا ضمن جداول زمنية انتخابية ربع سنوية.
وإذا خسرت امريكا في إيران (اذا بقي النظام الايراني دون سقوط ) فإنها ستخسر هيبتها وقدرتها كقطب اوحد أمام
الصين ور سيا ولن تقوم لها قائمة بعد ذلك .