عبد الجابر حبيب
حين ينتصر الأدب، والفن على الحرب
منذ فجر التاريخ، لم تكن الحروب وحدها هي التي تصنع التحولات الكبرى في حياة الشعوب. وبذات القدر كان للأدب والفن قدرةً على التغلغل في أعماق الإنسان، وربما أكثر تأثيراً في الوجدان من أصوات المدافع، وأنهار الدم.
الحرب تستطيع أن تُخضع الجسد بالقوة، لكنها تعجز عن إخضاع الروح، بينما تستطيع قصيدة صادقة أو أغنية حزينة، أو مشهد مسرحي مؤثر في بناء جسور المحبة بين شعوبٍ فرّقتها السياسة والكراهية.
لقد أدركت الحضارات القديمة قوة الكلمة، والفن، ففي اليونان القديمة كان المسرح وسيلةً لتربية الإنسان أخلاقياً، وفكرياً، حتى إن الفيلسوف أرسطو رأى في التراجيديا تطهيراً للنفس البشرية من الخوف والعنف. وفي العصر الحديث، استطاع الأديب الروسي ليو تولستوي من خلال رواياته الإنسانية أن يفضح قسوة الحروب ويُظهر هشاشة الإنسان أمام آلة الموت، بينما تمكن الفنان الإسباني بابلو بيكاسو عبر لوحته الشهيرة “غيرنيكا” من تحويل مأساة القصف، والحرب إلى صرخة عالمية ضد العنف والدمار. حتى تحولت اللوحة إلى وثيقة إنسانية أقوى من كثير من الخطب السياسية.
وهكذا كانت كلمات الشعراء تعبر الحدود من دون جواز سفر، حاملةً رسائل وجدانية تخترق القلوب بدلاً من سهام الحرب. وكانت الموسيقا لغةً عالميةً تجعل المسافة صفراً بين الأرواح، وصار المسرح بوصلةً للمحبة، يعلّم الإنسان كيف يرى الآخر شريكاً في الألم والأمل، لا عدواً ينبغي سحقه.
ومن هذا الإيمان العميق بدور الثقافة، جاء مهرجان “أيام الثقافة الكوردية” في دمشق، ليكون إعلاناً واضحاً بأن الفن يمكن أن يكون جسراً للتعايش الحقيقي، ورسالةً تؤكد أن الوطن لا يُبنى بالإقصاء، بل بالاعتراف المتبادل بين مكوّناته المختلفة. هناك اصبح الشعراء والفنانون سفراء لقضية إنسانية ووطنية حملت حلم السلام والحرية والكرامة.
لقد عانى الشعب الكوردي لعقود طويلة من سياسات القمع والتهميش، وكانت اللغة الكوردية نفسها تُعامل بوصفها تهديداً، و اللون الأصفر ـ الذي يرمز إلى الشمس، والحياة ـ يثير خوف سلطةٍ استبداديةٍ امتدّ ظلّها أكثر من نصف قرن. كان الخوف من اللغة الكوردية في جوهره خوفاً من الهوية، لأن اللغة تعتبر وعاء يحمل ذاكرة شعبٍ كاملة، بما فيها من تاريخ وعادات وآمال وأحلام.
ولهذا لم يكن غريباً أن يشعر الكوردي بالفرح حين يرى شاعراً يلقي قصيدته بالكوردية على منصة شعرية في دمشق، أو حين يشاهد للمرة الأولى عرضاً مسرحياً باللغة الكوردية على أحد مسارح العاصمة السورية بموافقة رسمية من وزارة الثقافة، ومن دون التعقيدات الأمنية التي كانت سمةً لسنوات طويلة من الحكم الشوفيني.
وفي مناسبة يوم اللغة الكوردية، تحوّلت خشبة المركز الثقافي في مجمع دمر إلى مساحة للاعتراف المتبادل والتقارب الإنساني، حين ألقى شعراء وأدباء من قامشلو نصوصهم وإبداعاتهم أمام جمهور متنوع. فقد شارك الشاعر عبد الصمد محمود، والشاعر الشاب دليار حبيب، والشاعرة أناهيتا سينو، والأديب القاص جواني عبدَال، والكاتبة والشاعرة لمعة علي، في غرس شتلات الحرية داخل أرض الشام، أملاً بأن تتحول يوماً إلى أشجارٍ مثمرةٍ للكرامة والتعايش.
حقيقة، كان مهرجان “أيام الثقافة الكوردية” حدثاً ثقافياً يمكن وصفه بأنه يقف على حافة منعطف تاريخي. فكل شاعر حمل رسالةً تطمئن الآخر وتقول: “لقد عانينا من الظلم كما عانيتم”. كما نقل الفيلم السينمائي “الجيران” مأساة شعبٍ عاش عقوداً طويلة من التهميش والاضطهاد، فجعل المتلقي يرى الألم بعين الإنسان لا بعين السياسة.
أما المسرح، فقد كان حاضراً من خلال عرض مسرحية “الذي لا يأتي” شارك في التمثيل عبدالمجيد خلف، وعبد الجابر حبيب، مع موسيقا مالك الفواز، وإضاءة جوان سلو، وترجمة إلى اللغة الكوردية شيرين علي عن نص للكاتب رياض عصمت، وإخراج عبد الجابر حبيب. وقد استطاع العرض أن ينقل أصوات اللاجئين والمنفيين والمهمّشين عبر وسائل الإعلام التي واكبت الفعاليات، ومنها قناة Rudaw.. وsana.sy… وmoc.gov.sy..
كما كان للرقص الفلكلوري حضوره المؤثر في المهرجان، حين استطاعت فرقة “آشتي” للرقص الفلكلوري أن تبسط الروح الكوردية الجميلة فوق خشبة المسرح، عبر دبكاتٍ راقصةٍ أعادت إلى الجمهور إحساسه بالمحبة والسلام. بحركاتٍ منسقة على إيقاع الموسيقا، فقد كانت تعبيراً حياً عن ذاكرة شعبٍ، وعن فرحٍ حاول طويلاً أن ينجو من العتمة، والقمع. وكان المشهد الأكثر جمالاً أن التصفيق للفرقة لم يأتِ من الكوردي وحده، فقد صفق العربي بحرارة قبل الكوردي، وكأن الفن استطاع في لحظةٍ واحدة أن يزيل المسافات النفسية التي صنعتها سنوات طويلة من الخوف وسوء الفهم.
وتزين المهرجان بلمسات أنامل ضابطي الإيقاع على آلة”الطار ” العَرَبَة لفرقة “لمسات ” حيث وجدنا أنّ للإيقاع أثرٌ جمالي لافت، إذ شدّت انتباه الجمهور إلى القوة السحرية للموسيقا في تغيير المعادلات الإنسانية. فالإيقاع تحوّل إلى نبضٍ جماعي يعيد ترتيب المشاعر داخل القلوب، وينقلها من معادلة الحقد الدفين إلى معادلة المحبة الظاهرة. لقد أثبتت الموسيقا مرةً أخرى أنها قادرة على تحقيق ما تعجز عنه الخطابات السياسية، لأنها تخاطب الإنسان بوصفه روحاً قبل أن يكون انتماءً أو هوية.
وفي الجانب الفكري من المهرجان، ألقى الدكتور عصمت رمضان محاضرةً حول تطور اللغة الكوردية عبر التاريخ، حيث وصفها بأنها لغة حيّة استطاعت التأقلم مع قسوة المراحل التاريخية المختلفة، وظلت محافظةً على روحها رغم كل محاولات الطمس والإلغاء. واستطاع الغناء من خلال أصوات شبابية مثل سمكو مراد ـ روستو رمضان ـ إيفاتا محمد ـ آلان مراد في كسر حواجز الخوف والريبة بين القلوب، مؤكدين أن الأغنية قد تكون أحياناً أكثر قدرةً على المصالحة من الخطب الطويلة.
لقد أثبت مهرجان “أيام الثقافة الكوردية” أن من يصعد خشبة المسرح، أو يحمل قصيدةً صادقة قد يكون أكثر قدرةً على بناء الثقة من أي خطابٍ سياسي أو حزبي.
ما فعله الأستاذ إدريس مراد، بصفته المُعِدّ والمشرف على المهرجان، كان فعلاً ثقافياً، و إنسانياً يستحق كل التقدير والاحترام، إذ أسهم في فتح بابٍ للحوار الحقيقي بين مكونات الوطن، عبر الإيمان بأن الفن والثقافة قادران على ترميم ما أفسدته السياسة، وعلى إعادة الإنسان إلى جوهره الأول: كائناً يبحث عن السلام والمحبة والاعتراف المتبادل.
وهنا تكمن الرسالة الأعمق للأدب والفن: فهما لا يلغيان الاختلاف، بل يحولانه إلى مساحة غنى إنساني. إن القصيدة لا تقتل أحداً، لكنها قد تُحيي وطناً كاملاً، والمسرح لا يحمل بندقية، لكنه يستطيع أن يهزم الكراهية، أما الموسيقا فهي اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى مترجم كي تصل إلى القلب.
وفي النهاية، لا بدّ من توجيه الشكر إلى وزارة الثقافة السورية على هذا الانفتاح الثقافي الجميل، فمثل هذه المبادرات لا تُعيد الاعتبار للثقافة فحسب، بل تؤسس أيضاً لوعيٍ جديد يؤمن بأن التنوع ليس خطراً، على العكس تماماً هو مصدر غنى وقوة. وحين تُفتح المسارح للشعر والموسيقا والرقص والمسرح بكل لغات الوطن، يصبح الفن رسالة طمأنينة، وتصبح الثقافة خطوةً حقيقية نحو بناء وطنٍ يتّسع للجميع، بلا خوفٍ ولا إقصاء.