د. محمود عباس
أما المرحلة الثالثة، بعد عام 2011، فقد كشفت الانهيار الكامل. لم يعد الاقتصاد السوري اقتصاد دولة فاسدة فقط، بل اقتصاد حرب ومافيا. الحواجز، والتهريب، والولاءات المسلحة، والأسواق السوداء، وتجارة الكبتاغون، وحلقات الاستيراد المغلقة، كلها أصبحت جزءًا من البنية الفعلية للاقتصاد. لم يعد الهدف تطوير الإنتاج أو تحسين معيشة الناس، بل تأمين موارد بقاء السلطة وشبكاتها. وهكذا انتقلت سوريا من دولة تنهب مواردها بصمت إلى سلطة تعيش على اقتصاد الفوضى.
ما تكشفه أرقام عامي 2024 و2025 هو أن سوريا لم تكن أمام اقتصاد مريض فحسب، بل أمام وطن مكسور اقتصاديًا. فحين ينخفض الناتج المحلي الاسمي من نحو 67.5 مليار دولار عام 2011 إلى قرابة 21.4 مليار دولار عام 2024، وحين تُقدَّر كلفة إعادة إعمار البنية التحتية والمساكن والأصول الاقتصادية المدمرة بنحو 216 مليار دولار، فنحن لا نتحدث عن أزمة عابرة، بل عن نتيجة نصف قرن من الاستبداد والنهب، وأكثر من عقد من الحرب، حوّلت الدولة إلى حطام اقتصادي واجتماعي. هذه الأرقام، التي صدرت قبل دخولنا عام 2026، لا تنتمي إلى الماضي بوصفها وثائق جامدة، بل تشكل الخلفية الثقيلة التي يتحرك داخلها الاقتصاد السوري اليوم.
وهذا يعني أن الحكومة الانتقالية، وهي تدخل عامها الثاني تقريبًا، لم ترث اقتصادًا طبيعيًا يمكن إصلاحه ببعض القرارات الإدارية، بل ورثت خرابة صنعها نظام حوّل الدولة إلى جهاز نهب، ثم جاءت الحرب لتكشف عظامها العارية. لكن خطورة المرحلة لا تكمن فقط في الإرث الذي تركه النظام البائد، بل في احتمال إعادة إنتاج المنطق نفسه بأدوات جديدة. فإذا كان نظام الأسد الأب والابن قد دمّر الاقتصاد عبر الفساد، والاحتكار، والمافيا الأمنية، واستنزاف موارد الريف، ونهب النفط، وضرب الزراعة في المناطق المنتجة، فإن الخطر اليوم أن يُدمَّر ما تبقى عبر قلة الخبرة، وغياب الرؤية الإنتاجية، وعقلية أيديولوجية ترى المواطن تابعًا للسلطة لا شريكًا في الدولة.
الخطورة أن هذه الحكومة، بدل أن تقطع مع منطق الاستنزاف القديم، قد تعيد إنتاجه بأسلوب آخر، النظام السابق سرق الاقتصاد باسم السلطة، أما السلطة الجديدة فتخاطر بخنقه باسم المرحلة، والدين، والضرورة، وقلة الموارد.
كان البنك الدولي قد توقّع نموًا محدودًا بنحو 1% لعام 2025 بعد انكماش قُدّر بنحو 1.5% في عام 2024، لكن هذا النوع من النمو، حتى لو تحقق، لا يعني نهوضًا حقيقيًا. إنه أشبه بحركة ضعيفة في جسد محطم، لا بعافية اقتصادية. فاقتصاد خسر معظم قدرته الإنتاجية، وتضررت بنيته التحتية، وانقطعت سلاسله المالية والتجارية، وتراجع فيه الدعم الدولي، لا يمكن أن يتعافى بمجرد رقم نمو صغير. النمو هنا لا يقيس حياة الناس، ولا يرمم الريف، ولا يعيد للفلاح وقوده وبذاره وسماده، ولا يعيد للخبز قيمته في بيت السوري.
وفي عام 2026، لا تزال الصورة محاطة بالغموض. قد تتحسن بعض المؤشرات إذا خُففت القيود، وعادت بعض الاستثمارات، وتحسنت الكهرباء، وبدأ اللاجئون بالعودة، لكن هذه الاحتمالات تبقى هشة أمام اقتصاد لم يستعد بعد أدواته الأساسية. فالعقوبات، وضعف النظام المالي، وتراجع المساعدات، وأزمة الطاقة، وانهيار البنية التحتية، واستمرار التوترات الإقليمية، تجعل أي تحسن رقمي محدود عاجزًا عن التحول إلى حياة أفضل في السوق والحقل والبيت.
في هذا السياق، يصبح قرار تسعير القمح خطيرًا؛ لأنه يأتي في لحظة زراعية كارثية. فقد قدّرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “الفاو” أن إنتاج الحبوب في سوريا عام 2025 بلغ نحو 1.2 مليون طن فقط، أي أقل من المتوسط بأكثر من 60%، بسبب الجفاف الشديد. كما أوضحت أن الأمطار بين تشرين الثاني/نوفمبر 2024 وأيار/مايو 2025 كانت أقل من المعدل الطويل الأمد بأكثر من 50%، وأن ارتفاع أسعار المدخلات الزراعية والاضطرابات المحلية أثّرا على المساحات المزروعة. والأخطر أن الفاو توقعت حاجة سوريا إلى استيراد نحو 3 ملايين طن من القمح في موسم 2025/2026، وهي حاجة تفوق متوسط السنوات الخمس بنحو 70%.
هذه الأرقام تؤكد أن الدولة لا تتعامل مع محصول عادي، بل مع ملف أمن غذائي وطني. رويترز نقلت أن سوريا تواجه عجزًا في القمح بنحو 2.73 مليون طن، وأن الإنتاج المحلي لا يتجاوز تقريبًا 1.2 مليون طن مقابل حاجة سنوية تقارب 4 ملايين طن، في بلد ما زال فيه ملايين الناس تحت ضغط انعدام الأمن الغذائي.
إذا جمعنا هذه المعطيات، تظهر المفارقة القاتلة: الدولة تحتاج إلى القمح أكثر من أي وقت مضى، لكنها تسعّره بطريقة تدفع الفلاح إلى اليأس من زراعته. تريد منه أن ينتج محصولًا استراتيجيًا، لكنها لا تمنحه سعرًا استراتيجيًا. تريد منه أن يحمي رغيف الخبز، لكنها لا تحميه من الديون. تريد منه أن يبقى في الأرض، لكنها لا تعطيه ما يكفي كي يبقى حيًا فوقها.
يتبع…
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
18/5/2026 م