وَهْمُ التَّمْثِيل المُطْلَق لِلشعُوب!

كفاح محمود

  في لحظة صادقة وفجّة، سُئل مسؤولٌ في حزب ديني: من معكم؟ فأجاب مطمئنًا: “فقط الله”، هذه الجملة لا تفضح صاحبها وحده، بل تفضح منطقًا سياسيًا شائعًا في منطقتنا: منطق التفويض الذي يُخرج الشعب من الحساب، ثم يطالبه بدفع الفاتورة باسم الوطن مرة، وباسم الدين مرة، وباسم التاريخ مرة ثالثة، والمفارقة أن مشروعين متناقضين في الشعار، متشابهين في الجوهر، قدّما نفسيهما بوصفهما ممثلَين للشعب بالكامل: الشيوعية أو الاشتراكية ذات الصبغة الماركسية وملحقاتها، ثم الإسلام السياسي وملحقاته، فالأولى كانت تعتبر خصومها “أعداء الشعب” بالضرورة، والثانية تُلمّح أو تُصرّح بأن خصومها أعداء الدين أو أعداء “المشروع الإلهي”، وبين “الشعب كلّه معي” و”الله وحده معي”، يتقلص المواطن إلى رقمٍ في قطيع، أو ضحيةٍ في معادلة لا تعترف بالنقد ولا بالتعدد.

  وعندما يُختبر ادعاء التمثيل المطلق بالأرقام ينكشف سريعًا، ففي التجارب الحزبية الكبرى، لم يكن الحزب هو المجتمع، بل أقلية منظمة تمتلك مفاتيح الدولة ثم تقول: نحن الشعب، وفي التجربة العراقية مثلًا، ادّعى حزب البعث تمثيل الأمة والدولة، لكن عضويته، حتى عند تضخمها، لم تكن مرادفًا للإجماع، فضلًا عن أن جانبًا من الانتماء كان مدفوعًا بالحاجة إلى وظيفة أو دراسة أو حماية، أي أن التمثيل المطلق هنا لم يكن حقيقة اجتماعية، بل أداة سياسية لاحتكار الشرعية وتكميم المجتمع.

  لماذا فشل المشروعان؟

  لأنهما قتلا السياسة نفسها، المشروع الأيديولوجي وملحقاته حوّل الدولة إلى جهاز يُدار بالعقيدة، لا بالكفاءة والمحاسبة، ومع الزمن تتضخم البيروقراطية، وتشيخ الفكرة، وتتحول حماية الشعب إلى حماية الحزب، وتصبح الشعارات بديلًا عن الإنتاج، والقبضة بديلًا عن العقد الاجتماعي، أما الإسلام السياسي وملحقاته فاستبدل “الدولة للجميع” بـ”الدولة للفضيلة”، وخلط بين الإيمان بوصفه قيمة روحية، والحكم بوصفه إدارة مصالح، وحين يُعامل النقد كأنه خروج على الدين، تُقدَّس الأخطاء وتُصادَر المؤسسات ويُختزل المجتمع إلى مؤمن ومشبوه. 

  وهنا تبرز إيران وأفغانستان كدليلين قاسيين على كلفة “التفويض السماوي” عندما يتحول إلى نظام حكم، ففي إيران، وبعد عقود من تسويق الحكم بوصفه حارسًا للقيم والثورة، تبدو النتيجة مجتمعًا تحت ضغط اقتصادي مزمن واحتقان اجتماعي واسع وتآكلًا في الثقة؛ أي أن “شرعية السماء” لم تنتج استقرارًا مستدامًا بقدر ما أنتجت دورة استنزاف طويلة، وفي أفغانستان، قدّم طالبان أنفسهم بوصفهم إمارة تستمد شرعيتها من الدين، فانتهى الأمر إلى عزلة وأزمة إنسانية وتقييد واسع للحريات، وصولًا إلى حرمان واسع للفتيات والنساء من التعليم الثانوي والجامعي، وتقييد مشاركتهن في المجال العام.

  الخلاصة بسيطة ومؤلمة: لا حزب يملك وكالة حصرية عن الشعب، ولا حزب يملك توقيعًا حصرًا عن السماء، كل ادعاء بالتمثيل المطلق هو إعلان مبكر عن الاستبداد، حتى لو لبس قميصًا أحمر أو عباءة دينية، معيار الشرعية الوحيد هو: دستور يحدّ السلطة، انتخابات تنافسية، قضاء مستقل، تربية وتعليم حضاري مدني، إعلام حر، ومحاسبة لا تُجرَّم بوصفها خيانة للشعب أو خروجًا على الدين، وحين يقولون لك: “نحن الشعب” أو “الله معنا”، تذكّر أن الشعب غالبًا هو الذي يُقصى أولًا، ثم يُطالَب بالدفع أخيرًا.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

روني علي وقفة .. مازال لدى الكوردي المنتمي إلى هويته بعض الوقت لأن يتحرر من أوهام كانت من ارهاصات الموت السوري .. فقد تم الدفع به ليكون سياجا لنظام طاغ والآن يتم الدفع به ليكون جسر الترويض لنظام لا ندرك كنهه .. كل ما ندركه أنه مدفوع الثمن من جانب مراكز القرار الدولية منها والإقليمية .. لن يكون للكوردي أية…

عاكف حسن المفارقة الكبرى في الخطاب الأبوجي اليوم أنه لم يعد يهاجم فقط فكرة الدولة الكردية، بل أصبح يهاجم فكرة الدولة القومية من أساسها، وكأن وجود دولة تعبّر عن هوية شعب أو تحمي مصالحه جريمة تاريخية يجب التخلص منها. لكن السؤال الذي لا يجيبون عنه أبداً: إذا كانت الدولة القومية شراً مطلقاً، فلماذا لا يطلبون من الأتراك أو الفرس أو…

أمين كلين   ياسادة الافاضل : سياسة التغير الديموغرافي التي اتبعتها الحكومات السورية المتعاقبة وبدون استثناء بحق الشعب الكردي ، كانت تستهدف نقل عائلات علوية ودرزية الى الجزيرة ونفذها الوزير مصطفى حمدون في الخمسينيات القرن الماضي ( والذي لم يصدق فاليذهب الى ديريك ثم الدجلة … ) ثم تغير اسماء البلدات والقرى الكردية وتعريبها ، مثلا قريتي : كندى شيخ…

د. محمود عباس قضية اللغة الكوردية ليست قضية حروف ولهجات ومناهج فحسب، بل قضية وجود. فهي تقف في رأس هرم القضية القومية الكوردية في مجمل جغرافية كوردستان، لأن الأمة التي تُمنع من لغتها تُمنع من تسمية ذاتها، ومن كتابة تاريخها، ومن توريث ذاكرتها لأجيالها. لذلك فإن يوم اللغة الكوردية ليس مناسبة لغوية عابرة، بل يوم كوردستاني عام، يمسّ جوهر حق…