د. محمود عباس
قضية اللغة الكوردية ليست قضية حروف ولهجات ومناهج فحسب، بل قضية وجود. فهي تقف في رأس هرم القضية القومية الكوردية في مجمل جغرافية كوردستان، لأن الأمة التي تُمنع من لغتها تُمنع من تسمية ذاتها، ومن كتابة تاريخها، ومن توريث ذاكرتها لأجيالها. لذلك فإن يوم اللغة الكوردية ليس مناسبة لغوية عابرة، بل يوم كوردستاني عام، يمسّ جوهر حق الشعب الكوردي في أن يكون حاضرًا بلغته في الدستور، والمؤسسات، والمدارس، والجامعات، والفضاء العام.
فاللغة ليست وسيلة تواصل فقط، بل ذاكرة الأمة، ووعاء وعيها، وسجل آلامها وأحلامها. ومن يفقد لغته لا يفقد كلمات وحروفًا فحسب، بل يفقد الطريق إلى ذاته. لهذا لم يكن حصار اللغة الكوردية في تركيا وسوريا وإيران، وسابقًا في العراق، إجراءً إداريًا أو تعليميًا عابرًا، بل جزءًا من مشروع سياسي أعمق: إضعاف الوعي القومي الكوردي، وقطع الصلة بين الإنسان الكوردي وتاريخه وجغرافيته.
ورغم غنى اللغة الكوردية بلهجاتها ومفرداتها وإيقاعها وجمالياتها، ورغم عمقها بوصفها إحدى اللغات الإيرانية الغربية، فقد حُرمت طويلًا من شروط التطور الطبيعي. لم تُمنح حقها في التعليم النظامي، ولا في الجامعات، ولا في المؤسسات الرسمية، ولا في مراكز البحث، ولا في الأكاديميات اللغوية، كما مُنحت لغات الدول التي تحتل كوردستان. كان المطلوب أن تبقى لغة البيت والجبل والأغنية والذاكرة الشفوية، لا لغة الدولة والمدرسة والقانون والعلم.
في تركيا، بلغ القمع اللغوي ذروته بعد انقلاب 1980، حيث صدر القانون رقم 2932 الذي حظر استخدام اللغات غير المعترف بها كلغات أولى للمواطنين الأتراك، وكان الكوردية في صلب المستهدفين، ولم يُلغَ هذا الحظر إلا عام 1991، بينما بقيت القيود على التعليم والبث والنشر مستمرة بأشكال مختلفة. كما أن المادة 42 من الدستور التركي ما زالت تنصّ على أنه لا يجوز تعليم أي لغة غير التركية كلغة أم للمواطنين الأتراك في مؤسسات التعليم، مع استثناءات مرتبطة باتفاقية لوزان للأقليات غير المسلمة، لا تشمل الكورد.
وفي إيران، تنصّ المادة 15 من الدستور على أن الفارسية هي اللغة الرسمية ولغة الوثائق والمراسلات والكتب المدرسية، مع السماح باستخدام اللغات المحلية والقومية في الصحافة والإعلام وتعليم آدابها إلى جانب الفارسية. لكنها لا تمنح الكوردية، ولا غيرها من لغات الشعوب غير الفارسية، صفة لغة رسمية أو قومية كاملة داخل مؤسسات الدولة والتعليم.
أما في سوريا، فقد عانى الكورد عقودًا طويلة من سياسات الإنكار، من الإحصاء الاستثنائي عام 1962 إلى الحزام العربي، ومن منع الأسماء الكوردية إلى التضييق على اللغة في المدارس والفضاء العام. وحتى حين بدأت التحولات الأخيرة تفتح نافذة محدودة، مثل المرسوم الصادر في كانون الثاني/يناير 2026 الذي اعترف بالكوردية كلغة وطنية، وسمح بتدريسها في المدارس، وربط ذلك بإعادة الجنسية وحقوق ثقافية أخرى، فإن السؤال لا يزال قائمًا: هل ستكون الكوردية لغة قومية دستورية ذات حضور مؤسسي، أم مجرد اعتراف سياسي قابل للتراجع عند أول تغير في ميزان السلطة؟
وفي غربي كوردستان، خلال ما يقارب عقدًا ونيفًا، انتقلت اللغة الكوردية من فضاء المنع والتهميش إلى مستوى أكاديمي ومؤسساتي غير مسبوق في تاريخها الحديث. فقد بُنيت جامعات، وتوسعت مؤسسات التعليم، وأصبحت الكوردية لغة للتدريس، والإدارة، والسياسة، والإعلام، إلى جانب اللغة العربية، في تجربة لم تكن مجرد تفصيل ثقافي، بل إنجازًا قوميًّا ومعرفيًّا تحقق وسط الحرب والحصار والتهديدات. واليوم، مع ما يجري من محاولات الاندماج بين الإدارة الذاتية والحكومة السورية الانتقالية، لا يجوز التعامل مع هذا الإنجاز كمرحلة عابرة أو كواقع مؤقت قابل للتراجع. بل يجب الاعتراف به دستوريًا، وتثبيت اللغة الكوردية كلغة رسمية في مناطقها، ولغة ثانية معترف بها في سوريا عامة، والعمل على تطوير ما تحقق لا حصره أو تفريغه أو إعادته إلى هامش “الخصوصية الثقافية”. فما تحقق للكوردية في غربي كوردستان خلال عقد ونيف ليس منحة من أحد، بل ثمرة نضال ووعي وتضحيات، وأي اندماج لا يحمي هذا الإنجاز دستوريًا سيكون شكلًا آخر من أشكال التراجع المقنّع.
وفي العراق، لم يكن الاعتراف بالكوردية كلغة رسمية منحة من أحد، بل جاء ثمرة صراع طويل ودموي ومرير. فقد نصّ دستور العراق لعام 2005 في مادته الرابعة على أن العربية والكوردية هما اللغتان الرسميتان في العراق، مع ضمان حق التعليم باللغة الأم لمكونات أخرى. لكن هذا الاعتراف لم يأتِ إلا بعد عقود من الثورات، والأنفال، وحلبجة، والتهجير، والدماء، وقيام إقليم كوردستان كواقع سياسي وإداري لا يمكن تجاوزه.
ومن هنا، فإن انتقال اللغة الكوردية من مرحلة المنع والطمس إلى مرحلة المطالبة بالاعتراف الدستوري لا يعني نهاية المعركة، بل بدايتها بصيغة جديدة. فحين تعجز الأنظمة عن محو اللغة، تبدأ بمحاولة احتوائها: تسمح بها كلغة ثقافية لا سياسية، كلغة محلية لا قومية، كلغة اختيارية لا مؤسسية، كلغة تراث لا لغة مستقبل. وهنا تكمن الإشكالية الجديدة: الاعتراف الشكلي قد يتحول إلى أداة أخرى للحدّ من اللغة إذا لم يُربط بالدستور، وبالتعليم، وبالإدارة، وبالقضاء، وبالإعلام، وبالأكاديميات.
ولا بد أن نتذكر أن يوم اللغة الكوردية نفسه ارتبط بحدث نهضوي مفصلي، صدور العدد الأول من مجلة (هاوار – HAWAR) في دمشق في 15 أيار/مايو 1932، على يد الأمير جلادت بدرخان ورفاقه، وهي المجلة التي أسهمت في ترسيخ الأبجدية الكوردية اللاتينية المعروفة بأبجدية هاوار أو أبجدية بدرخان. ومنذ عام 2006 صار 15 أيار يُحتفى به كيوم للغة الكوردية، لا بوصفه ذكرى صحفية فقط، بل بوصفه إعلانًا بأن اللغة الكوردية قادرة على دخول العصر بالحرف والمعرفة والمؤسسة.
لقد كانت مبادرة جلادت بدرخان أكثر من عمل لغوي. كانت محاولة لإنقاذ لغة من التشتت، ووضعها على طريق التدوين الحديث، والتعليم، والوعي القومي. فمنذ حروف هاوار الأولى حتى معارك الاعتراف الدستوري اليوم، ظلت اللغة الكوردية تواجه السؤال ذاته، هل يُسمح لها أن تكون لغة أمة، أم تُحاصر لتبقى لهجة شعبٍ ممنوع من التحول إلى شعب سياسي كامل؟
إن العربية، رغم أنها لغة النص القرآني والحديث والتراث الإسلامي، لم تكن مهددة من الكوردية، ولا تحتاج إلى محاربة لغة شعب آخر كي تثبت مكانتها. لكن الأنظمة العربية في سوريا والعراق سابقًا، كما الأنظمة التركية والفارسية، تعاملت مع الكوردية كخطر، لا لأنها تخاف على لغاتها من الضعف، بل لأنها تخاف من أن تتحول الكوردية إلى جسر وعي قومي يربط الكوردي بأرضه وتاريخه وحقه السياسي. فالخوف لم يكن من اللغة ذاتها، بل من الأمة التي تستيقظ من خلالها.
ولكي ندرك حجم النفاق في التعامل مع اللغة الكوردية، يكفي أن نعكس السؤال تاريخيًا، ماذا لو بقي الوجود الصليبي في المشرق قرونًا، وفرض لغته على المدن والقرى، ومنع العربية من المدارس والإدارة والجامعات؟ ماذا لو قامت قوة استعمارية في الأناضول بمحو التركية، ومنعت الأتراك من تسمية قراهم وأبنائهم بلغتهم؟ وماذا لو لم تستعد الفارسية حضورها بعد عصور الانقطاع والتحولات، أو لو فُرضت عليها لغة أخرى في الدولة والإدارة والثقافة حتى تراجعت إلى لغة بيت وذاكرة؟ أكانت هذه الشعوب ستقبل بذلك بوصفه “وحدة وطنية” أو “ضرورة إدارية” أو “اندماجًا في الدولة”؟ أم كانت ستعدّه جريمة حضارية تستهدف روح الأمة قبل لسانها؟
هذا بالضبط ما جرى، وما زال يجري، مع اللغة الكوردية. فالذي ترفضه العربية لنفسها، وترفضه التركية لنفسها، وترفضه الفارسية لنفسها، فرضته هذه الأنظمة على الكوردية باسم السيادة والوحدة والأمن القومي. وهنا لا تعود المسألة لغوية فقط، بل أخلاقية وتاريخية، لماذا يكون الدفاع عن العربية أصالة، وعن التركية قومية، وعن الفارسية حضارة، بينما يصبح الدفاع عن الكوردية انفصالًا أو تهديدًا أو خصوصية يمكن تأجيلها؟
لو فُرض على العربية أو التركية أو الفارسية ما فُرض على الكوردية، لسمّوه إبادة ثقافية؛ أما حين تكون الضحية كوردية، يسمّونه وحدة وطنية.
وهنا يجب أن يكون مطلبنا واضحًا: لا نريد الكوردية لغة زينة في الدساتير، ولا مادة هامشية في المدارس، ولا نشاطًا ثقافيًا موسميًا في الأعياد. نريدها لغة قومية معترفًا بها دستوريًا في كل جزء من كوردستان، لغة تعليم وإدارة وإعلام وبحث أكاديمي، لغة قادرة على إنتاج المعرفة لا حفظ التراث وحده. ففي غربي كوردستان، لا يكفي أن تُدرَّس الكوردية كلغة ثانية أو اختيارية؛ يجب أن تكون لغة أصيلة في مناطقها، وجزءًا من هوية سوريا التعددية إذا كانت سوريا القادمة صادقة في ادعاءاتها.
فاللغة الكوردية لم تخسر روحها رغم قرون التهميش. لم تدخل الجامعات كما تستحق، ولم تُمنح مؤسساتها كما يجب، ولم تُحمَ بالدساتير كما حُميت لغات الدول، لكنها بقيت حيّة في القصيدة، والأغنية، والمثل، والذاكرة، وفي حناجر الأمهات، وفي أسماء القرى والجبال والأنهار. قاومت بلا دولة، ونجت بلا أكاديميات كبرى، وتوارثتها الأجيال رغم المنع والسجون والإنكار.
في يوم اللغة الكوردية، لا نحتفل بلغة نجت فحسب، بل نعلن أن نجاتها لم تعد كافية. فالمطلوب اليوم أن تنتقل من البقاء إلى السيادة الثقافية، ومن الذاكرة الشفوية إلى المؤسسة، ومن الاعتراف الرمزي إلى الاعتراف الدستوري، ومن لغة ممنوعة سابقًا إلى لغة قادرة على صناعة المستقبل.
فاللغة الكوردية ليست تفصيلًا في القضية الكوردية؛ إنها قلبها. ومن يطالب بحقوق الكورد دون أن يطالب بسيادة لغتهم في التعليم والدستور والإدارة، يترك القضية ناقصة. ومن يقبل أن تكون الكوردية مجرد لغة بيت أو مهرجان أو مادة اختيارية، يشارك، ولو من حيث لا يدري، في استمرار مشروع الطمس بأدوات أكثر نعومة.
إن يوم اللغة الكوردية هو تذكير بأن الأمة التي تحفظ لغتها تحفظ ذاتها. وكما لم تستطع السجون، ولا الحدود، ولا المناهج المفروضة، ولا دساتير الإنكار، أن تقتل هذه اللغة، فلن تستطيع اليوم صيغ الاعتراف الناقص أن تحاصرها إذا امتلك الكورد إرادة تحويلها إلى مؤسسة، وقانون، ومدرسة، وجامعة، ووعي قومي لا يتراجع.
اللغة الكوردية لم تكن يومًا ظلًا للغات الآخرين. كانت، وما تزال، صوت كوردستان العميق؛ الصوت الذي حاولوا خنقه، فإذا به يعود في كل جيل أكثر إصرارًا، وأكثر صفاءً، وأكثر قدرة على أن يقول للعالم: ما دامت لغتنا حيّة، فإن كوردستان لم تُهزم.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
14/5/2026م