الدولة حين تخاف من التعدد: سؤال الكرد والانتماء

آخين ولات

ليست مسألة انتماء الكرد إلى الدول التي يعيشون فيها قضية يمكن اختزالها في اتهاماتٍ جاهزة أو أحكامٍ مسبقة عن “الولاء” و”الاندماج”. إنها، في جوهرها، مرآةٌ تكشف طبيعة العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وحدود قدرتها على استيعاب التعدد داخل إطارٍ وطنيٍ جامع.

فعلى مدى قرنٍ تقريباً، نشأت في المنطقة دولٌ حديثةٌ رفعت شعارات الوحدة والسيادة، لكنها تعاملت مع التنوع القومي والثقافي بوصفه تحدياً ينبغي احتواءه، لا حقيقةً ينبغي الاعتراف بها. وفي هذا السياق، لم تُقدَّم الهوية الكردية باعتبارها جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني، بل جرى التعامل معها، في كثيرٍ من الأحيان، كملفٍ أمنيٍ أو إشكالٍ سياسيٍ دائم.

وهنا تظهر المعضلة الأساسية: حين تتحول هوية جماعةٍ بشرية إلى “مشكلة”، فإن الأزمة لا تكون في وجود تلك الجماعة، بل في تصور الدولة لنفسها ولشكل الوحدة التي تريد فرضها.

وتبدو اللغة مثالاً واضحاً على هذا الخلل. ففي عددٍ من دول المنطقة، ظل تعليم اللغة الكردية أو استخدامها في المجال العام محاطاً بقيودٍ سياسيةٍ وقانونيةٍ طويلة، وكأن الاعتراف بالتعدد اللغوي يهدد وجود الدولة ذاته. لكن الدولة الواثقة من نفسها لا تخشى لغات مواطنيها، بل ترى فيها تعبيراً طبيعياً عن غناها الاجتماعي والثقافي.

فالانتماء، في معناه الحديث، لا يُنتَج بالقوة ولا يُبنى عبر الشعارات الرسمية. إنه علاقةٌ تقوم على الاعتراف المتبادل: تعترف الدولة بمواطنيها وحقوقهم وكرامتهم، فيبادلونها شعوراً بالانتماء قائماً على المشاركة والثقة، لا على الخضوع أو الخوف.

وعندما تختل هذه العلاقة، يصبح سؤال الولاء سؤالاً ملتبساً. فكيف يُطلب من جماعةٍ أن ترى نفسها في رموزٍ لم تعبّر عنها، أو أن تمنح ثقتها لكيانٍ لم يمنحها شعوراً متساوياً بالمواطنة؟ وكيف يمكن بناء هويةٍ وطنيةٍ مستقرة إذا كان الاعتراف بالتنوع يُنظر إليه بوصفه تنازلاً لا حقاً أصيلاً؟

إن المشكلة، في حقيقتها، ليست في “رفض” الكرد للعيش المشترك، بل في طبيعة هذا العيش نفسه: هل يقوم على المساواة أم على الهيمنة؟ هل هو شراكة بين مكوناتٍ متكافئة، أم اندماجٌ مشروطٌ بالتخلي عن الخصوصية الثقافية واللغوية؟

فالدولة التي تشترط على مواطنيها الذوبان الكامل كي تعترف بهم، لا تبني مواطنةً حديثة، بل تعيد إنتاج نموذجٍ هشّ يخشى الاختلاف أكثر مما يحتضنه.

ومن هنا تبرز الأسئلة الأكثر أهمية: لماذا أخفقت دول المنطقة، رغم عقودٍ طويلة، في تطوير نموذجٍ وطنيٍ يستوعب الكرد باعتبارهم جزءاً طبيعياً من مجتمعاتها؟ ولماذا بقيت سياسات الإدماج أقرب إلى الإلغاء منها إلى الاعتراف؟ ولماذا تُعامل الحقوق الثقافية واللغوية باعتبارها امتيازات قابلة للمنح والسحب، لا حقوقاً أساسية لا تستقيم المواطنة من دونها؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالماضي وحده، بل ترسم أيضاً ملامح المستقبل. فالدول التي تعجز عن التكيف مع تنوعها تبقى أسيرة توتراتٍ متكررة، لأنها تعالج الأعراض وتتجاهل الأسباب. أما الدول التي تدرك أن الاستقرار الحقيقي يبدأ من الاعتراف المتساوي بجميع مواطنيها، فإنها تؤسس لوحدةٍ أكثر رسوخاً وقدرةً على الاستمرار.

إن الكرد، في النهاية، لا يطالبون بشيء خارج منطق الدولة الحديثة، بل بما ينسجم مع جوهرها: دولةٌ تعترف بجميع مواطنيها، وتحمي حقوقهم، وتمنحهم مساحةً ليكونوا أنفسهم داخلها، لا خارجها.

ولهذا، فإن سؤال الولاء لا ينبغي أن يُوجَّه إلى الكرد وحدهم، بل إلى الدولة نفسها أيضاً: هل تستطيع أن تكون فضاءً جامعاً يتسع للجميع، أم ستظل أسيرة تصورٍ أحاديٍ للهوية والانتماء؟

الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد شكل الوطن، ومعنى الانتماء إليه.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عنايت ديكو هناك خيط واحد يربط بين كلّ ما يجري على الأرض السورية معاً: تُعتبر القضية الكوردية، والخوف المزمن للسلطة من الكورد، لغةً وهويةً ووجوداً وتاريخاً، من أصعب التحديات والعوائق التي تواجهها الحكومة العربية السورية منذ تسلّمها الحكمدارية في دمشق وحتى هذه اللحظة. فالقضية الكوردية وتشعّباتها، لها تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على شرعية الحكم في سوريا. اليوم، وبعد الاستسلام العسكري…

خالد حسو القضية الكوردية ليست قضية حزب أو تيار أو رؤية سياسية محددة، بل هي قضية شعب يمتلك تاريخاً وهويةً وحقوقاً مشروعة سعى للحفاظ عليها عبر عقود طويلة من التحديات والمعاناة. ومن هنا، فإن اختزال هذه القضية الواسعة ضمن إطار ضيق أو ربطها برأي واحد فقط، لا يخدم جوهرها الحقيقي ولا يعكس تنوع المجتمع الكوردي وغناه الفكري والسياسي. الاختلاف في…

زاهد العلواني ماموستا صلاح بدرالدين لسان حاله يقول: الشعب الكردي يريد قيادة شرعية لا أوصياء أحزاب. وكلامه هذه يعبّر عن وجع شريحة واسعة من أبناء الشعب الكردي السوري الذين تعبوا من دوامة الشعارات الفارغة، والانقسامات الحزبية والعدد تجاوز “38” والوعود التي استُهلكت منذ سنوات دون أي نتيجة حقيقية على الأرض. لقد تحولت بعض القيادات الحزبية إلى مراكز نفوذ مغلقة، همّها…

المهندس باسل قس نصر الله بداية يجب ان نعلم يقيناً أن برميل نفط، في الحسابات الغربية “أميركا وكندا واستراليا وأوروبا غيرهم” وخاصة الحسابات غير المعلنة، أهم من عشرة مسيحيين عرب، كما انهم ما يحتاجون إلى من يحميهم مما يبيّته لهم هذا الغرب من دَورٍ، كلما رغب في الإمتداد إلى المنطقة، وأنهم سيجدون دائماً من يشجّعهم على مخاصمة أبناء…