من يحمي المسيحيين العرب؟

المهندس باسل قس نصر الله

بداية يجب ان نعلم يقيناً أن برميل نفط، في الحسابات الغربية “أميركا وكندا واستراليا وأوروبا غيرهم” وخاصة الحسابات غير المعلنة، أهم من عشرة مسيحيين عرب، كما انهم ما يحتاجون إلى من يحميهم مما يبيّته لهم هذا الغرب من دَورٍ، كلما رغب في الإمتداد إلى المنطقة، وأنهم سيجدون دائماً من يشجّعهم على مخاصمة أبناء قومهم والالتحاق بالغرب.

لذلك نعود إلى التاريخ قليلاً، فعندما اعتنقت الدولة البيزنطية المسيحية بعد قرون من اضطهاد المسيحيين، ساد الاعتقاد بأن عصر العنف الديني قد انتهى، وأن الدين الجديد سيُدخل مرحلة من الحرية والاستقرار. لكن الواقع كشف سريعاً أن تبنّي الدولة للمسيحية لم يكن دينياً خالصاً، بل ارتبط إلى حدّ كبير بحاجتها إلى تحقيق وحدة سياسية داخل الإمبراطورية. ولهذا سعت بيزنطية إلى فرض “نسختها الرسمية” من المسيحية على شعوبها المختلفة.

كان الإمبراطور البيزنطي يريد كنيسة تشبه الإمبراطورية في بنيتها المركزية: ففي كل مقاطعة حاكم وقائد عسكري ومطران. أما المسيحيون العرب، فقد حاولوا أن تكون كنيستهم انعكاساً لبيئتهم الاجتماعية والقبلية، فصار لكل قبيلة مطران كما لكل قبيلة شيخ. ومن هنا بدأ التوتر بين السلطة المركزية البيزنطية والمجتمعات المسيحية المحلية في المشرق.

ومع تصاعد الخلافات العقائدية، تحوّلت الاختلافات اللاهوتية إلى صراعات سياسية دامية. فبعد مجمع خلقيدونية سنة 451 م ظهرت جماعات سورية انضمّت إلى المذهب الرسمي البيزنطي. وفي المقابل تعرّض اليعاقبة والأقباط “المخالفين لاهوتياً للبيزنطيين” إلى اضطهادات واسعة، حتى إن بعض الروايات تتحدث عن مقتل أعداد هائلة من الأقباط في مصر، وعند دخول المسلمين وعلى رأسهم عمرو بن العاص إلى مصر، كان أغلب رجال الدين القبطي مختبئين في الصحارى هرباً من بطش السلطة البيزنطية. وهكذا تحوّل الدين إلى ساحة صراع سياسي ومذهبي غذّته الدولة وأطراف النزاع المختلفة.

عند ظهور الإسلام ودخول العرب إلى بلاد الشام ومصر، تغيّر المشهد بصورة ملحوظة. فقد خفّت حدة الصراعات الطائفية، وعمل الحكام الجدد على تنظيم العلاقة بين الطوائف المختلفة. وتذكر بعض الروايات أن معاوية بن أبي سفيان “عندما كان والياً على الشام” استقبل وفوداً من الرهبان الخلقيدونيين، وأمر بإحصاء ممتلكات الطوائف في الشام ومنع استيلاء أي جماعة على أملاك الأخرى، مما ساهم في تحقيق قدر من الاستقرار الديني.

واللافت أن الغالبية السكانية في بلاد الشام بقيت مسيحية طوال قرون عديدة من الحكم الإسلامي، ولم يصبح المسلمون أكثرية إلا بعد الحروب الصليبية بزمن طويل. وهذا يدل على أن التحوّل الديني لم يكن نتيجة سياسة إجبار عامة، بل جاء تدريجياً عبر عوامل اجتماعية وثقافية متعددة منها الحروب الصليبية.

صحيح أن بعض الولاة مارسوا سياسات مالية ظالمة، مثل الاستمرار في أخذ الجزية ممن أسلموا، خوفاً من نقص موارد الدولة، إلا أن الخليفة عمر بن عبد العزيز رفض ذلك بوضوح حين كتب إلى أحد ولاته: “إن الله بعث محمداً هادياً ولم يبعثه جابياً”.

إن هذه المرحلة التاريخية تكشف أن الدين كثيراً ما استُخدم لتحقيق أهداف سياسية، سواء في بيزنطية أو في غيرها. لكنها تظهر أيضاً أن المجتمعات تستطيع أن تعيش في ظل التنوع الديني عندما تقوم العلاقة على العدالة والتنظيم، لا على الإقصاء وفرض العقائد بالقوة.

لذلك على المسيحيين عدم تعليق الآمال على الدول الأجنبية لأن لها مشاريعها ومطامعها الخاصة، كما يجب في هذه الفترات ان تقوم الدولة التي توجد بها أقليات دينية، ببث الطمأنينة والأمان والعدل وعدم الانجرار او السماح – بأي شكل كان – بتخويف الاقليات ومنهم المسيحيون الذين سيتوجهون إلى الغرب لعلّه يجد الأمان والعدل فيها

الله اشهد بأنني بلّغت

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ولاتي مه – خاص: أعلن خمسة من أصل سبعة أعضاء في قيادة منظمة أوروبا التابعة لحزب الوحدة الديمقراطي الكُردي في سوريا انسحابهم من صفوف الحزب، وذلك عبر بيان سياسي صدر اليوم، أشاروا فيه إلى جملة من الأسباب التنظيمية والسياسية التي دفعتهم لاتخاذ هذا القرار، بعد ما وصفوه باستنفاد جميع محاولات الإصلاح الداخلي. ويأتي هذا التطور بعد أيام قليلة من إعلان…

د. حمدي سنجاري بعض الزيارات لا تُنسى. لا لأنها تُعرّفك على مكان، بل لأنها تضعك وجهاً لوجه مع معاناة بشر حقيقيين، وآمالهم التي لم تنطفئ بعد. وحين دعاني عدد كبير من أبناء سنجار، النازحين قبل أيام في دهوك وأربيل، وجدت نفسي أمام زيارة طالما أجّلتها أكثر مما ينبغي. هناك التقيت بسنجار الحقيقية. مسلمون، إيزيديون، مسيحيون. عرب وكورد وتركمان….

تلقى النائب كبرئيل موشي سلسلة من الاتصالات والرسائل من عدد من أحزاب الحركة الوطنية الكردية في سوريا، هنأته خلالها بمناسبة نيله عضوية مجلس الشعب السوري، متمنين له التوفيق والنجاح في أداء مهامه الوطنية وخدمة أبناء الوطن. وقد وردت هذه الاتصالات والرسائل من كل من: * الدكتور صلاح درويش سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا * السيد شلال كدو رئيس…

خوشناف سليمان ما تشهده مناطق شمال وشرق سوريا اليوم هي حالة استنزاف شاملة تضرب حياة الناس في الصميم. وتستهدف القدرة على البقاء والصمود لدى جميع مكونات المنطقة و خاصة الكرد الحرائق التي التهمت آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية خلال المواسم الأخيرة لم تكن مجرد حوادث عابرة. بل جاءت متزامنة مع سياسات اقتصادية أثقلت كاهل المزارعين. فأسعار شراء المحاصيل لم تعد…